هاهي ليلة أخرى من ليالي المهجر لا أقول أنها من اليالي الناعمة كما يحلو للبعض أن يسميها لأنها قارسة بطبيعتها وأحداثها .. في هذه الأثناء أمسك بقلمي أحاول كتابة خواطري .. لكن عماذا سأتحدث؟! الأحداث تفاجئني التصقت عيناي بدفتري العتيق تنتظر سيلان الدماء الزرقاء على صفحاته الناصعة البياض .. ياترى ماذا سأكتب لأحبابي؟! أساتذة، أصدقاء، طلاب أبناء، هل سأكتب عن الخيانة؟ أم عن الضياع؟ أم عن ألآم الجراح؟!!! أكوام من المصاعب منها ما قد ورد، ومنها المؤجل .. أحاول نسيان وطن غاص في رمال الأرتزاق وارتمى في أحضان العمالة. . لكن هيهات لوطن أن ينسى وهو يعيش معي في صحوي ووسني.. صحيح يجب أن يكون إحساسنا إيجابياً مهما كانت الظروف، ومهما كانت التحديات، ومهما كان المؤثر الخارجي ويجب ألا نستسلم، لكن كيف سنخاطب الأبناء الذين كبروا في الغياب والأصدقاء الذين يحلمون كل يوم برجوع الغائب الأكبر وهو الوطن.. تتأبى ذاكرتي المنهكة في خضم أمواج الحياة المتلاطمة التي حفرت في نفسي أخاديد من النيران المتوقدة جراء ما يحدث كلما رجعت إلى الوراء قليلا.. لا أتذكر إلا لحظات رحيل تراب وطن يزداد نأيه عنا إلى منافي الحياة، فأستحضر أيام جميلة عشتها في وطني وصقلت ذاكرتي منذ الصغر.. يا عساني أعود اليها متأسيا بالفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر .. آه ياوطني متى ستعود من منافي التاريخ؟ متى سأتغنى بأنشودة نصرك؟ متى سيلعب أطفالي وأحفادي وأسباطي في ملاعبك وينشدون قصيدة الحرية ويتشربون لحنها في مستهل أعمارهم؟! .. أرجو أن تكون أيامهم أحلى من أيامنا التي عشناها وهي حياة عشناها على سفن القراصنة وقوارب الموت التي لا تعوم إلا على أنهار الدم المفسوك ولا ترسو إلا على أكوام الجماجم وأشلاء الموتى.. يقال: ليلة ناعمة، لكنها في الحقيقة ليلة شتاء قارس تمطر أجواؤه بدموع الثكالى وتردد أصداؤه أنين الجرحى وأهات الجوعى ونباح النساء ولا تنبت ارضه إلا الأشواك.. تجمد القلم في يدي وجال خيالي خارج الزمان والمكان.. لكني لست متشائما بقدر ماهو الواقع الراسخ في الوحل .. لكن مع كل ذلك سأظل أحلم بوطن أرى وميضه من بعيد .