مأرب بين الأمس واليوم، في السلم والحرب، في زمن الدولة واللا دولة، تظل نموذجاً يُضرب به المثل في الماضي والحاضر. ما كان لمدينة أصيلة، تاريخية الطابع، قبليةٍ وبَدويةٍ برموزها ومشايخها وأكابر قومها، أن تُصوَّر لعقود من الزمن كمحافظة اشتهرت بالتقطع والتخريب والخارجين عن النظام. هكذا أرادوا لمأرب أن تُشوَّه صورتها.
أبناء مأرب كغيرهم من أبناء اليمن، لهم سلبيات وإيجابيات، غير أن معظمهم كانت لهم صولات وجولات في ميادين النضال وساحات البطولة.
في عام 2014، حين اجتاحت مليشيا الحوثي الإرهابية العاصمة صنعاء وتهاوت قلاع الجمهورية وسقطت المحافظات واحدة تلو الأخرى، حصّنت مأرب قلاعها ورفعت سقف وطنيتها، ولملمت شتاتها، فحضرت الدولة والقبيلة، وتلاقت المواقف، واتحدت الرؤى، وتلاشت الخصومات؛ فلا ثأرات ولا نزاعات. نطقت فوهات البنادق والمدافع تحت مظلة الجمهورية والدولة، صفاً واحداً، هدفهم الأسمى الدفاع عن الأرض والعِرض والجمهورية، معلنين أن العدو واحد: التمرد الحوثي.
حينها قالت مأرب – القبيلة والحزب – كلمتها: لن يدخلوها ما دمنا فيها، لن يدخلوها وأرواحنا في أجسادنا، لن يدخلوها وفي عروقنا قطرة دم واحدة.
هكذا تكون الكرامة أغلى من الروح، والحرية أثمن من الدماء.
تحدثت مأرب حين خيّم الحزن على العاصمة وكان الصمت سيد الموقف، فكان موقفها البطولي جرعة أمل لليمنيين جميعًا، بعد صدمة الهزيمة والانكسار.
باكراً قررت مأرب إنشاء مطارح نخلاء والسحيل وغيرها في عموم المحافظة، وكان اللواء سلطان العرادة رجل الدولة الأول والمحارب والمقاوم في مقدمة الصفوف. أمسك بيده اليمنى بندق المقاومة والدفاع عن مأربواليمن الجمهوري، وبيده الأخرى أدار المحافظة ومؤسساتها.
الشيخ اللواء سلطان العرادة، رجل الدولة والحرب معًا، كان حاضراً مع قومه في أحلك الظروف. قدّم التضحيات كما قدّمها قومه الذين يفخر بهم، فهو يعرفهم ويعرفونه.
سلطان السياسي المحنّك، كانت تصريحاته أشد وقعاً على المتمردين من الصواريخ والقذائف، حين قال مخاطباً زعيمهم: «بعيدة عليكم مأرب، ولن تطأها أقدامكم، لو خرج زعيمكم من قبره. فمن دخلها منكم كان أسيراً أو مقبوضاً عليه».
إنه خطاب القائد الواثق الذي يعرف رجاله، فصدق القول والفعل. نعم القائد سلطان، ونعم القوم قومه.
في عام 2015، وصلتُ المدينة في شهر رمضان المبارك، في ذروة الصيف، وكانت الحرب على أطرافها والحرارة في أوجها. نزلت في فندق ميلانوا، وخرجت مع أحد الزملاء إلى بقالة قريبة. اشترى عدداً من علب الماء ، فاستغربت حيث كان الوقت بعيداً عن الإفطار فضحك وقال: "بعد ساعة لن تجد ماءً بارداً في المدينة وكذاك في وجبتي الإفطار أو السحور." كانت مأرب آنذاك مدينة صغيرة: شارع واحد، فندق، مطعم، كافتيريا وسوق متواضع.
لقد شُوّهت مأرب لعقود تحت سمع وبصر الدولة، بأيدٍ خفية تعمل في مؤسساتها، ظاهرها جمهوري وباطنها مؤامرات لتقطيع أوصال الوطن. كانت تلك الأجندات تدرك طبيعة مأرب وقبائلها وعصيانها على الكسر، فتعمدت إهمالها وتشويهها، وزرعت بؤر الفتنة والتخريب بين القبائل، حتى صُوّرت مأرب كبيئة طاردة لرأس المال والاستثمار.
لكن حين سقطت معظم المحافظات بيد المتمردين، وقفت مأرب سداً منيعاً تحطمت عليه أوهام الطغاة وأذناب الفرس. عندها أدركنا أن السلالة واللوبي داخل الدولة كانوا يخشون هذه اللحظة، لحظة مأرب القردعي – صاحب الطلقة الأولى في رأس الإمامة – ومأرب العرادة والشدادي، رموز البطولة في وجه التمرد الحوثي.
أسقطت مأرب رهان السلاليين، وبدأ العرادة من اللاشيء بناء الدولة من جديد: جيش وأمن ومؤسسات، وفصل جديد من البناء والتنمية والإعمار. نهضت مأرب من بين أصوات الباليستي وغبار الكاتيوشا وشبكات المتفجرات وخلايا التجسس.
باتت مأرب مهبط الأحرار، ومأوى كل حيران، وقبلة الجمهوريين، والمتنفس الذي تُشتمّ فيه رائحة الحرية. هي الأرض التي لا تقبل في باطنها إلا كل حرٍّ وصاحب كرامة.
مأرب صغيرة المساحة، عظيمة النضال، طيبة المعدن، عريقة التاريخ، إنها أرض الملوك والجنتين. هاجر إليها اليمنيون الأحرار لأنها تشبههم ويشبهونها في الصلابة والبطولة.
المحافظة التي لا تنام، تحولت إلى ورشة بناء لا تهدأ، فشُيّدت البنايات والأحياء في وقت قياسي. كان شارع صنعاء الضيق شريانها الوحيد، واليوم صارت شوارعها واسعة مضاءة مزدانة بالأرصفة، جميلة كأهلها الذين صنعوا هذا الجمال.
كانت الدولة تعبّد شارعاً والمقاومة تحرر جبلاً ، فصارت مأرب تضيء اليمن وتشع فيه الأمل بالحرية وعودة الدولة.
رغم استهداف الحوثيين لمحطة الكهرباء والغاز وخطوط النقل، كانت فرق الطوارئ تعمل بلا كلل لتوسيع الشبكة وإنارة المدينة.
من يزور مأرب اليوم لا يصدق أنها واجهت كل تلك الجحافل، وأنها صمدت بوجه الإرهاب والخيانة، لتبقى منارةً للنور والعزة.
مأرب التي كان أبطالها ينتظرون دورهم في الحصول على الماء البارد والمسكن، ترونها اليوم بأعينكم مدينةً فاتنة بخدماتها وأسواقها.
مأرب كالعنقاء، خرجت من بين رماد المؤامرات وعقود التشويه والحرمان.
وأخيراً، قد ترى عين القارئ أجمل مما رأيت، وقد يكتب كاتب بإبداعٍ يفوق قلمي، وقد يسرد راوٍ القصة كأنها خيال، لكنها مأرب الحقيقة.. مأرب البدء والختام.