ليس المقصود بالأدب العالمي أو الرواية الأدبية العالمية الأعمال الأدبية الجماهيرية واسعة الانتشار، الكبيرة عدد القراء، الذين يطلبون الأكثر سطحية وسهولة وإثارة، أو الروايات المتمشية مع الإعلام الدولي الغوغائي الذي يدعي أنه نجح في تصنيع (فبركة) إجماع عالمي حول الغايات والقيم الإنسانية ويزعم أنه وحَّد القوميات المتباينة حول نزعة عاطفية مشتركة تشمل حدوداً للوطنية، وتبين معايير الصداقة والعداء بينها، ومعايير العلاقة بين الطبقات وأسس العلاقة بين الرجال والنساء مثل روايات جيمس بوند لإيان فلمنغ والروايات البوليسية لأغاثا كريستي. ولكن الشائع بين المبدعين والنقاد أن الأدب العالمي هو التيار الإنساني المشترك بين آداب شعوب العالم، الذي يتوسط بينها من طريق التبادل والتفاعل لإثراء أرواح البشر، بتجاوزه ضيق الحدود القومية. . إن الأدب الروائي العالمي ليس بديلاً للآداب القومية أو الروايات القومية، ولا يقتصر على الأعمال الأدبية المكتوبة بلغات القوميات الأوروبية المهيمنة على العالم. فليس من الصواب تجاهل إسهام وتأثير آداب الشعوب غير الأوروبية، وهي آداب لقي بعضها الانتشار خارج حدود منطقتها اللغوية. كما أن هناك تيارات أدبية عالمية من قبيل الكلاسيكية والرومانسية والرمزية والواقعية عرفتها معظم الآداب القومية، إضافة إلى أن الرواية نفسها كجنس أدبي كان لها دائماً تأثير كبير في إغناء الحياة الوجدانية للإنسان في كل بقاع الأرض. فالرواية لها فاعلية لا تُنكر في تحرير الفرد الإنساني من ربقة التبعيات التي كانت تشوه شخصيته وتقهرها وفي تغيير وتطوير تجاربه المتنوعة المتناقضة. وقد اغتنت بأن دمجت داخلها أشكالاً من الحكي الشعبي والمواقف والحوارات الدرامية والغنائية الشعرية.
منذ بدايات الرواية في العالم لم يقتصر تصويرها، ولم تقتصر دلالاتها على مكان كتابتها أو على زمنه التاريخي. ومن الممكن استنتاج أنها لم تقتصر أيضاً على تصوير مواقف وشخصيات هي بمثابة متوسطات حسابية للعادي والمألوف في بلادها، بل أبدعت نماذج إنسانية متخيلة عامة تضم تحديدات بشرية في أوج تصاعدها وفي قمة إمكاناتها وتناقضاتها. كما أن الرواية العربية في عكوفها على إبداع نماذج إنسانية طرقت منذ البداية بثقة باب عالمية الرواية. والعالمية هنا لا تعني حيازة الجوائز الكبرى فحسب، أو مجاراة اللغط الإعلامي الدعائي الدولي، بل تعني المشترك النموذجي العام بين الخصوصيات القومية.
ولكن كلمة النموذج قد توحي بالقالب والصفات الجاهزة القياسية أو التكوين المثالي وإن يكن من المهم في السرد الروائي العالمي القدرة على خلق النماذج الإنسانية، فهي التي لا تحيا العصور المختلفة ولا تبقى في الذاكرة إيجاباً وسلباً إلا من طريقها مثل «دون كيخوته» و «روبنسون كروزو» و«فرتر» و «ديفيد كوبرفيل» و «هيثكليف» و «العم توم» و «مدام بوفاري» و «أنا كارينينا» وغيرها. والملمح المهم النموذجي، سواء في الشخصيات أو المواقف، أنها ليست مجرد محاكاة بل هي تركيب إبداعي متخيل. إن الروائي مبدع النماذج لا يحاكي في تصويره المستوى اليومي للحياة، لأن التناقضات الأساسية تفقد حدتها في الحياة اليومية، إذ تختلط وترتبط بالعوارش الثانوية وضئيلة القيمة، وتتطلب إعمال الخيال والفكر والذهاب بهذه السمات والتناقضات إلى أبعد مدى لها للكشف عن دلالة مضامينها. لذلك فإن قدرة الروائي «العالمي» تتمثل في إبداع شخصيات ومواقف نموذجية تتخطى حدود ملاحظة الواقع اليومي المألوف، فهي شخصيات ومواقف ربما من المستحيل وجودها بهذا القدر من التكثيف في الواقع اليومي المحلي، وقد يبدو ما هو نموذجي لذلك في الشخصية والموقف مخالفاً للواقع المألوف، إذ يستكشف أعمق ما في الشخصيات الإنسانية وأبعد مضامين الحياة والأفعال بكل ما فيها من تناقضات.
