عاجل : تأكيد مقتل الرئيس الايراني و جميع المسؤولين في حادثة تحطم المروحية .. شاهد اولى صور الجثث    قادم من سلطنة عمان.. تطور خطير وصيد نوعي في قبضة الشرعية وإعلان رسمي بشأنه    تغاريد حرة.. هذا ما احاول ان أكون عليه.. الشكر لكم    أول فيديو من موقع سقوط طائرة الرئيس الإيراني ووصول فريق الإنقاذ "شاهد"    هادي هيج: الرئاسة أبلغت المبعوث الأممي أن زيارة قحطان قبل أي تفاوض    الدوري الفرنسي : PSG يتخطى ميتز    شيخ الأزهر يعلق على فقدان الرئيس الإيراني    تناقض حوثي مفضوح حول مصير قحطان    الليغا .. سقوط البطل المتوج ريال مدريد في فخ التعادل وفوز برشلونة بثلاثية    غموض يحيط بمصير الرئيس الايراني ومسؤولين اخرين بعد فقدان مروحية كانوا يستقلونها    قبيل مواجهة البحرين.. المنتخب الوطني يقيم معسكر خارجي في الدمام السعودية    الوزير الزعوري يتفقد سير العمل بمشروع إعادة تأهيل شوارع ومداخل مستشفى المعاقين ومركز العلاج الطبيعي عدن    ارتفاع حصيلة العدوان الاسرائيلي على غزة إلى 35,456 شهيداً و 79,476 مصابا    الجامعة العربية: أمن الطاقة يعد قضية جوهرية لتأثيرها المباشر على النمو الاقتصادي    إلى متى نتحمل فساد وجرائم اشقائنا اليمنيين في عدن    مصدر برلماني: تقرير المبيدات لم يرتق إلى مستوى النقاشات التي دارت في مجلس النواب    عاجل: نجاة أمين مجلس شبوة المحلي ومقتل نجله وشخصان آخران (صور)    إنتر ميامي يتغلب على دي سي يونايتد ويحتفظ بالصدارة    رئيس هيئة النقل البري يتفقد العمل في فرع الهيئة بمحافظة تعز مميز    وزير المياه والبيئة يبحث مع المدير القطري ل (اليونبس) جهود التنسيق والتعاون المشترك مميز    وفاة وإصابة عشرة أشخاص من أسرة واحدة بحادث مروري بمأرب    عدن.. وزير الصحة يفتتح ورشة عمل تحديد احتياجات المرافق الصحية    إعلامية الإصلاح تدعو للتفاعل مع حملة للمطالبة بإطلاق المناضل قحطان وجعلها أولوية    رئيس الهيئة العليا للإصلاح يعزي الهجري في وفاة والده    مدرب مفاجئ يعود إلى طاولة برشلونة    ريبون حريضة يوقع بالمتصدر ويحقق فوز معنوي في كاس حضرموت    تقرير: نزوح قرابة 7 آلاف شخص منذ مطلع العام الجاري    وكيل قطاع الرياضة يشهد مهرجان عدن الأول للغوص الحر بعدن    اليونسكو تزور مدينة تريم ومؤسسة الرناد تستضيفهم في جولة تاريخية وثقافية مثمرة    مصرع عدد من الحوثيين بنيران مسلحي القبائل خلال حملة أمنية في الجوف    من هو اليمني؟    خسائر في صفوف قوات العمالقة عقب هجوم حوثي مباغت في مارب.. واندلاع اشتباكات شرسة    الكشف عن حجم المبالغ التي نهبها الحوثيين من ارصدة مسئولين وتجار مناهضين للانقلاب    نهائي دوري ابطال افريقيا .. التعادل يحسم لقاء الذهاب بين الاهلي المصري والترجي التونسي    دعاء يريح الأعصاب.. ردده يطمئن بالك ويُشرح صدرك    بعضها تزرع في اليمن...الكشف عن 5 أعشاب تنشط الدورة الدموية وتمنع تجلط الدم    فرع الهجرة والجوازات بالحديدة يعلن عن طباعة الدفعة الجديدة من الجوازات    توقف الصرافات الآلية بصنعاء يُضاعف معاناة المواطنين في ظل ارتفاع الأسعار وشح السلع    جريمة لا تُغتفر: أب يزهق روح ابنه في إب بوحشية مستخدما الفأس!    دعوات تحريضية للاصطياد في الماء العكر .. تحذيرات للشرعية من تداعيات تفاقم الأوضاع بعدن !    