تعطيل السؤال تخريبٌ للحياة    اليونيسف: محافظة ريمة تسجل أعلى معدل تقزم للأطفال في اليمن    بحماية قيادات حوثية.. تواصل عمليات السطو المسلح على أراضي المواطنين في إب    البريمييرليغ: ليفربول يحسم ديربي المرسيسايد    محمد قحطان.. الحاضر في القلوب رغم الغياب    تقرير أممي: تراجع إنتاج الحبوب في اليمن 13 بالمئة    تشكيلات مسلحة تقتحم منزل شيخ في عدن وتقتاده إلى إحدى معسكراتها    كأس ملك اسبانيا: كلاسيكو الارض بين الريال وبرشلونة يتجدد في النهائي    الطيران الأمريكي يعاود استهداف مواقع للحوثيين في محافظتي صعدة والحديدة    الحوثيون يعترفون بحصيلة ثقيلة.. 61 قتيلاً و139 جريحًا بغارات جوية!    منتخب الناشئين يصل جده ويستعد لمواجهة أفغانستان في كأس آسيا للناشئين    الجالية اليمنية تحتفي بعيد الفطر المبارك بفعالية مميزة في العاصمة الماليزية كوالالمبور    هل يتحول ترامب إلى هتلر جديد ويشعل الحرب العالمية الثالثة؟    وعود مجلس القيادة الرئاسي الكاذبة منذ اول يوم تشكيله    الخارجية الأمريكية تكرم الناشطة أمة السلام الحاج بجائزة المرأة الشجاعة    جرائم الشيوعي أحمد بن دغر في حضرموت لا تسقط بالتقادم (صور من الجريمة)    مجلس شيوخ الجنوب.. عمود توازن للاستقرار    كأس ملك اسبانيا ... ريال مدريد يحجز مكانه في النهائي    انتشار الجيش المصري في سيناء يزيد التوتر مع إسرائيل    الخوف من الماضي    السياسة بين فوهة البندقية وظلال العمامة    دائرة المرأة في الإصلاح: التكريم الدولي لأمة السلام الحاج رسالة اعتزاز بنضال اليمنيات    تكبيرات العيد في تريم... السلفية تحرم وتحذف عبارة "وعد الله الصادق لعباده بالنصر"    فريق ألعاب القوى بنادي التلال يواصل استعداداته للمشاركة في بطولة غرب آسيا    القباطي: الشباب والطلاب هم الركيزة الأساسية في المعركة الوطنية وبناء الوطن    متى تقوم ساعة الحساب والتغيير الحقيقية    ازدحام بمئات السيارات...صعوبة التنقل والحركة في شوارع عدن خلال العيد    مجلس وزراء الشرعية لم يجتمع منذ خمسة أشهر    الأرصاد يتوقع استمرار طقس معتدل بالمناطق الساحلية وبارد وأمطار رعدية بالمرتفعات الجبلية    الزُبيدي يُعزّي في وفاة القائد العميد محمود البتول    أمين عام الإصلاح يعزي نصر طه مصطفى وإخوانه في وفاة والدتهم    كتاب مصري قبل 150 عام حدد العيد في يوم الأثنين 31 مارس 2025    التداول السلمي للصفحة    مد بحري غير مسبوق غرب تعز يلحق اضرار بالتجمعات السكنية ويثير فزع الاهالي    إصلاح ريمة ينعى ياسين المسوري أحد قياداته الطلابية    تريم الغناء: مدينة الثقافة والعلماء والمعمار والمخطوطات والغرائب    الهوية والانتماء في شعر ما بعد الحداثة .. قراءة في "الشعر، الذات والوطن" ل"حميد عقبي"    مد بحري غير مسبوق يجتاح ساحل ذوباب ويتسبب في نزوح الأهالي    أحلام العيد المسروقة.. قصص من معاناة الموظفين في مناطق سيطرة الحوثي    العيد ليس زمنًا    العيد وعدٌ بغدٍ أجمل    مؤسسة