تتواتر في الفضاء الإعلامي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، أخبارٌ عن وجود ضغوط مُكثفة تُمارس على الأستاذ سالم العولقي، رئيس هيئة أراضي وعقارات الدولة، بهدف إرغامه على التراجع عن جملة القرارات الإصلاحية التي أصدرها مؤخراً، والمتعلقة بتغيير الطاقم الإداري في فرع الهيئة بالعاصمة عدن، بعدما ثبت تورطه في قضايا فساد وتلاعب بمقدرات الدولة من الأراضي والعقارات على مدى سنوات. وحقيقة الأمر أن وجود مثل هذه الضغوط، من جهات مستفيدة من استمرار الفساد، أمرٌ متوقعٌ بل ومألوف في سياق معارك الإصلاح التي تواجه شبكات الفساد المتجذرة. غير أن الغريب في الرواية المتداولة هو ذلك الربط العشوائي بين هذه الضغوط والمجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة القائد عيدروس الزبيدي، حيث تُزعم تلك الأخبار أن مصدر الضغوط هو المجلس الانتقالي نفسه ورئيسه القائد عيدروس الزبيدي
وانا هنا لست بصدد الدفاع عن المجلس الانتقالي أو رئيسه، ولا اسعى لتبرئتهم من أي تهمة، فهذا شأن يتعلق بأدلة وبراهين لا يعلمها إلا الله ثم من هم في قلب الحدث. ولكن الذي يدعو إلى الاستغراب والتوقف طويلاً عنده هو المنطق السقيم الذي يحمل هذه التهمة. فمن الناحية العقلانية البحتة، يصعب استساغة فكرة أن يقوم الرئيس عيدروس الزبيدي، الذي كان هو نفسه الراعي والموجه والداعم لترشيح الأستاذ سالم العولقي – وهو أحد قيادات المجلس الانتقالي البارزبن – لتولي هذا المنصب الحساس، ثم يعود ليمارس ضغوطاً معاكسة عليه ليثنيه عن تنفيذ ما عُيّن من أجله.
فإذا سلّمنا بأن الزبيدي قد دفع بالعولقي إلى موقع المسؤولية، فمن المنطقي أن يكون ذلك بناءً على قراءةٍ لشخصيته وكفاءته ونزاهته، ورضاًءا عنه وعن اداءه ووطنيته، وتوكيداً له على مهمة إصلاحية هي غاية في الصعوبة والتعقيد. وإذا كان الهدف هو إصلاح هيئة أنهكها الفساد لعقود، فكيف يُعقل أن يُعيّن شخصاً لهذه المهمة ثم يعمل على تخريب جهوده وإفشالها؟ إنه تناقضٌ لا يقبله العقل السليم، ولا تؤيده مصلحةٌ واضحة.
أما الأمر الثاني، الذي يزيد من استبعاد هذه الفرضية، فهو طبيعة العلاقة التنظيمية والسياسية بين الطرفين. فالأستاذ العولقي، بصفته عضوا قيادياً في المجلس الانتقالي، ومن موقعه كمسؤول كُلّف بهذا المنصب بدعمٍ مباشر من رئيس المجلس، فمن غير المعقول – بل من غير المتصور ابدا – أن يقدم على خطوة إدارية كبيرة وجريئة، كتغيير طاقم إداري كامل في فرع حيوي كهيئة الاراضي بعدن، دون مشورة مسبقة مع رئيسه المباشر والقائد السياسي الذي ينتمي إليه، وهو القائد عيدروس الزبيدي. فطبيعة العمل المؤسسي، والاعتبارات السياسية والإدارية، كلها تقتضي تنسيقاً وتباحثاً مسبقا في مثل هذه القرارات المصيرية مع القيادة. وبالتالي، فإن افتراض أن قرار العولقي جاء منفصلاً عن إرادة أو علم قيادة المجلس الانتقالي هو ادعاء يفتقر إلى أبسط قواعد الفهم السياسي والإداري.
وعليه، فإن هذه الرواية المتداولة تظهر هشاشةً في البناء المنطقي، وتفتقر إلى الحبكة المقنعة التي تجعل الناس يصدقونها. فصناعة الإشاعة، كأي صناعة أخرى، تحتاج إلى إتقان، وإلى تقديم منتجٍ يبدو مقنعاً حتى لو كان مزيفاً. أما أن تُقدم للجمهور قصةً مليئة بالثغرات التناقضية، فهذه إساءةٌ إلى ذكاء الجمهور وقدرتهم على التحليل.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نشد على أيادي كل المخلصين من أمثال الأستاذ سالم العولقي، الذي أظهر شجاعةً إداريةً نادرة في زمنٍ صارت المواجهة الصريحة للفساد فيه مغامرةً محفوفة بالمخاطر. ونقول له: أمضِ في طريقك الذي اخترته، ثابت الخطى، واثق القامة، فالقافلة تسير وراءك، وشعبٌ الجنوب تعب من نهب المال العام ويتطلع إليك كبطلٍ يأتي بالفرج. واعلم أن نباح الكلاب لا يوقف مسير القوافل، وأن صراخ المفسدين دليلٌ على أن ضرباتك قد اوجعتهم. وكلنا معك في معركتك الشريفة هذه، معركة استرداد الوطن من أيدي العابثين.