الاستاذة جوهرة حمود تعزي رئيس اللجنة المركزية برحيل شقيقة    الإرياني: مليشيا الحوثي استخدمت المواقع الأثرية كمواقع عسكرية ومخازن أسلحة ومعتقلات للسياسيين    الجيش الأمريكي: لا إصابات باستهداف سفينة يونانية بصاروخ حوثي    الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد تصدر توضيحًا بشأن تحليق طائرة في سماء عدن    توقيع اتفاقية بشأن تفويج الحجاج اليمنيين إلى السعودية عبر مطار صنعاء ومحافظات أخرى    فنانة خليجية ثريّة تدفع 8 ملايين دولار مقابل التقاط صورة مع بطل مسلسل ''المؤسس عثمان''    في عيد ميلاده ال84.. فنانة مصرية تتذكر مشهدها المثير مع ''عادل إمام'' : كلت وشربت وحضنت وبوست!    اكتشف قوة الذكر: سلاحك السري لتحقيق النجاح والسعادة    وباء يجتاح اليمن وإصابة 40 ألف شخص ووفاة المئات.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر    اليونسكو تطلق دعوة لجمع البيانات بشأن الممتلكات الثقافية اليمنية المنهوبة والمهربة الى الخارج مميز    وصول دفعة الأمل العاشرة من مرضى سرطان الغدة الدرقية الى مصر للعلاج    ياراعيات الغنم ..في زمن الانتر نت و بالخير!.    تسجيل مئات الحالات يومياً بالكوليرا وتوقعات أممية بإصابة ربع مليون يمني    لماذا منعت مسرحيات الكاتب المصري الشرقاوي "الحسين ثائرآ"    افتتاح مسجد السيدة زينب يعيد للقاهرة مكانتها التاريخية    الامم المتحدة: 30 ألف حالة كوليرا في اليمن وتوقعات ان تصل الى ربع مليون بحلول سبتمبر مميز    في افتتاح مسجد السيدة زينب.. السيسي: أهل بيت الرسول وجدوا الأمن والأمان بمصر(صور)    هناك في العرب هشام بن عمرو !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المقاصد العامة للإسلام: أزمة العقلية الإسلامية المعاصرة (1)
نشر في نشوان نيوز يوم 15 - 02 - 2010


أزمة العقلية الإسلامية المعاصرة:
لابد من الإشارة ابتداءً إلى أن العقلية الإسلامية الحالية تعيش أزمة علمية منهجية ومعرفية حادة.

وتتمثل هذه الأزمة العلمية في أن العقلية الإسلامية مازالت تستجر التراث الفقهي التاريخي الماضوي بسلبياته وإيجابياته عقلية ضربها الجمود والتقليد عاجزة عن امتلاك أدوات الاجتهاد والتجديد بالفهم العميق لكليات الإسلام ومقاصد الشريعة وتنزيلها على تحديات العصر الراهن ومستجداته من خلال التفاعل مع ثلاثة محاور هي:
1) الوحي المقدس قرآناً معصوماً وسنة معصومة بالقرآن.
2) التراث العلمي الفقهي التاريخي استرشاداً به لا توقفاً عنده.
3) رصيد الحكمة الموجود في الثقافة الإنسانية قاطبة (الحكمة ضالة المؤمن).
ولو حاولنا سبر أغوار الأزمة العلمية التي تعاني منها العقلية الإسلامية المعاصرة لوجدنا جوهر هذه الأزمة يتمثل في أن العقلية الإسلامية لم ترتقي بعد إلى المضمون المعرفي القرآني ذي المنهجية الكلية العلمية القائمة على (فقه السنن والقوانين العامة الناظمة للحياة الكونية والحياة الإنسانية) لأنها ما زالت مؤطرة بالمضمون المعرفي الفقهي التاريخي (فقه آيات وأحاديث الأحكام) هذا الفقه القائم على النظرة الجزئية منهجاً ومعرفة وعلى نمط التلقي الذي يخاطب ملكة الحفظ لا ملكة الفهم وعلى الخلط بين قداسة النصوص وفهم العلماء غير المقدس لنصوص الوحي وعلى فقه المحكمة لا على فقه الدولة والحضارة.
