البخيتي والحسام يتفقدان المرحلة الرابعة للمركز الاختباري بجامعة صنعاء    أشاد بتوجه رأس المال الوطني نحو استثمارات تدعم خطط توطين الصناعات..القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور عددًا من المصانع الإنتاجية    في كلمته حول مستجدات الأوضاع في المنطقة.. قائد الثورة: الجهاد في سبيل الله يحقق للأمة الحماية والردع    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    إيران.. شعب لا يهزم    وزارة الاقتصاد تؤكد عدم رفع أسعار المياه الصحية    خواطر ومحطات حول الوحدة اليمنية الحلقة (60)    " الجمهورية الإسلامية.. معادلة الرعب الجديدة".. للكاتبين العامري والحبيشي    فكان من المغرقين    المدارس الصيفية.. جبهة الوعي وبوابة صناعة المستقبل    الدورات الصيفية للطالبات بأمانة العاصمة تشهد إقبالا لافتاً في أسبوعها الأول    المتحف الحربي يفتح ابوابه مجاناً لطلاب المراكز الصيفية    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "40"    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    مرض السرطان ( 6 )    الحالمي: استهداف حضرموت امتداد لمحاولات طمس القضية الجنوبية والانقلاب على منجزاتها    منظمة هيومن رايتس فاونديشن تدين مجزرة المكلا وتطالب بتحقيق دولي    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    سياسية الإصلاح تحذر من تداعيات استمرار إخفاء قحطان على مسار السلام    الشاشات ليست مجرد ترفيه.. تأثيرات طويلة المدى على دماغ طفلك    مجلس الشورى ينعي عضو المجلس محمد علي التويتي    الرئيس المشاط يعزّي الشيخ عبدالله الثابتي في وفاة والدته    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    هاني مسهور: تجاهل اليمن دوليًا يفتح الباب للإفلات من العقاب.. ودعوة لتدويل قضية الجنوب    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    الجالية الجنوبية بأمريكا: دماء المكلا تفتح باب المساءلة.. وتحذير حاسم من خذلان اللحظة    لماذا بقيت مأساة المكلا خارج الاهتمام الدولي؟ قراءة قانونية تكشف قصور الأداء الانتقالي    الخنبشي: أمن حضرموت خط أحمر ولن نتهاون مع أي محاولات تستهدف أمن المواطنين    "جريمة مكتملة الأركان".. الانتقالي الجنوبي يعلق على قمع مظاهرات المكلا    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    فيسبوك تغلق صفحة الإعلامي الجنوبي غازي العلوي بعد 17 عامًا من النشاط ودون أي مبررات    اتحاد إب يواجه أزمة مالية خانقة تُعقّد مهمته لتمثيل المحافظة في الدوري اليمني    صنعاء: إعادة افتتاح متحف تعرض لقصف إسرائيلي    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    البرلماني حاشد يخاطب البرلمان الدولي: أتعرض لابتزاز سياسي ممنهج وحرمان متعمد من العلاج يرقى إلى تهديد مباشر للحق في الحياة    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    وفاة ثلاث شقيقات غرقاً أثناء محاولة إنقاذ في حجة    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    وزير الكهرباء ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تطوير التسهيلات الجمركية لقطاع الطاقة    عوامل تزيد خطر الوفاة بعد سن الخمسين    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    اليمنية تستأنف رحلات عدن – عمّان ابتداءً من 1 إبريل    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أربعون زيارة وألف حكاية ورواية الحلق18
اليمن وأهل اليمن
نشر في الجمهورية يوم 07 - 07 - 2008

البيت الصنعاني تحفة عمرانية موروثة عن حضارة “الوقيص”و“المفرج”يوفر الرؤيا البانورامية التي تحيط بالعاصمة وعماراتها الحضارية !