ويستطرد النقاد والدارسون موضحين أن الوصف شديد الأمانة لتفاصيل جزء من الواقع يرتطم بطريق مسدود لأنه يعجز عن فهم الواقع فهماً فنياً كوحدة حية شاملة (كلية). وقد يؤدي الإسهاب في الوصف الجزئي إلى مضاعفة التأثير العرضي المبتعد عن التأثير الجوهري برغم الأمانة الحرفية في نسخه. فالواقع الكلي ليس كومة فاقدة الحياة (ميتة) من تراكم كسر محطمة. إن دلالة الروايات العربية منذ روادها الأوائل أمثال نجيب محفوظ ومحمود تيمور في مصر والطيب صالح في السودان وعبدالرحمن منيف في السعودية وحنا مينا في الشام والطاهر وطار في الجزائر وإميل حبيبي في فلسطين، إلى آخر الرواد، لم تقتصر على مكان محدد في فترة تاريخية بعينها، بل تجسد نموذجاً روائياً إنسانياً متخيلاً يجمع تجديدات إنسانية كلية في أوج تصاعدها وفي قمة تحرك ما فيها من إمكانات وتناقضات، داخل تصوير يقوم بإثراء الروح الإنسانية.
بيد أن تعبير أدب عالمي لم يكن معروفاً قبل بدايات القرن التاسع عشر وينسبه مؤرخون إلى غوته عام 1827 ليعني السمات الأدبية التي تشترك فيها كثرة الآداب القومية من طريق التبادل والتفاعل لإغناء طاقات وقدرات الإنسان في كل مكان وزمان. أما في نهاية القرن العشرين فقد صار تعبير أدب عالمي وثيق الصلة بظواهر سوق أدبية على مستوى كوكب الأرض وبمجال أدبي عابر للقوميات.
وترجع بداية تكوين مجال أدبي شبه عالمي إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهو مجال كان مقصوراً على الآداب المكتوبة بلغات أوروبية متفرعة عن اللاتينية أو المتأثرة بها مثل الإنكليزية. وكان الاعتقاد الرائج هو خضوع الأدب «المتحضر» للعقل والمنطق وصولاً إلى أن الأدب في الأقطار المتحضرة كافة هو تيار واحد يضمها جميعاً، فالعالم الإنساني المتحضر كله يبدع أدباً متماثلاً ويتذوقه بحكم الطبيعة الإنسانية التي لم تشوهها بدائية أو بربرية أو انحطاط، ولكن بسبب مصاحبة نشأة تعبير الأدب العالمي لنمو الحركات القومية في أوروبا ظهرت دعوة طائشة تعلي من قدر القوميات الأوروبية المتفوقة وتعتبر أدبها مثالاً على العالم كله أن يحتذيه. وظهر في أعقاب ذلك ما سمي الأدب المقارن وهو يدرس ويحلل في بياناته العلاقات وأوجه الشبه والاختلاف بين آداب شعوب كثيرة، بخاصة الآداب الأوروبية، وهو تخصص حديث بدأ في مطلع القرن التاسع عشر وليس من المستغرب أنه عانى من نزعة مركزية أوروبية. وهي نزعة تضع علامة التساوي بين الأدب العالمي والآداب المكتوبة باللغات الأوروبية الرئيسية (وبعض آداب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية المكتوبة باللغات الأوروبية).
وتدعي نزعة المركزية الأوروبية أن أدب العالم الغربي يشكل وحدة متكاملة تجسد وحدة الخيال الإنساني الراقي طول التاريخ والخصائص السرمدية للأدب الرفيع. كما أن هذا الأدب الغربي هو معيار المقارنة ومثالها لكل الآداب القومية في العالم. وفي المنطقة العربية يعلو صوت يرفض هذه المركزية كما يرفض في الوقت نفسه الانغلاق القومي ويبني أسسه في الرواية على خصوصية متفتحة متفاعلة مع آداب العالم كله.