في حين أن المضمون المعرفي القرآني كلي لا جزئي ويحتاج إلى عقلية تفهم وتحلل لا عقلية تتلقى وتحفظ، عقلية لا تقدس العلماء وإن كانت تحترمهم ولا تأخذ منهم تقليداً وإنما استرشاداً، عقلية تقدس نصوص الوحي فقط وتفهم الوحي أولاً في نسقه الكلي الموضوعي ثم في نسقه التفصيلي الجزئي، عقلية تدرك أن جوهر الوحي (القرآن) هو فقه السنن والقوانين العامة الناظمة للحياة الكونية والبشرية لا فقه آيات الأحكام، عقلية تحلل القرآن في نسقه الموضوعي أكثر مما تفسر القرآن لغوياً بمنهجية مجزأة تكاد تفصل كلمات الآية الواحدة عن سياقها الموضعي فضلاً عن السورة في سياقها الموضوعي، عقلية تبدأ بفهم أمهات المعاني القرآنية (المحكم) ثم تفهم تفصيلات القرآن (المتشابه) في ضوء أمهات المعاني (أصولها وكلياتها) (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) فدل سياق الآيتين على أن المحكم هو الأصل والكلي والمتشابه هو الفرع والتفصيل، عقلية تدرك أنه لا تصادم بين حقائق العقل وحقائق النقل وأن التدبر في كتاب الله المسطور لا يمكن أن يتناقض مع التفكر في كتاب الله المنظور (الكون).
ومفتاح الانتقال إلى هذا الوعي يبدأ بكلمات مختصرة بالتحول من فقه آيات وأحاديث الأحكام الإطار المعرفي التراثي التقليدي إلى فقه آيات الله في الآفاق والأنفس، فقه السنن والقوانين العامة الناظمة للحياة الكونية والإنسانية.
هذا المضمون المعرفي أشارت إليه العديد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم:30).
في هذه الآية العظيمة يأتينا التوجيه الرباني بأن نقيم وجوهنا للدين أي نلتزم بتعاليم الدين وقيمه وأحكامه ثم يأتي التعليل القرآني العلمي لبيان سبب المطالبة بالالتزام بالدين قيماً وأحكاماً بقوله تعالى{ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}الروم30
أي أن تعاليم الدين الهادية الآمرة هي موافقة لقوانين الفطرة والخلق وقوانين الفطرة هي سنن ثابتة لا تتبدل (لا تبديل لخلق الله).
وبهذا البيان القرآني البديع يتبين لنا أن دين الإسلام هو المنهج العلمي الناظم للحياة الإنسانية بما يوافق قوانين فطرتها وخلقها، ومن هنا كان المنهج الإسلامي هو المنهج الأقوم والأحسن الذي به تقوم حياة المجتمعات والدول والحضارات لأنه المنهج العلمي السنني، ولكن أكثر الناس لم يرتقوا بوعيهم إلى المنهجية العلمية الصحيحة ولذلك لا يعلمون بحقيقة الدين العلمية (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).
ومن هذا المنطلق أقول بأن العقلية الإسلامية المعاصرة لا يمكن لها التأسيس لمشروع نهضوي حضاري إسلامي يعمل على إخراج واقعنا العربي الإسلامي من أزمته الحضارية وإشكالية التخلف إلا بالانتقال بالعقلية الإسلامية هذه النقلة النوعية المعرفية من الإطار المعرفي الماضوي التراثي إطار (فقه آيات الأحكام) لأنها ما زالت مؤطرة به حتى يومنا (فقه المحكمة لا فقه الدولة والحضارة) إلى الإطار المعرفي القرآني (فقه السنن والقوانين العامة الناظمة للحياة الكونية والحياة الإنسانية).