بغياب ضوء الشمس تحل«الساعة السليمانية» وبها تبلغ ذروة النشوة والابتهاج والراحة النفسية
الامام يحيى يدافع عن القات
لخطورة القات عند غير اليمنيين منذ وقت مبكر رأينا اثبات القصيدة التالية لقسطنطيني الذي رافق الرحالة اللبناني الفيلسوف العربي القومي أمين الريحاني في رحلته الى اليمن ولطرافتها وندرتها كان جواب الامام يحيى عليها في المقابل :
القات فيه عجاب
كما يقول الصحاب
دَرتْ به الشاة لما
إن طاردتها الذئاب
ذاقته فاستعذبته
وسال منها اللعاب
وراعي الضأن لما
عراه يوماً لغاب
فذاقه واطفاه
فزال عن اكتئاب
أمسى يجمع منه
حتى تملأ الجراب
مضى يحدث عنه
وفي الحديث رغاب
فصدقوه وذاقوه
مثله واستطابوا
ما نفعه انبئوني
هل عند شخص جواب
جربته واختباري
يجي به الاسهاب
تنتاب حس الفتى منه
قشعريرة والتهاب
ومنه يفعل مالا
يقوى عليه الشراب
والصدر فيه من الوخز
والعذاب حراب
والنسل يضعف منه
ما في كلامي ارتباب
لانفع بالقات لكن
فيه الشقاء والعذاب
وترهق النفس منه
والقلب والاعصاب
والجفن يذبل حتى
يغشى العيون سحاب
وسوء هضم وقبض
وبالدوار يصاب
ويعتري بعد هذا
المفاصل الاضطراب
لم يبقى ارخت ريبا
القت للقتل باب
ومن قصيدة الامام يحيى جوابا حيث لم نعثر على بقيتها ما يلي :-
فللعيون جلاء
للضعف منه ذهاب
وللثغور صباغ
زمردي يذاب
أحسن بثغر مليح
له المذاب رضاب
ياما احيلاه ظلما
تشقى به الاحباب
وللنفوس مريح
وللنشاط انجذاب
ويشحذ الفكر حتى
يخاف منه التهاب
ويطرد النوم عمن
له الجليس كتاب
أما الذي قاله قسطنطين
فهو سراب
اليس من جاو سراف
منه يبدو العجاب
هذا الملفق يا قسطنطين
من ا جواب
يهدى اليك عليه
من الحياة نقاب
لأنه ليس كفءاً
للدر وهو تراب
فاستر ملفق يحيى
فالستر فيه الثواب
لكن هناك ممن يطيب له تخزين القات ، لا يصدق ولا يريد ان يصدق ما يتردد عن أضراره ، كما لا يرى ثمة طعم للحياة ولا جدوى لها بدونه ، ثم ان تخزين القات مسئولية متعاطيه ، ولا دخل للدولة ولا المجتمع بالحريات الشخصية ، بل انني سمعت من الشيخ عبد الله الاحمر شيخ مشايخ قبيلة حاشد ورمز القبيلة المستنيرة في اليمن ، إضافة لكونه رئيس مجلس النواب ما يتفق مع هذا الرأي ، إذ يرى ان لكل شعب مزاج خاص يروح به عن همومه ومتاعبه ويمنحه الشعور بالسعادة والراحة ، ومن هنا راق القات مزاجا خاصا لليمنيين دون غيره من المسكرات او المغيبات ، ولعله يفسر لماذا يزرع اللبنانيون الحشيش بينما يدخنه غيرهم مثل المصريين .
حتى فقهاء الاسلام في اليمن يختلفون او يجتهدون حول مشروعية القات من عدمه، ومن المعروف ان الامام شرف الدين كان قد انتهى عام 950 هجرية بتحريم القات ، مما أثار عليه حفيظة الفقهاء والمتصوفون والشعراء الذين انبروا للدفاع عن القات ، وهو ما دفعه الى تحليل ما سبق وحرمه ، ومنذ ذلك الحين صار القات قضية دينية وسياسية واجتماعية محل خلاف ، وصدر بشأنه عشرات الكتب التي وضعها علماء اليمن ، وبينها “تحذير الثقات من استعمال القات” للعلامة ابن حجر الهيثمي ، و”البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر” للقاضي الشوكاني ، “ودحض الشبهات حول القات” للعلامة عبد الله العمودي ، وكتاب “ترويج الاوقات في المناظرة بين القهوة والقات” ، كما صدر مؤخرا كتاب “القات في الادب اليمني والفقه الاسلامي” !
