غني عن القول ان اليمن في حاجة الى جهود جميع ابنائه.. والوطن محتاج دائماً الى وطنية المنتمين اليه والمنتسبين له.. تماماً كما هي الحياة لا تقوم الا بالاحياء جميعهم. أغنى - من ذلك - عن القول والتعريف، ان حاجة الوطن الى ابنائه ليست مجالاً مناسباً للتغاضي عن، او الغاء الشق الآخر والأهم من معادلة «الولاء والانتماء».. واعني بذلك «حاجة الابناء لوطنهم» واحتياجهم الدائم الى «وطنٍ» يمنحهم دفء الحضور، وشرف الانتماء، ويوفر لهم امتيازاً وجودياً خاصاً يرادف في قيمته ومعناه امتياز العيش والحياة ذاتها، الا وهو «الولاء» في اقدس تجلياته.. حين يتصل بالوطن ويستمد منه معناه ومبناه.. تماماً كما ان الاحياء لا يتقومون بغير حياة.. الوطن حياتنا. لا أكاد اطرق بأنامل افكاري هذا الباب بذاته، حتى استعيد صوت «سعدون جابر» وهو يبكي الموسيقى، واللحن، والكلمات، بصوته المغموس بالشجن واللوعة، وينشد في تأثر وصدق، قلما تجد لهما نظير لدى فنان «اللي مضيع ذهب.. بسوق الذهب يلقاه.. واللي مضيع حبيب.. يمكن في يوم ينساه.. واللي مضيع وطن.. فين الوطن يلقاه؟!» اين يجد له وطناً آخر؟! في تزاحم المشاغل وازدحام الهموم وقضاياها المتشعبة اليومية والطارئة.. وتلك الشخصية والعامة على السواء.. تتأجج اعتبارات وولاءات شتى في الذهن والتفكير.. لعل أهل السياسة والعمل المتعلق بها اكثر الناس دراية ومعايشة لاعتكارات الشد والجذب الدائمين، ومعاناة قلق الحسابات وأرق التجاذب والتنافر، اللذان يحكمان المجال السياسي ويتحكمان بأفراده ومضامينه كلها.. هكذا السياسة دائماً: لا قرارات نهائية، ولا فشل نهائي، ولا نجاح واطمئنان باطلاق.. شأنها في ذلك شأن حياة على ظهر محيط جبار يستقر حيناً وتضطرب امواجه احايين اخرى. وقد قيل أن في السياسة: لا تبحث عن عداوة دائمة، ولا تعول على صداقة دائمة.. كلا الحالتين تخضعان للقانون ذاته.. وليس على السياسيين، دون أدنى شك ان يبحثوا في السياسة عن عداوة أو عكسها.. فلا يوجد ذلك، كما لا تعرف السياسة شيئاً كهذا أو تعترف به، فقط البحث منصب دائماً.. الشراكة.. والشراكة لا تعني «معي» بإطلاق.. انها شيء خاص بالسياسة لوحدها، كما ويعد امتيازاً نادراً توفره السياسة للافراد والجماعات.. فالشراكة هنا - وهنا فقط وبصورة اصلية وحاسمة - تحتمل «مع وضد» في آن.. انما بمعنى خاص وحتمي بالمرة: «مع» أو ضد هنا لا تحتملان المعنى الذي يمكن ان تعطيه مجالات اخرى ومناشط مختلفة، مثل كرة القدم مثلاً، أو الرياضات التنافسية بانواعها، التي تقتضي إما الفوز او الخسارة.. اما معي ( فريقي) أو ضدي (فريق الخصم) ولا توسط بينهما. السياسة شيء آخر تماماً.. الشراكة فيها قائمة على ان الآخر جزء مني، مكمل لي، ومهم بالنسبة اليِّ، قدر أهمية الذات أو من معي بصورة أكيدة لا مجال هنا للخصومة أو العداوة والتربص والبحث عن انتصار بات يتأسس، ضرورة على هزيمة الآخر وافشاله او الاجهاز عليه.. السياسيون وحدهم يعرفون هذا القانون، وهذه المعادلة الحساسة، جداً، ويجمعهم جميعاً انهم - سواء في الحكم أو المعارضة - «شركاء» حياة واحدة وواجب واحد، ومسؤولية واحدة.. وعوداً على بدء سنقول: يجمعهم انتماء واحد، وولاء واحد، وحياة واحدة.. وبالتأكيد قبل ذلك وبعده ومعه : يجمعهم «وطن واحد». لا يمكن بحال من الاحوال ان لا يكون «الحاكم والمعارض» معاً شركاء.. بعيداً عن حسابات ال«مع» وال«ضد» وبعيداً عن استعار مشاعر وحسابات الربح او