أبو غيث الإنسانية توزع كسوة العيد والمساعدات المالية على الأسر المحتاجة في عدن    النصر بطلاً للدوري الرمضاني للفرق الشعبية بمديرتي المسيلة وسيحوت    اليمن تعلن الأحد أول أيام عيد الفطر    أجواء حماسية وتحديات نارية في دورة محمد بن حمد الرمضانية لألعاب الفنون القتالية الإماراتية    كرة القدم من ملهاة للشعوب لمفسدة للعلاقات    عيد بلا لحوم.. الغلاء يجبر أهالي عدن على البحث عن بدائل أرخص    شهر رمضان.. والوداع الحزين    - كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء تفصل عدد من الطلاب لعدة اسباب أقرأ ماهي؟!    شبام حضرموت تُحيي عادة الوريقة وتكرّم المسحراتي بروح التراث الأصيل    توجيهات بصرف العلاوات السنوية لموظفي الدولة ومنحهم كافة التسويات المستحقة    حضرموت في لقاء إنجرامز وبن سميط في زنجبار 1925م    المنتخب الوطني يواجه بوتان مساء اليوم في تصفيات الملحق الآسيوي    الوزير بحيبح يؤكد على أهمية الرقابة الصحية في المنافذ الجوية    طبيب سعودي: "حبة الكبد" أو "الحبة السوداء".. دواء مضاد للسموم    تعز.. تسجيل أكثر من 50 ألف إصابة بالملاريا خلال 2024م    ما بين علوم "فريدريك بانتينج" النافعة وعلوم الزنداني الكاذبة    وزير الصحة يبحث مع ممثل اليونيسف تعزيز التعاون الصحي في اليمن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القوميون وبناء الأمة
نشر في عدن الغد يوم 28 - 12 - 2013

(الهويّة" رهان اجتماعي حول التسمية والتصنيف والتعريف، أما صراع الهويّات فيستهدف إعادة إنتاج علاقات الهيمنة أو قلبها؛ حيث يتم بناء الهوية من خلال استراتيجيات الفاعلين الاجتماعيين) بيير بورديو
يتساءل عالم الاجتماع السياسي جاك باغنارعن السبب الذي يقود جماعة ما كي تحتشد في لحظةٍ محددةٍ من تاريخها لإثبات ذاتها وتأكيد هويتها المتفردة: فهل نستطيع أن نُماثل امتداداً طبيعياً يقود جماعة مُشكّلة لتعميق اندماجها والتحامها مُحركةً أصالتها المحددة بتبرير مطلب الاعتراف النوعي بها ؟.. فالدول الأوروبية التي قامت نتيجة انسلاخ الإمبراطورية الرومانية المقدسة كان الوعي موجوداً، في أساس قيامها، وبصورة أقل أو أكثر غموضاً لهوية جماعية نوعية، وبما فيه الكفاية لاسترداد سيادتها وحكمها الذاتي، وهو ذات الوعي الذي دعا دولاً كثيرة إلى تأكيد وجودها وفرادتها ولو عن طريق حروب تُسمى في العادة حروب تحرير وطنيةٍ.
خلافاً لذلك، ذهب إيرنست غلنر في دراسته المرجعية الهامة عن القومية، فالقومية، من وجهة نظره، ليست صحوة الأمم إلى الوعي الذاتي، بل هي اختراع الأمم حيث لم تكن موجودة. إن القومية مبدأ سياسي، والذي يقول أن على الوحدتين السياسية والقومية أن تتواءمان.
فالهوية الوطنية أو الانتماء إلى الأمة نتاجات ثقافية من نوعٍ محددٍ. ولكي نفهمها كما ينبغي، نحتاج أن نمعن النظر في كيفية بروزها إلى حيّز الوجود التاريخي، وكيفية تغيّر معانيها بمرور الزمن، وما يجعلها تحوز اليوم ما تحوزه من شرعية وجدانية عميقة.