ورغم ان الله سبحانه يقول في قرآنه الكريم “ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة” ، مما يؤكد ان الشريعة مع جلب المصالح ودرء المفاسد ، لكن على ما يبدو ان مافيا القات تمارس ارهابها حتى على رجال الدين ، والا لماذا لم يجمعوا على فتوى تحرم القات رغم الاتفاق على مضاره الجمه ؟
يقول القاضي محمد قاسم الشامي عضو المحكمة العليا “القول بالتحريم او مقاطعة القات راجع للدولة ، فهي التي تقدر المصلحة العامة من خلال الدراسة المستفيضة للمشكلة ، والصحيح الذي يجمع عليه جمهور العلماء حول ادلة التحريم الوارد بشأن كل مخدر او مفتر خاصة في ضوء ما تواتر عن مضار القات الصحية والاجتماعية والاقتصادية ، ولان البلوى عمت ، ولأنه إذا اردت ان تطاع فلا تأمر اذا بما لا يستطاع ، من هنا أحسب ان المطلوب والممكن ليس الوعظ والنصيحة فحسب ، وانما شحذ الهمم وبعث الارادة والادراك المعرفي بمخاطر القات ، وهو الدور الذي يجب ان تلعبه الاجهزة الثقافية والاعلامية والسياسية ، بحيث تتوافر القناعة الطوعية بالاقلاع عن القات .
ساعة القيلولة
في مجلة “ريدردايجست” الشهرية التي كانت تصدر منها طبعة عربية بعنوان “المختار” ابان الحرب العالمية الثانية ، قرات مقالاً للاثري المغامر وندل فليبس الذي اكتشف العديد من آثار الحضارة اليمنية في مأرب ، وروى كيف ساعده تخزين القات على التفاهم مع اليمنيين وفهمهم ، ويبدو انني سرت على خطاه ووصلت الى ما وصل اليه دون ان ادري ولا كان في حسباني إدراك سر عشق أهل اليمن للقات .
وقد تذهب الى اليمن للعمل او السياحة وتمتد اقامتك اياما واعواما طوافا فى ربوعه، لكنك لا تستطيع الحصول على تأشيرة الولوج الى الشخصية اليمنية ، وشهادة معترف بها على توغلك في دروب العقلية اليمنية والاحاطة بتضاريسها الانسانية والوجدانية ، ان لم يتأت لك خوض تجربة تخزين القات في الجانب الايسر من الفم وهي حركة لا ارادية يصعب استبدالها بالجانب الايمن دون ان تدري لذلك سببا ، وعليك ان تمضغ اوراق القات ببطء وعناية، ثم عليك بعدها ان تعتصره تباعا وتستحلب رحيقه رويدا رويدا حتى يسترخي بدنك ويصفو مزاجك وتستيقظ مشاعرك وتتحشد حواسك يقظة وتألقا ، وقد تكون محاورا جيداً ، وقد نتواصل وجدانيا مع الحبيب المجهول او المعلوم .. ولله في خلقه شئون !
ولأن مجالس القات تبدأ في ساعة القيلولة إثر الفراغ من طعام الغذاء ، من هنا وصف مجلس القات ب”المقيل” ، وللنساء ايضا مقيل يسمى في صنعاء “التفرطة” و”النشرة” في الحديدة و”القيلة” في تعز وعدن ، لكن يظل المقيل الصنعاني بطقوسه الحضارية الاكثر شهرة وامتاعا ، ولم لا وصنعاء مدينة التاريخ والحضارة وأقدم مدينة في العالم ، واسم صنعاء يعني الصناعة والحرفة .. يقول “معجم البلدان” ان صنعاء كناية عن جودة الصنعة في ذاتها .
