لم تكن الصورة التي حصل عليها أهالي بنت جبيل، والتي تُظهر المدينة عبر الأقمار الاصطناعية يوم الثلاثاء، كغيرها من الصور التي تكشف الدمار الذي حلّ بالبلدة جرّاء آلة القتل الإسرائيلية. على الرغم من الخراب الكبير الممتد في أرجاء البلدة، بين منازلها ومتاجرها، بدا الحزن متمركزاً كلّه في نقطة واحدة، في «حاكورة نص الضيعة»، حيث يقع المسجد الكبير. هناك، لم تعد الصورة مجرّد مشهد دمار، بل واقع قاسٍ. لقد دمّرت آلة الحقد الإسرائيلية المسجد الكبير، الذي يفوق عمره عمر كيانها المزعوم. هذا المسجد لم يكن يوماً مجرّد مكان للعبادة، بل كان قلب البلدة النابض، وذاكرتها الحيّة، ومركزها الثقافي والاجتماعي الذي لا يُختزل. تاريخ المسجد يعود أقدم عهد للبناء القائم إلى الحقبة الرومانيّة، إذ يُستدلّ على وجود معبد روماني في الموقع من خلال صخرة منقوشة ورد عليها ما يُترجم ب«هنا بيت الربّ»، إلى جانب مكتشفات أثريّة عدّة تؤكّد امتداد تاريخ المنطقة إلى تلك المرحلة. وفي مرحلة لاحقة، عُثر داخل المسجد، قبل نحو خمسين عاماً، على لوحة تاريخيّة نُقش عليها: «جدّد هذا المسجد المبارك ابتغاءً لوجه الله، الحاج علي ابن المرحوم المبرور الحاج أحمد البزّي، أثابه الله ثواب المحسنين وله أجره يوم القيامة، وذلك في أواسط سنة أربعة وثلاثين ومائة وألف». في مرحلة لاحقة عُثر داخل المسجد على لوحة تاريخيّة نُقش عليها: جدّد هذا المسجد المبارك ابتغاءً لوجه الله الحاج علي ابن المرحوم المبرور الحاج أحمد البزّي ويُفهم من هذا النص أنّ المسجد كان قائماً بصيغته الدينيّة قبل العام 1134 هجري، حيث خضع آنذاك لعمليّة تجديد. وفي هذا السياق، يشير الأستاذ في مادّة الأنثروبولوجيا في الجامعة اللبنانيّة، علي بزّي، إلى أنّ هذه اللوحة تُعدّ أوّل وثيقة معروفة لآل بزّي، لافتاً إلى أنّه، رغم دراسته التي أجراها عام 1979 حول القرابة وسعيه لإعداد شجرة نسب للعائلة، لم يتمكّن من تتبّع الأسماء الواردة فيها، ما يعزّز فرضيّة القِدم التاريخي للمسجد. ويرتبط المسجد ارتباطاً وثيقاً بآل بزي، بوصفهم أوّل من تولى تجديده، كما تعاقبوا على الإشراف عليه. ويذكر الدكتور بزي أنّ مئذنة المسجد شُيّدت عام 1948، في حين أنّ القبة كانت قائمة منذ زمن بعيد، وتُعدّ من أقدم وأبرز قبب المساجد في جبل عامل ولبنان. ويُرجح أنّ البناء في بداياته كان يقتصر على القبة وما تحتها، قبل أن تتوسّع مساحته تدريجياً عبر السنوات، ليبلغ اليوم أكثر من دونم ونصف، مع ملحقاته من باحات ومرافق كالمكتبة. وبحسب ما أورده السيد محسن الأمين في كتابه «خطط جبل عامل»، فقد شُيّدت على المسجد قبة عظيمة، وكان رئيس البنّائين الحاج حميدي الصفدي، المعروف أيضاً ببنائه سراي تبنين لعلي بك الأسعد. كما أُقيم سقف الجهة الشرقيّة من الخارج بالخشب، قبل أن يُعاد بناؤه عام 1349 هجري باستخدام «الشمينتو». من جهة أخرى، يرجّح الدكتور حكمت بزّي، في كتابه «حقيبتي التاريخيّة»، أنّ سكّان بنت جبيل استوطنوا المنطقة قبل الإسلام، واعتنقوا الدين الإسلامي مع الفتوحات الأولى، فحوّلوا أماكن العبادة من أديرة إلى مساجد، ويُحتمل أنّ هذا الجامع هو ذاته الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. كلّ هذا التاريخ، بكلّ طبقاته الممتدّة من العصور الرومانيّة إلى يومنا هذا، اختصرته إسرائيل في لحظة تدمير واحدة. لكنّ الخسارة، بالنسبة لأهالي بنت جبيل، لا تُقاس بسنوات العمر ولا بحجم الحجارة، بل بما كان يختزنه هذا المكان من حياةٍ كاملة، من تفاصيل يوميّة ومن ذاكرة جماعيّة يصعب تعويضها. مسجد بنت جبيل فالمسجد لم يكن يوماً مكاناً للصلاة فحسب، بل كان