حرم القرآن الدماء أعظم التحريم وأغلظه وتوعد قاتل المسلم ظلماً باللعنة والخلود في النار. ولهذا كانت السلفية المحدثة (الوهابية) غير قادرة على استحلال دماء المسلمين في صراعها السياسي من أجل السلطة إلا بتكفيرهم أو تفسيقهم..وقد كان.، كما لم تكن قادرة على استحلال الخروج على حكام المسلمين، (الدولة العثمانية) أو قتال الحكام المحليين المسلمين (كالأشراف حكام الحجاز، أو حكام اليمن ) إلا بتكفيرهم. وقد استمر ذلك حتى في التسعينات من القرن الماضي، فقال مفتي السعودية الراحل وكبير علمائها عبدالعزيز بن باز في فتواه حول القومية العربية: (إن من اتخذ أحكاماً وضعية تخالف القرآن فهو الفساد العظيم والكفر المستبين والردة السافرة) كما قال أيضاً (وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله فهي دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص الآيات المحكمات ويجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده وتحكم شريعته) أنظر مجموع فتاواه. وهو يقصد هنا الآيات الثلاث من المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون .. الآيات.) وبعد أن اكتوت البلاد بفتنة القاعدة ونيرانها اعتدلت الفتاوى وعدلت فهذا ابن عثيمين يقول: (إن كلمة (الكفر) ذُكرت في كثير من النصوص القرآنية والحديثية، ولا يمكن أن تُحمل – فيها جميعاً – على أنها تساوي الخروج من الملة ) ويضيف قائلاً: (وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام ( ابن تيمية) فهو تفريقه – رحمه الله – بين (الكفر) المعرّف ب (أل)، وبين (كُفر) منكراً. فأما الوصف؛ فيصلح أن نقول فيه: «هؤلاء كافرون»، أو: «هؤلاء الكافرون»؛ بناءً على ما اتصفوا به من الكفر الذي لا يخرج من الملة، ففرقٌ بين أن يوصفَ الفعلُ، وأن يُوصفَ الفاعلُ. وعليه؛ فإنه بتأويلنا لهذه الآية على ما ذكر: نحكم بأن الحكم بغير ما أنزل الله ليس بكفر مخرج عن الملة، لكنه كفر عملي، لأن الحاكم بذلك خَرَج عن الطريق الصحيح. ولا يُفرق في ذلك بين الرجل الذي يأخذ قانوناً وضعياً من قِبَل غيره ويحكّمه في دولته، وبين من ينشئ قانوناً، ويضعُ هذا القانونَ الوضعيّ؛ إذ المهم هو: هل هذا القانون يُخالفُ القانون السماوي أم لا ؟) انتهى. وذلك الاستخدام السياسي فعل شنيع ولعب دنيء بآيات الله وكلماته. إذن فالتكفير والتفسيق عند السلفيين ليس إلا لافتة يلصقونها على من يقف عقبة أمام طموحاتهم السياسية، تمهيداً لقتله والقضاء عليه حداً أو تعزيراً، وهذا ما يفسر هذا الإصرار على صفحات أفكار لإثبات مشروعية قتل المرتد.