غزوة بدر الكبرى التي احتفلنا بذكراها كانت أول معركة فاصلة في تاريخ الإسلام، وقعت يوم (17 رمضان/ 2ه) وشكّلت نقطة تحول كبرى في مسار الدعوة الإسلامية، حيث كان للثقة بالنصر والدعاء دور كبير، وبرزت في الغزوة مواقف عظيمة من الشجاعة والوحدة بين المهاجرين والأنصار، وأظهرت أن النصر لا يكون بالعدد بل بالإيمان والتنظيم، فكانت بدر فاتحة الانتصارات ومصدر إلهام للمؤمنين عبر العصور ورسالة بأن التمكين يكون بالصبر والثبات وحسن التوكل على الله. وشكل انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى فاتحة الانتصارات في شهر رمضان؛ شهر الفتوحات والنصر والتمكين، وذلك لما في رمضان من القيم الإيمانية والمعاني السامية تضيف للمسلمين صبراً لا ينقطع وعزيمة لا تنفد وإقدامًا لا حدود له.. وما إن يتذكر المسلمون الأحداث المهمة في التاريخ الاسلامي خصوصاً التي حدثت في شهر رمضان؛ فإن أول ما يتحدثون عنه هو غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جحافل الكفر والباطل من قريش، وبالتالي فقد مثلت معركة بدر حدثاً عظيماً في إنطلاقة الدعوة واستمرارها، كما كانت بدر وعداً ربانياً وبُشرى من الله سبحانه تعالي، حيث قال: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ 0للَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" (سورة الحج - 39)، كما شكلت غزوة بدر فرقاناً بين الحق والباطل، فما كان أمام المسلمين إلا أن ينتصروا في تلك المعركة، وكان لهم ذلك، وهكذا أسس الإسلام منذ مهده وإلى يومنا هذا فرقاناً بين الحق والباطل. وكان لانتصار المسلمين في غزوة بدر صداه الذي غمر آفاق الزمن والقيم، حيث سقطت أسطورة قريش التي لا تقهر، وبث الرعب في صفوف الكثير من قبائل العرب، كما رفع الانتصار معنويات المسلمين إلى درجات من الإشراق الإيماني غير المسبوق، فارتفع مؤشر العزة في نفوس المسلمين وقطعت رواحل الجهاد مرحلة جديدة على أسس جديدة من التضحية والفداء والنصر. ولقد كان للقيادة المباركة لمعركة بدر الكبرى ممثلة بشخصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، العامل الأبرز في تحقيق النصر، فلم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يتابع الحرب عبر أبراج المراقبة ولا عبر الرسائل القادمة من الميدان، بل كان في الميدان قائداً وموجهاً ومربياً وكان الصحابة يحتمون به في أحيان كثيرة إذا حمي الوطيس كما قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وبالتوازي مع البذل الميداني والعامل المادي تدريبًا وتخطيطًا واستبسالاً في القتال مال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ركن مكين من الابتهال والدعاء حتى سقط رداؤه عن منكبه من شدة الاستغراق في ربانية الابتهال، ففي الدعاء أيضا ركن آخر من أركان استراتيجية النصر لاستدرار العون والنصر من الملك الجبار. وكم نحن اليوم في ظل ماتشهده الأمة من أوضاع ومؤامرات أشد حاجة من ذي قبل لقائدٍ رشيد وحكيم يوحد الصف ويجمع الكلمة لمواجهة قوى الطاغوت والاستكبار الصهيوني الأمريكي. ختاماً: تأتي ذكرى غزوة بدر الكبرى من أجل التأمل والتدبر واستلهام العبر والدروس منها وتطبيقها في الواقع العملي والعمل بأسباب النصر والتمكين، فبدر الكبرى ستظل منهج حياة لمن يتأملها ويتدبر أحداثها التي صورها القرآن الكريم في أكثر موضع وسورة، وكيف احتلت هذه الغزوة المباركة مكانة عظيمة في تاريخ الإسلام والمسلمين.