وصارت علامة العيش في العالم اليوم تخطي الحدود القومية والتزام أوامر ونواهي التيار الذي تتدفق خاضعة له رؤوس الأموال والأشخاص والمعلومات والأعمال الأدبية والفكرية. فتتشابك وتتداخل الثقافات المتنوعة وينشأ وعي يمكن تسميته بوعي عولمي بصوت مدوٍ في كل مكان داعياً إلى الجديد، ساحباً الأدب والفكر التقليديين، ناقلاً إياهما إلى مداره فارضاً على ما هو محلي أو نمطي التكيف مع العالمي الجديد أو يموت. فالعالم الذي عرف الإمبراطوريات الاستعمارية ثم الاستقلال السياسي للبلاد المستعمرَة عرف أيضاً انقسام العالم إلى مراكز حاكمة وأطراف تابعة. وتضم العولمة التماثل والاختلاف، التلاقي والابتعاد، القومية والعالمية. وفي تصوير الروايات العربية الممتازة للشخصية الإنسانية النموذجية فإنها لا تصورها إلا من طريق ما هو فردي خاص في القضايا الملحة لمجتمعها.
وترتكز الملامح الإنسانية على الملامح الإنسانية في أطواء المجتمع المحلي، فالمحلي هو نواة الإنساني العالمي وبذرته. وقد قام الروائيون العرب بتعريب «الموضات» الأدبية التي سادت العالم وتكييفها على خصوصية بلادهم.
وتتميز تلك البلاد العربية بأن بناءها الاقتصادي يضم أنماطاً متعددة على رأسها النمط الحديث العالمي المسيطر على العالم والمأزوم من دون أن ينفرد بالمجال الاقتصادي. ففي الأقطار الزراعية لا تزال توجد هياكل الملكية الفلاحية التقليدية وصغار المُلاك من الفلاحين وهياكل ملكية الفلاحين الأغنياء الذين يختلفون عن المُلاك الإقطاعيين. وفي الأقطار العربية كافة توجد هياكل التجار التقليديين إلى جانب هياكل «السوبرماركت» والشركات الحديثة العربية والأجنبية وأصحاب المقاولات. وفي البلاد التي مرَّت بالقطاع العام للاشتراكية البيروقراطية، مصر وسورية والجزائر، توجد بقاياه. وهذه الهياكل المتعددة بعيدة من التجانس، وكأن الأقطار العربية تقدم معاً نموذجاً مصغراً مضغوطاً لكل هياكل المسارات العالمية وكأنها متاحف لماضي هذه المسارات العالمية ولحاضرها. وتخلق هذه الهياكل المتعددة التي لا تعرف تبلوراً لنظام رأسمالي تباينات للشخصيات الإنسانية وملامحها النفسية وطموحاتها وإحباطاتها.
وهذا التباين برغم أنه عائق أمام التنمية، فإنه رصيد غني لتصوير العلاقات المتشابكة المتصارعة بين أحداث الماضي المحتضر الذي لم يمت والهياكل المعاصرة المعوقة عن السير الحثيث إلى المستقبل. فالواقع العربي شديد الثراء كأنه يلخص الواقع العالمي وتاريخه، وتستجيب له روايات تقدم لوحات للشخصية الإنسانية بكل غنى تنوعها وتناقضها.
ولا تقف الروايات العربية الحديثة المترجمة إلى لغات العالم عند روايات الرواد التي طرقت باب العالمية، بل توسعت وترشح للعالمية مبدعون جدد في البلاد العربية كافة. ففي كل البلاد العربية يتألق روائيون وروائيات معروفون على نطاق واسع يتناولون قضايا المصير الإنساني في عالم اليوم ويطورون أساليب السرد الروائي. ولم تعد الترجمات الأدبية للغات الأوروبية مقصورة على الأعمال التي تبرز الظواهر السوسيولوجية بل امتدت إلى أعمال تنفذ إلى أعماق الوضع البشري في تجلياته داخل العالم العربي اليوم بتناقضاته وإحباطاته وأشواقه.