تبدو الأمة، بمعنى الشعب المتصور من قِبل القوميين، كنتاجٍ للإيديولوجيا القومية، وليس العكس. فهي توجد من لحظة أن يُقرِّر فيها عدد لا يزيد على أصابع اليد من الناس المؤثرين أنها ينبغي أن تكون كذلك، وتبدأ، في معظم الحالات بوصفها ظواهر نخبوية متحضرة, من أجل أن تكون أداة سياسية فعالة. وباختصار، فالقومية تُمكِّن الناس من الحديث حول ثقافتهم وهويتهم كما لو كانت دائمة وثابتة، وبعبارة ريتشارد هاندلز الدقيقة، فإن الخطابات القومية هي "محاولات لبناء موضوعات ثقافية مُلزِمة".
فالإيديولوجيون القوميون يلجئون إلى قاعدة ذرائعية بحتة، فيختارون،، دائماً ويعيدون تفسير جوانب للثقافة والتاريخ تنسجم مع شرعنة سلطة معينة،وكذلك يفعلون بالاستخدامات المخترعة للتاريخ والتي تخلق انطباعاً بالاستمرارية، بما يمكّنهم من خلق الولاء والشعور اللازم بالانتماء.
ولعل نموذج القومية النرويجية كما رصدها توماس أريكسن هو نموذج بارز للاستخدام السياسي للرموز الثقافية، وموارد الهوية، وكذلك لفكرة اختراع الأمة. فحتى أواخر القرن التاسع عشر، كانت اللغة النرويجية الرئيسية المكتوبة هي الدنماركية، قد استبدلت جزئياً بلغة أدب جديدة، اسمها النينورسك أو "النرويجية الجديدة".
وبصورة رئيسية، استمدت القومية النرويجية المبكرة دعمها من الطبقات الحضرية الوسطى. ارتحل أعضاء بورجوازية المدينة إلى الوديان البعيدة بحثاً عن "الثقافة النرويجية الأصيلة"، وجلبوا عناصر منها عند العودة إلى المدينة وعرضوها كتعبير أصيل للنرويجية, الأزياء الشعبية، رسومات الأزهار الملونة (أكاليل الجبل)، الموسيقى التقليدية، الطعام الريفي، أصبحت رموز قومية حتى بالنسبة إلى الذين لم يترعرعوا مع عادات كهذه. في الواقع، كان سكان المدن، وليس الفلاحين، هم من قرر أن تمثل الجوانب المجسدة للثقافة الفلاحية "الثقافة القومية". تم تأسيس تاريخ قومي بطولي، ابتكار "الفنون القومية"، والتي كانت علامات للتفرد والتطور، كانت كذلك جزءاً مهماً من المشروع القومي في النرويج كما في أي مكان آخر. كان المؤلف الموسيقي إدفار غريغ أحد التمثلات النموذجية للمشروع الذي دمج الألحان الشعبية في موسيقاه، والكاتب بيورنستيرون بيورنسون، الذي قرئت حكاياته عن الفلاحين على نطاقٍ واسعٍ.إذن أعيد تفسير جوانب معينة لثقافة الفلاحين ووضعت في سياق حضري سياسي كدليل على أن الثقافة النرويجية كانت مميزة، وأن النرويجيين كانوا أناساً يقفون على حد سواء مع الشعوب الأوروبية الأخرى، لذلك يستوجب أن تكون لهم دولتهم الخاصة بهم, هذه الرموز كانت فعالة لإقامة حدود قومية بينهم وبين من يشبههم ثقافياً كالسويديين والدنماركيين، وشددت في الوقت نفسه على أن النرويجيين الحضريين والريفيين يعودون إلى الثقافة نفسها ويشتركون في مصالح سياسية, مع أن النرويجيين الحضريين في أوسلو لديهم الكثير من المشتركات مع السويديين والدنماركيين الحضريين مما لديهم مع النرويجيين الريفيين، كما يشير إريكسن.
ومع إن ما يُسمى نموذجاً بالعادات النرويجية القديمة، الحكايات الشعبية، الصناعات اليدوية، وما إلى ذلك، لم تكن قديمة، ولا نموذجية ولا نرويجية. رسومات الأزهار الملونة تصور عناقيد العنب من منطقة البحر الأبيض المتوسط. موسيقى كمان الهاردنغر ومُعظم الحكايات الشعبية تجد جذورها في أوروبا الوسطى، وكذلك اللغة، فما زالت لغة التخاطب في مدن النرويج، في التسعينيات، أقرب إلى الدنماركية مما هي إلى بعض اللهجات الريفية النرويجية. ولكن ما تم في الحقيقة، أن الرموز التي سوف تستخدم في تمثيل الأمة لنفسها جاء من منطلقات سياسية بدرجة عالية.
والمفارقة التي لها بعض جوانبها المسرحية، أن النرويج عندما أصبحت مستقلة في العام 1905م، كان ملكها الأول الأمير كارل من العائلة الملكية الدنماركية، ومع ذلك أعيد تعميده باسم "هاكون السابع" كطريقة لخلق معنى بالاستمرارية مع سلالة الملوك الذين حكموا النرويج قبل انهيار الدولة النرويجية في القرون الوسطى ودخولها في "إتحاد كالمار" مع الدنمارك والسويد، والذي دام قرابة 600 عام.
يذكر بندكت أندرسن، وهو من أنصار الفكرة القائلة بأن القوميين هم من يبتكر الأمم/الدول/الهويات في أماكن قد لا يكون لمثل هذه الأشياء من وجود سابق، على أن أهمية هذا الابتكار تكمن في خلق فكرة تفيد بأن الأمة لم تُبتكر أصلاً، أو بتعبير آخر، يجب نسيان ابتكارها. فأسطورة التأسيس يجب أن تقوم على أن الأمة كيان طبيعي، راسخة أعيد اكتشافها من جديد، وليس شيئاً مصطنعاً، واعتباطي، وعرضي في طبعه، حتى لا تبدو هناك أي مشكلة في مصداقية الانتماء إليها. وقد أشار أندرسن في كتابه المرجعي "الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها" وهو يتتبع الطريقة التي تُشكِل بها الجماعات هوياتها القومية والوطنية إلى عدة نماذج :
كانت ولادة القومية الهنغارية حَدَثاً من الجِدّة بما يكفي لتحديد تاريخه بالعام 1772م، ذلك العام الذي نشر فيه الكاتب الهنغاري، متعدد المواهب، جورجي بسنايي بعض الكُتب غير القابلة للقراءة ... فقد أراد بسنايي لعمله "العمل العظيم" [Magna Opera] أن يثبت أنَّ اللغة الهنغارية تُلائِم الأجناس الأدبية الرفيعة، ثم خلفته الأعمال الوافرة التي نشرها فيرنيك كازينسكي (1759-1831م) "أبو الأدب الهنغاري". وفي الفترة بين 1800-1850 أسفر العمل الرائد الذي قام به باحثون محليون عن قيام ثلاث لغات أدبية مميزة شمال البلقان: السلوفينية، والصربوكرواتية، والبلغارية. وفي حين كان يُعتقد على نطاقٍ واسعٍ، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أن "البلغار" ينتمون إلى الأمة ذاتها التي ينتمي إليها الصرب والكروات، إلا أن دولة قومية بلغارية مستقلة قد برزت إلى الوجود في العام 1878م. أما اللغة الأوكرانية فقد كانت تُعامل بازدراء في القرن الثامن عشر باعتبارها لغة فلاحين أجلاف، لكن الشاعر إيفان كوتلاريفسكي كتب "الإنياذة" في العام 1798م، وهي قصيدة ساخرة حول الحياة الأوكرانية كان لها أن تُحقق شعبية هائلة.وفي العام 1804م، أُسِّست جامعة خاركوف وسرعان ما غدت مركزاً لازدهار الأدب الأوكراني. وقد كان استخدام هذه اللغة مرحلة حاسمة في تشكّل وعيٍّ قوميٍّ أوكراني. ولم تمض فترة وجيزة حتى تأسست حركة قومية أوكرانية في كييف عام 1846م،وكان مؤسسها واحدٌ من المؤرخين!.
يبدو وكأن عامل اللغة هو العامل المشترك الذي وقف كمحركٍ رئيسيٍّ وراء تشكل الهويات القومية في كل النماذج السابقة، لكن اندرسن نفسه يرى أنه من الخطأ الفادح أن يتم التعامل مع اللغات بالطريقة المثالية التي يتعامل بها بعض الإيديولوجيين القوميين؛ بوصفها رموزاً للانتماء القومي، مثل الرايات والأزياء والرقصات الشعبية، وبقية هذه الأمور. فالأهم بكثير، بشأن اللغة، هو قدرتها على توليد جماعات مُتخيّلة، وعلى بناء ضروب من التضامن. فلا شيء يوحي بأنَّ القومية الغانية هي أقل واقعية من أي قومية أخرى لمجرد أنَ لغتها القومية هي اللغة الإنجليزية، وكذلك الحال بالنسبة لإندونيسيا وكثير من الدول-الأمم في القارة الأمريكية والأفريقية. فعبر اللغة التي جعلها التاريخ اللغة الأم؛ والتي يصادفها المرء عند ركبة أمه ولا يفارقها إلا إلى القبر، تتم استعادة الماضي، ويجري تخيّل الألفة والزمالة، ويُحلم بالمستقبل. وقد صادف في النماذج الأوروبية المستعرضة أن عملية أحياء اللغات المحلية كانت العامل الرئيسي في بروز الوعي القومي وذلك لسببين: السبب الأول يعود إلى التغير في طابع اللغة الرسمية (اللاتينية) ذاتها، حيث نتج عن الجهود الرسمية التي بُذِلت من أجل أحياء آداب القرون القديمة، فتكوّنت ذائقة جديدة، وراحت اللاتينية تقترب أكثر وأكثر من لغة المناسبات والطقوس المملة والكئيبة، وتبتعد أكثر فأكثر عن الحياة اليومية. والسبب الثاني يعود إلى أن اللغة المحلية كانت من ضمن الأشياء المحلية التي يجري التأكيد عليها والتي تشير بمجموعها إلى صفة الاستقلالية والتمايز عن الإمبراطورية الغربية. وقد لاحظ توماس إريكسن أنه وبينما كان من المستحيل قبل 150 سنة ماضية تحديد موقع اندماج "اللهجات الشعبية" النرويجية ب"اللهجات الشعبية السويدية"، فإن هذه الحدود اللغوية اليوم أكثر وضوحاً وتتبع الحدود السياسية، فكما يُقال:"اللغة لهجة هي مدعومة من قِبل جيش"!. وقد لعبت "الطباعة" دوراً كبيراً في انتشار اللغات المحلية، كما لعبت الآداب من شعر ورواية ومسرح، والصحافة والموسيقى دوراً في تنمية الوعي القومي بذاته.