عندئذ سيدرك جميع البشر أن الإسلام والقرآن هو المنهج العلمي السنني الحق القائم على فهم القوانين العامة والحقائق الناظمة للحياة فيقع تأويل قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(فصلت:31).
ومن هنا يمكنني القول أن هذه الآية العظيمة {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}الروم30 هي المدخل المعرفي الحقيقي لفهم المضمون المعرفي القرآني ذو المنهجية العلمية الكلية التجريدية.
إن العقلية الإسلامية التاريخية انطلقت في فهم القرآن بنظرة جزئية منهجاً ومعرفة تبحث عن الأحكام التفصيلية المباشرة الناظمة لعلاقات الأفراد ولم تلتفت للقواعد والأسس الكلية المتعلقة بقيام المجتمعات والدول والحضارات فتم التركيز على أحكام المعاملات (القانون المدني) وأحكام الجنايات (القانون الجنائي) وأحكام الأسرة (قانون الأسرة) ولم يهتموا بفقه الدولة والحضارة بسبب الانحراف السياسي المبكر الذي لحق الدولة الإسلامية والهجمة الشرسة المعرفية والمنهجية التأويلية المجوسية واليهودية.
ولما تعاملت العقلية الإسلامية مع القرآن بهذه المنهجية الجزئية وكأن القرآن لائحة داخلية وليس دستوراً عاماً يضع القواعد العامة المجردة لا التفاصيل التطبيقية المجسدة لم يجد علماؤنا في القرآن من الأحكام التفصيلية المباشرة سوى خمسمائة آية والتي سميت (آيات الأحكام) ومن ثم انصرفت معظم الجهود العلمية إلى السنة النبوية لأن طبيعة السنة تفصيلية بحثاً عن أحاديث الأحكام وغدت آيات الأحكام وأحاديث الأحكام هي شروط الاجتهاد وهي الإطار المعرفي للعقلية الإسلامية.
وأنا لا أقصد بكلامي هذا التقليل من شأن التراث الفقهي التاريخي وإنما التأكيد على ضرورة الاستفادة منه وعدم التوقف عنده لأن موضوع آيات الأحكام وأحاديث الأحكام قد أشبعه تراثنا بحثاً ويجب الآن الانتقال إلى المنهجية القرآنية الكلية العلمية عندئذ سندرك أن القرآن كله أحكام وعلوم وسنن وقوانين وليس خمسمائة آية وسترتقي العقلية الإسلامية إلى المنهجية العلمية المنطلقة من القوانين العامة والسنن الناظمة للحياة الكونية والإنسانية فيكشف القرآن عن مكنونه المعرفي الحقيقي وهو الحكمة:
لأن الحكمة هي المضمون المعرفي للقرآن بدليل اقتران الحكمة مع الكتاب في العديد من آيات القرآن.
وبدليل جعل الحكمة هي الشرط الرئيسي للنجاح في عملية الدعوة والتغيير لأن الواقع يسير وفق سنن معينة ومن لا يفهمها لا ينجح في عملية التغيير.
أما الأدلة القرآنية على أن المضمون المعرفي للقرآن هو الحكمة.
* قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ}(آل عمران:48).
* قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}(آل عمران:164).
* وقوله تعالى: { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{268} يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ{269} (البقرة: 268-269).
* قوله تعالى{ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء:113). والمقصود بالحكمة هنا ليس السنّة كما زعم بعض المفسرين بدليل قوله تعالى (يس{1} وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ{2}) فهذه الآية قطعية الدلالة في بيان أن المضمون المعرفي للقرآن هو الحكمة.
* ثم يخبرنا القرآن أن المسيح عليه السلام عند ظهوره آخر الزمان سيأتي ويكشف عن مكنون الحكمة بقوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ{61} وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ{62} وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ{63} (الزخرف)
أما دليل جعل الحكمة أساس نجاح الدعوة وتغيير الواقع فهو قوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125).