الخسارة الذاتيين.. وبعيداً، ايضاً، عن كير ونتن الخصومات الكيدية والتربصات التي تجتهد في الائتمار او التآمر، على الاخر المخالف/ المختلف.. طامعة في الاجهاز عليه - او ربما اتيانه من القواعد.. وهذا هو عين المحال. علم - او سيعلم - كل من رضي بالسياسة وممارستها عملاً ونشاطاً، ان «السياسة» في بلد ديمقراطي، ينتهج الشراكة نظاماً، والمشاركة منهجاً وقانوناً، لا يمكنها الا ان تفرض قانونها الجماعي، وتلفظ ما عداه من القوانين الخاصة، او المشاريع الفئوية الذاتية، او الشعارات والاحكام المتطرفة في ولائها للذات (الشخصية) والمتطرفة اكثر من استعلائها على، او استعدائها ل«الآخر» الشريك او ل«الذات الجمعية/ الجماعية». واذا كنا - بالنسبة لحالتنا الوطنية في اليمن وتجربتنا الديمقراطية الناشئة المقترن عمرها وزمانها بعمر وزمان الوحدة المباركة ونظامها الاتفاقي الديمقراطي، لا نزال في مستهل طريق الممارسة والتمرن الجماعي، على اسلوب حياة آخر يختلف تماماً عمّا ساد قبل ذلك في تجارب تاريخية لما تزل حكاياتها ماثلة للعيان مدوية في الاذان، فاحرى بنا ان نترافق في السير معاً وسوياً، واذ لا يوجد احد يستطيع إدعاء كمال زائد ليس للآخرين، او تكلف امتداح النفس والذات بما يفوق تجربتها وامكاناتها حقيقة، وفي المقابل يبز الآخرين حقهم ويسلبهم حقوقاً مقابلة، لا يمكن اسقاطها او تجاوزها لمجرد الاختلاف في الرأي والتوجه ليس الا.. او لمجرد الحاجة الى الشعور بالزهد وتقديم النفس كبديل محتمل، أو كمشروع وفكرة لبديل لما يزل يفهم السياسة «عنداً» والحزبية «تحالفاً» فئوياً أو رمزياً في مجابهة ومواجهة بقية الاخرين الشركاء في الساحة والنظام والمجتمع بعمومه. كنا نتمنى ان لا نسمع حديثاً عن «الفشل» مع السياسيين واحزابهم في جلسات الحوار ولقاءاته.. تمنينا اكثر لو احترم السياسيون واطراف الحوار - او ما كان شأنه وصفته - ابسط قواعد وادبيات الشراكة والحوار والمسؤولية الجماعية في حلحلة المشكل - بغض النظر عن حجمه ونوعه .. ولا نقول ان الوقت قد فات، فلن يفوت ابداً شريطة استدراك سقطات الامس، وتدارك الخيارات المتاحة والممكنة.. ولن يتأتى ذلك ما لم يكف السياسيون عن لعب دور المذيع او المذياع او المعلق الرياضي كثير الهدرة والزعيق.. فكيف يكون السياسي.. من جهة يتباكى على الحوار، ويؤكد مطلقاً، فشله وسوءه، ومن جهة ثانية لا يكاد يدخل حواراً الا وسبقته تصريحاته وتعلقياته المحبطة والميأسة والمنفرة - حتى من الحوار كفكرة لا اكثر؟! كيف ينجح حوار يسبقه السياسي بالفشل والافشال، والتلويح بخيارات حتمية إما ان تفرض كلها او ترفض كلها.. دون مجال لتحرك الافكار وتقارب الآراء وتوافق ال فرقاء؟! لا يعد حواراً ما لم يتزود السياسيون والحزبيون بالقدر الوافر من المرونة وفن السياسة وفطنة القادر على التدرج في صعود السلم درجة درجة. ثم لا شيء سوى الخيبة واعلان بوار الذات على الملأ اذا كان السياسيون سيدخلون الحوار ترافقهم هواجس الفشل وتصريحات تؤدي اليه، ثم يخرجون بها زائداً عليها يأس وفقر في السياسة والكياسة معاً.. والشأن ان الاسابيع الماضية كانت موبوءة بيأس سياسي وحزبي يدعو للتأسف.. عبر عنه كثر في لغة «مشتركة» دأبوا ابداً على اعلان الفشل والترويج له، بل واحياناً التغني به! سنعود ونقول بان السياسة شراكة.. والوطن حاجة أصلية لا مجال للفشل حياله أو المراهنة على خيار آخر سوى التوافق والحوار.. لا بديل على الاطلاق.