البيت الصنعاني القديم او الحديث على النسق القديم تحفة عمرانية موروثة عن حضارة “الوقيص” ، والوقيص تعني الاحجار الصلبة المنحوتة في اشكال هندسية متراصة والوان شتى ، كذلك طرز العقود القوسية في النوافذ والابواب ، والعناية الفائقة بمنمنمات الجص الجميلة وزخارف الزجاج المعشق الفلكلورية ، الى ذلك الاهتمام الفائق بتوافر اقصى درجات الامان والحماية في الداخل ، كما لو انها حصون منيعة وكفى اهل البيت شرور الخارج ..سلالم البيوت متعرجة واسقفها واطئة ، ولا مفر اذن من صعود الدرج وقامة الانسان منحنية ، حتى يتمكن أهل البيت في أوقات الخطر ونذر العدوان من اصطياد اللصوص وردع الخصوم ، اضافة الى فتحات صغيرة مستطيلة في الجدران وأسطح البيوت تسمى “مزاغل” تتيح مراقبة ما يجري في الخارج عن كثب ، وتثبيت فوهات البنادق من خلالها الى كل الاتجاهات واطلاق الرصاص فورا صوب مصادر العدوان .
وتسأل لماذا كل هذ التوجس من الخارج ولماذا كل هذا التمرتس في الداخل ، الى حد انعكاساته التلقائية على زي المرأة اليمنية التي تعظيها “الستارة” “الشرشف” ، فلا يبين منها سوى عينيها بالكاد ، وكذا حرص الرجل على ان يتمنطق بالجنبية أي الخنجر اليمني المعقوف، وربما كان في حوزته كذلك بندقية او مدفع رشاش وربما أكثر ، وتعرف ان اليمن عامة وصنعاء بخاصة ابتليت بالخلافة العثمانية او الاستعمار التركي ، فلم يرع دينا ولا ضميرا وعاث فسادا او افسادا ونهبا وعدوانا باسم الدين .
بل ان صنعاء ابتليت مرارا باجتياح القبائل كلما شح طعامها وضربتها المجاعة ، بل ان سلطة الدولة ممثلة في الامام احمد بن حميد الدين ، اباح للقبائل اجتياح صنعاء عام 1948 إثر اندلاع ثورة الاحرار واغتيال والده الامام يحيى، فلم تكتف بنهب محتويات البيوت من الاثاث والطعام والحلي فحسب ، بل خلعت الابواب والشبابيك وحتى البلاط وحملتها معها غنيمة وفقا لتقاليد حرب “الخطاط” التي ظلت مستعرة قرونا بين القبائل .
وهكذا عندما عاد ابنه الامام البدر عام 1967 على رأس جيش عرمرم من القبائل الموالية له والمرتزقة الاجانب تحت قيادة الضابط الامريكي المغامر “كومر” صمدت صنعاء وبيوتها الحصينة تعصف المدافع والصواريخ وفشل الحصار الذي طوق العاصمة اليمنية سبعين يوما.
والحقيقة انني كثيرا ما سألت نفسي عن العلاقة بين الشخصية اليمنية والعمارة اليمنية، وأيهما أثر وتأثر بالاخر بحكم ان الانسان وليد البيئة ، ثم الى أي مدى العلاقة – في المقابل- بين العمارة الحصينة والقات ، ومن هنا يقودنا السؤال الحائر عن سر عشق اليمنيين للقات ؟
ولا أكاد ابالغ في ان القات الشغل الشاغل لمتعاطيه منذ الصباح ، سواء عبر الحديث عما جرى في المجالس بالامس ، او التواعد بين الاصدقاء على اللقاء في مجالس اليوم ، ايذانا بخوض مباهجه والاستمتاع بملذات التخزين مجدداً وهلم جره !
قاع اليهود
يصل القات طازجا الى صنعاء في العاشرة صباحا الى حيث بيعه وشرائه في اسواق”قاع اليهود” و”الملح” وباب سباح ، والطريف ان يتسلل الموظفون من اعمالهم لشراء القات الجيد قبل نفاذه ، بينما يتركون على مكاتبهم ما يدل على دوامهم في العمل مثل شال العمامة او علبة السجاير او المسبحة .
نبات القات انواع واشكال ، بينه الفاخر ذو اللون الاصفر قبل اخضراره ، والغير المرشوش منه بالمبيدات الحشرية هو الذي يقبل الاثرياء وعليه القوم على شرائه مهما غلا ثمنه ، ومنه الطويل والقصير العود ويتراوح في شكله وملمسه بين أوراق الملوخية والجرجير وشجرة “الفيكس” التي تنمو على أسوار الفيلات والقصور في مصر ، ومن اسماء وانواع القات الضلاعي والمطري والصبري والهمداني والحرازي والشامي والمغربي والبخاري والوادي والعصري .
