كان الناس يرون أن الأقرب إلى التطبيق هو تساقط الديناصورات العربية، بالطريقة التنازلية وليس بالتصاعدية، أي أن تبدأ الثورة بإسقاط الأسن أو الأقدم أو الأعتق، صفهم بأي وصف من هذه الصفات التي تنطبق عليهم بعامل الاشتراك المعنوي، ثم بالذي يليه وهكذا حتى ينتهي المطاف بأحدث دكتاتور، ولكن ولأسباب غير مؤكدة اللهم إلا إذا كان ذلك نتيجة لتدخل القدر الإلهي وهو ما أرجحه لأنه عادة ما يأتي على الفراعنة والظالمين من حيث لا يحتسبون فقد بدأت ثورة التغيير بالإطاحة بابن علي رئيس تونس، وهو أحدث من حسني مبارك حكما وأصغر منه سنا، وفي نظري أن الأسن في العمر يكون تغييره أكثر صعوبة حتى من الأقدم في الحكم، ذلك لأن تعوده على البقاء في الحكم وشيخوخته عليه لعشرات السنين قد رسخ في ذهنه عدم إمكانية القدرة على العيش في مناخ وأفاق أخرى، فهو في تصوره كالسمكة لو خرجت من الماء فإنها ستموت، إن الشيخوخة في التسلط والحكم تجعل فكرة التغيير لدى الحاكم مستبعدة جدا فهو يراها خيال غير قابل للتطبيق فيبقى على إصراره وعناده واعتباره معارضيه مجرد مشاغبين أهل باطل إلى أن يحاط به. إنني أرى أن ابن علي أكثر ذكاء وفهما من حسني مبارك فهو قد فاجأ شعبه بالخروج فضلا عنا، ابن علي تعامل مع الواقع والمنطق حين قبل بمطلب شعبه وقد يكون للسن أهمية في القدرة على استيعاب الحدث والتفكير بجدية وقراءة المعادلة والاستنتاج، فهو يرى أن شعبه لم يعد يستسيغ بقاءه في الحكم، ويرى أن فترة عشرين عاما من الحكم كافية، وهو كما سمعت لا أولاد له سوى ابنتين، بخلاف حال حسني الذي بقي لثلاثين عاما في الحكم وهو أسن من ابن علي ولديه أولاد كان يرشح أحدهم للرئاسة خلفا له، وهذه عوامل أثرت كثيرا في استجابة حسني لمطالب شعب مصر في التنحي عن السلطة. وإنني لأعجب من تأثير السلطة على غرائز الحكام وطباعهم البشرية، وبخاصة الدكتاتوريين منهم حتى إنني أعدهم أجناسا أخرى في أشكال إنسانية، فمن غرائبهم أنهم كالأطفال يخافون من أي شيء ويطمئنون إلى أي شيء، ويقسون غاية القسوة على من يخافونهم حتى ولو كان ذلك الخوف مجرد أوهام أو مجرد وشاية من خصم، وهم بهذه الصفة أقرب إلى وحش الغاب منهم إلى البشر حيث لا رأفة ولا رحمة، وهم كالشياطين ليس لله في قلوبهم أي مكان ولا يحسبون له أي حساب يعاهدون فينقضون ويعدون فيخلفون ويقولون فيكذبون، الأخلاق والذوق لم يعد لها مكان في نفوس غلب عليها الطمع وحب الخلود في الحكم، فلو كان لحسني بقية من ذوق لفضل الذهاب إلى بيته والتنحي عن السلطة لو لم يكن إلا لما ظهر له من كراهية شعبه له وصراخه في وجهه بأنه لم يعد يريده ولا يرغب حتى في ذكر اسمه، رأيت إحدى النسوة في التلفزيون وهي تقول : رح لك عنا ما نريدك رح. بتقزز وكراهية كرهت بهذا المشهد لوحدة السلطة التي يتمسك بها حسني ومن يكرهه الناس إلى هذا الحد لأجلها ورأيت بأن حسني مجرد من كل ذوق بشري من كل حس إنساني وأنه فعلا قد مسخته السلطة. حسني وأمثاله من الدكتاتوريين أشبه شيء بفرعون مصر الذي جاءه موسى بكل آية في سبيل أن يطلق له بني إسرائيل ليخرجهم من عبادته إلى عبادة الله، فرفض كل تلك الآيات مع علمه بصحتها ولم يؤمن إلا أثناء الغرق في البحر، فقال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل) فأجابه الملاك: ( الآن وقد عصيت قبل) فلم ينفعه إيمانه وهو في وسط العقاب. وحسني الآن يماطل في الخروج من السلطة لأنه يؤمل في البقاء والغارة من هنا أو من هناك وينتظر المعونات