أما في سويسرا، والتي تُستخدم كنموذج لدحض النظريات القومية القائمة على اللغة، فقد "قررت" الدولة في العام 1891م، وفي خضم احتفالاتها بذكرى مرور 600 عام على الاتحاد الكونفدرالي بين شفيتش وأوبفالدن ونيدفالدن، أن يكون العام 1291م تاريخ تأسيس سويسرا. ومثل هذا القرار، الذي انتظر 600 سنة لكي يصدر، له جوانبه المسلية، ويشير أصلاً إلى أن الحداثة وليس القدم هي التي تُميّز القومية السويسرية. بل إن الأمر يصل بكريستوفر هيوز، في كتابه عن سويسرا، حد رؤية أن احتفالات العام 1891م تَسِمُ ولادة هذه القومية، فيقول إنه "في النصف الأول من القرن التاسع عشر.. كانت القومية تتكئ بخفةٍ على عاتق الطبقات الوسطى المثقفة: مدام دو ستايل، وفوسيلي، وأنجليليكا كوفمان، وسيسموندي، وبنيامين كونستان، فهل هم سويسريون جميعاً؟". وإذا كان الجواب الضمني هو "لا"، فإن أهميته تُستمد من حقيقة أن النصف الأول من القرن التاسع عشر قد شهد، في جميع أنحاء أوروبا المحيطة بسويسرا، تبرعم الحركات القومية المحلية التي لعبت فيها "الطبقات الوسطى المثقفة" (اللغويون والرأسماليون التقنيات) أدوراً مركزية.
وفي تجارب ما سمّاها أندرسن ب"الموجة الأخيرة"، والتي كانت نتاجاً لحالات خروج على القياس خلقتها الإمبريالية الأوروبية اعتباطية الحدود، وضروب الإنتلجنسيا المحلية ثنائية اللغة. وهي تمثل معظم القوميات في قارة أسيا وأفريقيا.
وتشكل حالة إندونيسيا مثالاً معقداً لافتاً على هذه العملية، خاصة بسبب حجمها الهائل، وعدد سكانها الضخم، وتشظيها الجغرافي (حوالي 3000 جزيرة)، وتعددها الديني (مسلمون، بوذيون، كاثوليك، بروتستانت من شتى الأنواع، هندو-بالينيون، وأروحيون)، وتنوعها الإثني اللغوي (أكثر من 100 جماعة مميزة). علاوة على كل ذلك، وكما يوحي أسمها شبه الهيلليني الهجين، فإن رقعتها أو مساحتها لا تنسجم ولو من بعيد مع أي سيطرة ما قبل كولونيالية، وعلى العكس، فإن حدودها، كانت تلك الحدود التي خلّفها وراءهم أخر الفاتحين الهولنديين ( في العام 1910م).
فقد كانت إمبراطوريات أواخر القرن التاسع عشر أكبر بكثير وأبعد من أن تُحكم من قِبل حفنةٍ من المواطنين، فضلاً عن أن الدولة الاستعمارية كانت تناهز الرأسمالية وتعمل على تكثير وظائفها في المستعمرات. وهذه القوى مجتمعةً هي التي ولّدت الأنظمة المدرسية التي قُصِد منها أن تُنتج الكوادر الخاضعة المطلوبة لكلٍ من الدولة والبيروقراطيات المتكاملة في كل واحدٍ. وهذه الأنظمة المدرسية، المركزية والموحدة، خلقت رحلات حجٍ جديدة تماماً كانت لها في العادة قبلاتها في عديدٍ من عواصم المستعمرات. وعادةً ما كانت رحلات الحج التعليمية هذه ما يوازيها، أو يُماثلها في المجال الإداري. ولقد وفّر التشابك بين رحلات الحج التعليمية والإدارية المحددة الأساس الإقليمي ل"جماعات متخلية" جديدة أمكن فيها للمحليين أن يروا إلى أنفسهم على أنهم قوميون.