والآلية المعتمدة للوصول إلى هذا المضمون المعرفي القرآني (الحكمة) هو فقه السنن والقوانين العامة للحياة الكونية والإنسانية لا فقه آيات الأحكام لأن العلم منه الثابت ومنه المتغير والعلم الثابت الذي هو الحق هو السنن العامة والقوانين العامة التي لا تتبدل وهذه السنن والقوانين مكنونة في القرآن كتاب الله المسطور كما هي مكنونة في الكون كتاب الله المنظور وهذه السنن هي التي فصلها القرآن ولذلك اتسم بالعموم والتجريد أما العلم المتغير المتعلق بالتفاصيل المرتبطة بالجوانب التطبيقية المجسدة فقد ترك للسنة ثم لإجتهاد العقل البشري على ضوء القواعد العامة السننية وهديها لأن جزئيات كل عصر متغيرة وليست ثابتة.
- فقه آيات الأحكام هو الحد الأدنى من العلم الذي لا ينبغي جهله وفقه آيات الله في الآفاق والأنفس فقه السنن الثابتة التي لا تتبدل هي الحد الأعلى الذي يقود إلى الحكمة وإلى السقف المعرفي القرآني النهائي وهو الوعي الموضوعي المعادل لحقائق الكون والحياة البشرية بشموله واتساعه.
والدليل على كلامي هو حجم آيات الأحكام في القرآن من حجم آيات الله في الآفاق والأنفس.
ولو تأملنا في الآثار السلبية للمنهجية المعرفية التي اتسمت بها العقلية الإسلامية التاريخية لوجدنا أنه حصل نوع من الفصل بين الدين والدنيا وتم تفسير الإسلام بشكل عام وكأنه جاء لإصلاح آخرة الإنسان لا آخرته ودنياه ولم يتم إبراز الإسلام كمنهج شامل لإصلاح حياتنا في الدنيا والآخرة مما ساهم في تكريس واقع التخلف (سلبية الإنسان إزاء المجتمع والطبيعة) وعدم تحفيزه للفعل الحضاري مع أن القرآن أوضح لنا أنه منهج لإصلاح الحياة الدنيا والآخرة وإقامة جنات وفراديس أرضية وسماوية.
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الأعراف الآية 32.
{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} سبأ:15.
وحصل فصل بين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة ولا فصل بينهما لأن علوم الطبيعة هي آيات الآفاق وهي مادة الإيمان لأنها الأثر الدال على المؤثر (البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج ألا تدل على اللطيف الخبير)، ومن زاوية أخرى كل ما في الطبيعة والكون سخّره الله لمصلحة الإنسان فالكون فطرةً خاضع لقانون التسخير وقابل هذه السنة الفطرية سنة تشريعية دينية وهي قانون الإعمار.
لقوله تعالى (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}لقمان20
وقوله (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ}هود61
كما حصل في تراثنا الفقهي نوع من الفصل بين العقيدة والشريعة وتم إبراز عقيدة التوحيد وكأنها لا علاقة لها بإصلاح حياتنا الدنيا وحصرت الشريعة في الأحكام التفصيلية الناظمة لعلاقات الأفراد في المجتمع والدولة المسلمة (فقه المحكمة) ولم يلتفت فقهاؤنا لأسس ومقاصد بناء الدولة والمجتمع (فقه الدولة).
حتى المقاصد العامة التي تكلم عنها علماء التراث الكليات الخمس (حفظ الدين –حفظ المال – حفظ العقل - حفظ النفس- حفظ العرض... الخ) جاءت من زاوية جزئية، صحيح أنها مقاصد عامة لكنها متعلقة بحقوق الأفراد وهي مقاصد استنبطها الفقهاء استنباطاً من خلال تتبع الآثار والنتائج التي تقود إليها آيات وأحاديث الأحكام.
وبالمقابل غفل تراثنا الفقهي التاريخي عن مقاصد وأسس بناء الدولة رغم أنها كليات وردت في القرآن بنصوص صريحة من ذلك:
(الحرية والشورى- الوحدة- العدل- السلام - الإصلاح وعدم الفساد) هذه هي مقاصد وأسس الدولة والحضارة في القرآن (فقه الدولة) ولا تجد لها في كتب الفقه أبواب ثابتة وشروح وتفاصيل وسأقوم بشرحها بإيجاز وأبين مدى ارتباطها بالعقيدة وأن فقه العقيدة هو فقه الدولة.
*مسؤول التخطيط السياسي سابقاً في التجمع اليمني للإصلاح


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.