ساحة اللقاء الأوسع في البلدة، حيث تختلط وجوه الصغار بالكبار، وتتقاطع حكايات الأجيال. في باحاته، لم تكن الجلسات عابرة، بل كانت طقساً يومياً من الألفة. فناجين الشاي تُحضّر على مهل، الأحاديث تمتدّ بلا استعجال والوقت هناك كان يُقاس بالصحبة لا بالدقائق. تحت ظلّ القبّة، وعلى أطراف الساحة، كانت تُبنى العلاقات، وتُرمَّم القلوب، وتُصنع ذاكرة لا تُكتب بل تُعاش. في شهر رمضان، كان المسجد يتحوّل إلى عالمٍ قائم بذاته. من تجهيز زينته المميزة قبل بداية الشهر بأيام، مروراً بلحظة الإفطار، إلى سهرات السحور وليالي القدر، حيث تختلط ضحكات الأطفال بخشوع الكبار، كان المكان يضجّ بالحياة وملتقى الذين لا يلتقون إلا نادراً. وفي عاشوراء، كان شاهداً على الحزن الجماعي، وعلى تلك اللحظات التي يذوب فيها الفرد في الجماعة، وتصبح الذكرى جزءاً من الهوية. وفي كلّ مناسبة، دينيّة كانت أم اجتماعيّة، كان المسجد البيت الذي يسع الجميع، والملاذ الذي لا يُغلق بابه. هو ملتقى البلدة، وسرّ ذكرياتها، وشاهدٌ صامت على أعمارٍ مرّت من هناك: على طفلٍ كبر، وعلى شابٍ ارتقى، وعلى وجوهٍ أحبّها المكان فاحتفظ بأثرها في زواياه. كم من خطوةٍ خُطيت في باحاته، وكم من دعاءٍ ارتفع من تحت قبّته، وكم من لقاءٍ عابر تحوّل إلى حكايةٍ طويلة بقيت في الذاكرة. وفي وصفٍ يختصر وجع الأهالي، كتبت إحدى المواطنات: «حجارة المسجد كسرتلنا ضهرنا». عبارة بسيطة، لكنّها تحمل ما تعجز عنه اللغة. شعور الانكسار حين لا يُهدم الحجر فقط، بل يُمسّ ما هو أعمق، ما يشبه الروح. بين من يهدم ومن يبني تتّضح الحكاية أكثر نحن أبناء هذه الأرض نبني بالحجر وبالذاكرة نعيد إحياء المكان لأننا نحمله فينا قبل أن نحمله بأيدينا أما الشاب محمد داغر، ابن بنت جبيل ومسجدها، فكتب: «كلّنا نؤمن أنّ ما يُهدَم يمكن أن يُعاد بناؤه، بإرادةٍ جنوبيّة لا تعرف الانكسار، وبعزيمةٍ لا تلين مهما اشتدّت المحن. لكن الحكاية مع "الجامع الكبير" ليست ككلّ الحكايات. هذا ليس مجرّد حجرٍ يُرمَّم، ولا بناءً يُشيَّد من جديد. إنّه مسجدٌ يمتدّ عمره لمئات الأعوام، أكبر من عمر دولٍ. بين تعرّجات جدرانه القديمة ينبض تاريخ أجداد أجدادنا، وفي ساحاته يتردّد صدى علماء جبل عامل وثقافته، وفي كل زاويةٍ منه ذاكرةٌ حيّة لا يمكن اختزالها. على فقدان مثل هذا الصرح، تعجز الكلمات عن حمل الألم...تتكسّر القلوب، ويثقل الحنين. كان هذا الجامع ملاذنا الأقرب، وقطعةً من أرواحنا. هناك تشكّل جزءٌ كبير من وعينا وتربيتنا، وهناك كبرنا بين وجوهٍ أحببناها، من أهلٍ وأصدقاءٍ وأحباب. كثيرون منهم ارتقوا شهداء، وبقيت ذكراهم معلّقةً في كل أروقته». اللحظة الأخيرة وأما لحظة الحزن الأسمى كانت عند موعد أذان مغرب يوم الثلاثاء، حينما أرسل خادم المسجد علي سمير سعد عبر مجموعته الإخبارية التي تحمل اسم المسجد والتي تضم معظم أهالي البلدة، مقطع فيديو يوثق رفع الأذان من المسجد، مصحوباً بعبارة: «حان الآن موعد اذان المغرب بحسب توقيت المسجد الكبير في بنت جبيل». لكن، بين من يهدم ومن يبني، تتّضح الحكاية أكثر. نحن أبناء هذه الأرض، نبني بالحجر وبالذاكرة، نعيد إحياء المكان لأننا نحمله فينا قبل أن نحمله بأيدينا. وهم، مهما امتلكوا من آلة تدمير، لا يملكون سوى القدرة على محو الشكل، لا المعنى. وغداً، حين نعود وتُرفع الأنقاض، لن يكون ما يُبنى مجرّد مسجد جديد، بل امتداداً لذاكرة لم تنقطع، وصوتاً سيعود ليرتفع من جديد من تحت القبّة، يحمل أسماء الذين مرّوا من هنا، ويُعيد جمع الناس كما كان دائماً. وستظل «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت»، تتردد في بنت جبيل.