تتوسع استشهادات أندرسن في طول العالم وعرضه، لكن الفكرة التي تحاول التأكيد عليها، هي فكرة غيلنر، ولكن على نحوٍ أوسع وأشمل، في أن الأمم بناءات إيديولوجية (اختراع) ترمي إلى أن تلحم صلة بين الجماعة الثقافية (المحدد ذاتياً وإقليمياً) والدولة، وأنها تبتكر مجتمعات محلية مجردة من نظامٍ مختلفٍ عن تلك الدول ذات السلالة الحاكمة أو المجتمعات المحلية التي تقوم على القرابة. وفي مهمتها هذه، تستدعي مخزون الذاكرات من الأساطير والقصص العتيقة للهزائم المريرة والتضحيات النبيلة، معيدة تأطيرها وتعريفها بما يجعل الماضي متطابق تماماً مع الحاضر المُعاد تعريفه.
على أن الأمة لم يُعَد إنتاجها من خلال العمليات الكبرى، والذكريات الخارقة المشتركة فحسب، ولكن كذلك من خلال الممارسات اليومية، وهو ما يُذكرنا بخطاب إرنست رينان الشهير عن الأمة والتي اعتبرها بمثابة "اقتراع شعبي يومي".
يشير رينان في خطابه "ما هي الأمة؟"، وعلى نحوٍ مؤثرٍ، إلى أن الأمة توجد من خلال شيئين: الذكريات والإرادة، الأول ناجم عن الماضي؛ بحيازة إرث غني مشترك من الذكريات، والثاني ناجم عن الحاضر؛ الالتزام والرغبة بالعيش سوياً : «في الماضي هناك تراث من المجد والندم لا مناص من تقاسمه، أما المستقبل فله برنامجه الذي لا مناص من تحقيقه.. الأمة إذن هي ذلك التضامن الرائع والمستمر والمكون من مشاعر التضحيات التي تمت والتي يكون على استعداد لتقديمها من جديد. إن وجود الأمة عبارة عن "اقتراع شعبي يومي" يشبه وجود الشخصية القائمة بذاتها، إنها بمثابة تكريس دائم للحياة». وهذا هو التصور الذي اعتمد عليه بندكت أندرسن في تعريفه للأمة بوصفها "جماعية سياسية متخيلة"، أي أن الأمة تعتمد على أعمال متواصلة من الخيال كي تضمن وجودها، والواقع أن "الخيال الأصلي" حول الأمة، كما يرى بورديو، قد أعيد انتاجه عبر انتشار هادف أو رموز وطنية/قومية، ولكن في الأكثر، والأشد تأثيراً، عبر عادات يومية ندركها على نحوٍ خافتٍ أو لا ندركها قط؛ وما العلم الوطني المنتشر في كل مكان، والعملات والأوراق النقدية وما عليها من رموز والتي نستعملها كل يوم إلا مثالان على ذلك، وهذا هو فحوى أن الأمة اقتراع شعبي يومي، وبأنها بمثابة تكريس دائم للحياة. وعلى كلٍ، فإن إرث الذاكرات الذي أشار إليه رينان سيهمن على المحاولات الأكاديمية والفلسفية المستقبلية في تحليل الهوية القومية، أو هوية الأمة السياسية. وأما العنصر الآخر "الإرادة" الجماعية للشعب فسيكون له مع ذلك الوقع السياسي الأعمق انطلاقاً من معاهدة فرساي*، وسيظل الأساس المفترض لشرعية الأمة السياسية حتى الفترة الراهنة.


هوامش
* مقتطفٌ من بحث طويل عن "رهان الهويات".
*معاهدة فرساي: وقعت في 28 يونيو 1919، وهي اتفاقية أنهت الأعمال العسكرية رسميا ضد ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. أدى توقيع المعاهدة أيضًا إلى إعادة ترسيم حدود مقاطعات معينة في أوروبا ودول أخرى كانت تسيطر عليها الدول الأوروبية في إفريقيا وآسيا وبعض الجزر في المحيط الهادئ، كما دعت إلى تطبيق مبدأ حق تقرير المصير العرقي الذي بموجبه لا ينبغي لأي مجموعة عرقية أن تُحكم بوساطة دولة لا ترضى تلك المجموعة بحكمها لها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.