الأجنبية التي حمته كثيرا كعميل ومساير لها في سياستها في المنطقة وظلمها لشعب مصر في سرقة ثرواته وتقوية سراق عيشه، فلن يؤمن كما آمن بن علي إلا حين يحيط الثوار بقصره، ويخرجونه منه كدكتاتور رومانيا. إن حسني ك علي صالح وكبقية سلسلة الدكتاتوريين العرب متوكل على أمريكا، وعلى التناقضات المصطنعة في المنطقة وليس على الله الذي نسيه منذ سنين كثيرة، ولكن هذا التوكل غير مجد له الآن لان حبل الناس أوهى وأضعف بكثير جدا من حبل الله، الذي قطعه منذ أن اتكل على الناس حتى ولو آمن ولن يؤمن. لا إشكال عندي أن حسني كان قد بدأ يسير في طريق علي صالح، حينما فجرت الكنيستين القبطيتين في الإسكندرية ، ليتهم المعارضة بها وذلك من أجل خلق أجواء التفرقة التي تتيح لابنه أن يحكم في ظلها، فعلي صالح يصطنع الإرهاب والقرصنة والحروب والفقر وينشر الأمراض عن طريق المتاجرة بالأدوية المزيفة والمبيدات الحشرية المزيفة والضارة ويثير المشاكل الداخلية، كل ذلك ليبقى هو في الحكم وليرث أبناؤه الأسرة الحاكمة اليوم في اليمن الحكم من بعده إلى مالا يعلمه إلا الله، وحسني قد زيف الانتخابات ليدوس على كرامة شعبه ويصادر رغباتهم ويحرف آراءهم، كما علي صالح يزيفها في كل مرة، لقد كبت بحسني مبارك حيلته وحاول الاستفادة من خبرة علي صالح التي لا طعم لها ولا ذوق ولا حياء فيها ولا كرامة، فثار شعب الكنانة في وجهه شعب الحرية وأمل الشعوب العربية. من الأفضل لحسني أن يذهب إلى بيته ويترك السلطة للشعب يختار من يشاء، ودون إملاء من أحد، ولا يحزن على انفراط عقد السلسلة الدكتاتورية البراقة في الوطن العربي، وليكل أمرهم إما إلى أمريكا وإما إلى الله بحسب إيمانه، فأمريكا مهتمة بكسب المال لشعبها من بترول المنطقة وثرواتها أكثر من اهتمامها بحسني، ولا يخش على إسرائيل ولا على حراس النفط وجامعي المال لأسيادهم هناك فإنهم في حمايتهم، وها هي أمريكا على رأس إدارتها تخرج علينا كل حين لتشهد لعلي صالح شهادة زور، مرة بالديمقراطية ومرة بالتجاوب لمطالب الشعب ومرة بمكافحة الإرهاب، ومرة بنزاهة الانتخابات، وهي تعلم أنها تشهد زورا وبهتانا لعلي صالح وهو من هو في الهوان والصغر فكيف بالقطط السمينة، إنها تستخدم كل الوسائل لحماية تماثيلها وأصنامها في المنطقة فلا تخش عليهم يا حسني. إن على أمريكا أن تتعامل مع المصريين بخلاف تعاملها مع الإيرانيين بعد ثورتهم، ومع اليمنيين في دعمها لعلي صالح، حتى لا تحول كراهية الشعب المصري لحسني إلى كراهية لأمريكا، وأن تدعم مطالبهم في التغيير واختيار من يريدون وأن تقنع حسني وبقية الطاقم الحاكم بالتنحي لرغبة الشعب، وإلا فلن ينفع أي علاج ولا أي اعتذار، أتركوا هم يمارسون حياتهم كما يريدون، لا تعيقوهم عن التغيير نحو الأفضل من اجل أن يطمئن فلان ويرتاح علان، أتعذبون شعوبا بأكملها وتصادرون حياتها وحرياتها من أجل مصالح فلان ورغبات علان؟ إن هذا هو الظلم والعدوان. أحيي شعب تونس الثائر البطل، وأحيي شعب مصر الثائر البطل، وأنادي بأعلى صوتي كل شعبنا العربي إلى الخروج للتظاهر ضد حسني مبارك لمساندة الشعب المصري، لا تتركوا التظاهر حتى يخر الصنم لوجهه فإنه أشبه الأصنام "بهبل" إن أمريكا الآن تقول: أعل حسني، والمؤمنون في مصر يقولون أسقط حسني. فناصروهم واسقطوا كل الأصنام وليكن الحكم لله لا للطواغيت ولا للأصنام البشرية، حكام الذلة العار والتبعية. لا تخشونهم { فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين }.