يكشف المحامي عبد الرحمن برمان، مدير المركز الأمريكي للعدالة، عن تفاصيل صادمة تتعلق بأحكام الإعدام التي أصدرتها جماعة الحوثي مؤخرًا بحق عدد من المختطفين، وما يتعرض له الضحايا داخل سجون الجماعة من تعذيب ممنهج وحرمان من الحقوق القانونية، إضافة إلى استهداف مباشر للأكاديميين والمعلمين والأطباء بوصفهم "الطبقة التنويرية" في المجتمع. وفي هذا الحوار الخاص مع «الصحوة نت»، يؤكد برمان أن الجماعة تتعامل مع المختطفين باعتبارهم "أعداء"، وأن المحاكمات التي يخضعون لها تفتقر لأي شرعية، لاعتمادها على اعترافات انتُزعت تحت الإكراه والتعذيب.
كما يدعو إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لحماية المختطفين، وتفعيل أدوات القانون الدولي لوقف استخدام القضاء كوسيلة للقمع السياسي.
نص الحوار:
- أصدرت جماعة الحوثي مؤخرًا أحكام إعدام بحق بعض المختطفين.. كيف تقيمون ردود الفعل الدولية؟ حقيقة كانت ردود الفعل جيدة على مستوى عالمي، أغلب دول العالم أدانت هذه الجريمة، وكذلك المنظمات الدولية. لكن لا نريد أن تظل ردود الفعل مجرد بيانات إدانة وتصريحات، نريد مواقف حقيقية ، تحرك دولي أكثر صرامة لحماية المختطفين، وتفعيل الأدوات القانونية الدولية، ووضع حدّ لاستخدام القضاء كأداة قمع ، تلزم الحوثيين بإيقاف مثل هذه الانتهاكات.
ما مدى شرعية المحكمة التي أصدرت هذه الأحكام؟ لا شرعية إطلاقًا لما يسمى المحكمة التي زُعم أنهم حوكموا أمامها، فهي محكمة غير دستورية وغير قانونية. مجلس القضاء الأعلى أصدر في 2018 قرارًا بإلغاء المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء ونقل صلاحياتها إلى مأرب. ما يقوم به هؤلاء ليس عملًا قضائيًا، بل نشاط ضمن الهيكلية الإدارية للجماعة. وحتى لو افترضنا وجود محكمة قانونية، فالإجراءات منذ لحظة القبض وحتى إصدار الحكم باطلة، ابتداءً من الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب والإكراه على الاعترافات، وصولًا إلى الأحكام السريعة التي لا تمت للقضاء بصلة.
ما الأسباب الحقيقية وراء موجة الاختطافات الأخيرة؟ لا توجد أسباب منطقية سوى أن جماعة الحوثي لا تستطيع العيش إلا في ظل صراع دائم. عندما تتوقف المعارك العسكرية تفتعل معارك أمنية كي تستمر في البقاء. الموقف الدولي ضعيف، وموقف الحكومة لا يرتقي لحجم الانتهاكات اليومية، وهذا يشجع الجماعة على التصعيد. كما أن مزاعم "التجسس" غير منطقية، فالموظفون الأمميون أنفسهم مراقبون داخل مكاتبهم ولا يتحركون إلا بإذن الحوثيين، فكيف يتجسسون وهم خاضعون للرقابة؟!! ما الهدف من استهداف الأكاديميين والمعلمين والأطباء؟ الجماعة تستهدف كل الطبقات التنويرية في المجتمع: الأكاديميين، المعلمين، الأطباء، المهندسين، النقابيين، الصحفيين، والطلاب. هذه الفئات تمثل الوعي والقدرة على التأثير، ولذلك تراها العدو الأول الذي يجب تغييب دوره وإفراغ المجتمع من قياداته المتعلمة.
- هل لدى المركز إحصائيات محددة حول أعداد المختطفين؟ نعم، لدينا إحصائيات دقيقة وفق عمليات الرصد المستمرة. في محافظة إب، كان عدد المعتقلين منذ بداية العام حتى نهاية شهر يونيو 204 معتقلين، ثم شهدت المحافظة خلال حملة الاعتقالات الأخيرة 92 حالة اعتقال جديدة، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 296 معتقلًا تقريبًا. وأسفرت الحملة أيضًا عن نزوح حوالي 280 عائلة من الناشطين الذين غادروا المحافظة هربًا من الاعتقال. أما في محافظة ذمار، فقد تجاوز عدد المعتقلين في الإحصائية الأخيرة 87 معتقلًا. وهذه الأرقام تتغير بشكل مستمر نتيجة التصعيد الأمني المتزايد من قبل جماعة الحوثي. - هذا في محافظتي ابوذمار .. ماذا عن محافظتي صعدة وصنعاء؟ في محافظة صعدة، تُمارس الاعتقالات والقمع بشكل مرعب، حتى أن الأهالي لا يجرؤون على الحديث عن معتقليهم إطلاقًا. كل النشطاء الحقوقيين وكل من يواجه جماعة الحوثي تم إقصاؤهم إما بالاعتقال أو بالتهجير، ما أفرغ صعدة من أي رقابة أو مراقبين على الانتهاكات. أما في صنعاء، فالإحصاءات الدقيقة صعبة، لكن من الملاحظ أن موجات الاعتقال تطال موظفي المنظمات الإنسانية والحقوقية والممثلين المحليين والدوليين والناشطين. حيث يُقدر عدد المعتقلين بالمئات. كما تشمل الاعتقالات الأكاديميين وأساتذة الجامعات، ومن بينهم شخصيات وطنية بارزة مثل الدكتور حمود العودي والدكتور عبد الرحمن العلفي، الذي تجاوز الثمانين ويعاني من مشاكل صحية حرجة في القلب والضغط والتنفس، ودكتور حمود العودي نفس الشيء. هذه الممارسات تعكس مستوى غير مسبوق من القمع وانعدام أي اعتبار إنساني أو قانوني. - ما مدى تأثير خوف الأهالي وصمتهم على جهود التوثيق والضغط الحقوقي لإطلاق سراح المختطفين؟ الاحصائيات دائمًا تعكس ما تمكّنا من الوصول إليه، لكن وراء كل حالة معلنة توجد حالات أخرى لا يتحدث عنها أحد. كثير من الأهالي يرفضون الكشف عن اعتقال أبنائهم، بعضهم ينتظر شهورًا طويلة، والبعض يصل إلينا بعد خمس سنوات من الاعتقال ويسأل: لماذا لم تتبنوا القضية؟. رغم أننا لم نكن نعلم بها أصلًا. الأهالي يتعرضون لعملية تخدير ممنهجة من قبل جماعة الحوثي، إذ يُقال لهم إن الحديث للإعلام سيعقّد الأمور وإن النشر سيؤدي إلى بقاء المعتقل فترة أطول، فيلتزمون الصمت بانتظار وعود كاذبة. هذا الصمت يضعف الزخم الحقوقي ويؤخر التحرك، بينما إعلان القضية مبكرًا غالبًا ما يساهم في إنقاذ المعتقل قبل فوات الأوان. ما أبرز الانتهاكات التي وثقتموها بحق المختطفين؟ كثير منهم تعرضوا للإخفاء القسري لشهور، وللتعذيب الشديد، والعزل الانفرادي، والحرمان من النوم، والضرب، والصعق بالكهرباء، والمنع من الزيارة أو التواصل، والحرمان من العلاج، والتجويع. هذه الانتهاكات دفعت المعتقلين إلى الإدلاء باعترافات بالإكراه، وهو ما يجعل الاعتراف دليلًا على براءتهم لا على إدانتهم. هل كانت الاعترافات التي بُنيت عليها أحكام الإعدام حقيقية؟ قطعًا لا. جميع الاعترافات جاءت تحت ضغط التعذيب والإكراه. إجبار المتهم على الاعتراف انتهاك صارخ، ولا يمكن اعتبار هذه الاعترافات دليلًا على الإدانة. بل هي دليل واضح على أن أصحابها تعرضوا للتعذيب وأنهم أبرياء مما نُسب إليهم. كيف يتم التعامل مع المختطفين من حيث الزيارات والرعاية الصحية وحق الدفاع؟ المحامون لا يُسمح لهم بزيارة المعتقلين. يُسمح لهم فقط بحضور المحكمة دون الاطلاع على ملفات القضايا، ولا يحصلون على نسخ منها، ما يجعل الدفاع شبه مستحيل. أما الرعاية الصحية فهي معدومة تمامًا، كثير من المعتقلين خرجوا من السجون نحو المستشفيات مباشرة، وبعضهم توفي فور الإفراج عنه، وآخرون اضطروا للسفر للخارج للعلاج. هل تتلقون تعاونًا أو تنسيقًا مع جهات داخلية أو خارجية؟ في المركز الأمريكي للعدالة نتعامل مع الأحداث بحياد تام وليس لدينا أي تنسيق مع أي جهة داخل اليمن. نرصد الانتهاكات من أي طرف، ونرفع تقاريرنا للمنظمات الدولية، الاتحاد الأوروبي، الخارجية الأمريكية، والمبعوث الأممي، وكل الجهات المعنية بحقوق الإنسان والملف اليمني. ما رسالتكم لعائلات المختطفين؟ نكرر دائمًا يجب على عائلات المعتقلين الإبلاغ فورًا وعدم السكوت. الحوثيون يخدعون الأهالي بالقول: اصمتوا وسيخرج خلال يومين، لكن كثيرين ممن اعتُقلوا في سبتمبر ما زالوا مخفيين حتى اليوم. تحدثوا عن أبنائكم قبل فوات الأوان، ونحن جاهزون لدعمكم، لكن دوركم يبدأ من لحظة الاعتقال. كيف تتوقعون مسار موجة الاعتقالات القادمة؟ نتوقع توسعًا في عمليات الاعتقال، فالجماعة تبحث دائمًا عن عدو لتبرير بقائها في حالة تعبئة. ويجب تكاتف الجهود لممارسة الضغط عليها لوقف الاعتقالات والإفراج عن كافة المختطفين وضمان سلامتهم.