نحن الان في احد البيوتات الصنعائية العريقة ، والمقيل أجمل وأهم اركانه وقد فرش بالسجاد او البسط الملونة ، وتناثرت الحاشيات الوثيرة حول اضلاعه المستطيلة بارتفاع 30سنتيمتراً ، وقد غطيت كذلك بالسجاد الناعم وفي جنباتهم “مساند” للظهر وكذا “المتاكي” لراحة الزراعين ، وعادة ما يتسع المقيل لعشرة أشخاص في المتوسط ، وربما المئات كما هو حال المقيل في قصور مشايخ القبائل ، ودائما ما يتوسط المقيل مداعة أي “نرجيله” وربما عدة مداعات من النحاس المشغول تمتد منها مباسم “الليات” الى شفاه المخزنين ان شاؤوا تدخين التمباك المشتعل ، فيما يحرص صاحب المقيل على ان يوفر عبوات الماء المعدنية وزجاجات المشروبات الغازية !
يحتل المقيل في الغالب أجمل وأعلى مكان في البيت الصنعائي وعندئذ يسمى “المفرج”،كونه يوفر الرؤيا البانورامية التي تحيط بالعاصمة وعماراتها الحضارية !
لكل مقيل هوية اجتماعية او ثقافية او سياسية ، كما وان للأحزاب والنقابات والجمعيات مقايل خاصة ، وإلى وقت قريب كان لكل وزارة ومؤسسة حكومية مقيل خاص ، حتى صدر قرار رئيس الجمهورية بتحريم تعاطي القات على الموظفين والشرطة والجيش خلال فترات الدوام سواء في دواوين الحكومة أو المعسكرات ، وقد شهدت صنعاء أوائل السبعينيات ظاهرة المقايل السرية التي كانت تضم عناصر الحركات الوطنية واليسارية ، إبان كان المقدم محمد خميس مديراً للأمن العام ، لكن مع بزوغ فجر الوحدة اليمنية والديمقراطية والتعددية السياسية ، تلاشت هذه الظاهرة تدريجياً !
يدخل الضيوف إلى المقيل وكل منهم يتأبط حزم القات ملفوفة بالبلاستيك وكانت تلف في الماضي بأوراق الموز حتى تظل طازجاً ، يسلم الضيوف على من سبقوه في الحضور باليد أو بإيمائه من رأسه ، وأحياناً يأخذ مكانه في المقيل بهدوء حتى لا يقطع على الضيوف حديثهم ، وعندئذ ينبري أحدهم قائلاً “ حيا الله من جاء “ .
يبدأ الضيف في تنقية أوراق القات من الشوائب وينتخب الصالح منها للمضغ تباعاً ، حتى ينتفخ خده الأيسر ، بعدها تبدأ عملية المضغ والاستحلاب ، وخلالها يتبادل الحاضرون أعواد القات من باب تنويع المذاق وجلباً للمودة ، ويستمر الحال هكذا في أحاديث جانبية أو ثنائية إلى حين وصول الجميع ذروة النشوة والحيوية ، وعندئذ يدق صاحب المقيل أو كبير المخزنين ويعلن إختيار موضوع الساعة الأنسب للحوار حوله ، وأشهد أن الجميع ينالون دوماً حظوظهم من الحوار الديمقرطي الخلاق بالعدل والفسطائي مهما تدنى الوضع الطبقي أو الوظيفي .
الرازم
من اشهر المقايل الثقافية حتى سنوات قريبة في صنعاء ، تلك التي كان يتصورها أمير شعراء اليمن عبد الله البردوني ، ورغم انه كان ضريرا يرحمه الله ، الا انه كان موسوعى الثقافة ، محيطا بامهات الكتب قديمها وحديثها ، وهو كان راوية وفنانا وناقدا وساخرا ، وكم اسمع اصدقاءه وحوارييه العجب العجاب من نوادر وحكاوي العصر العباسي وربما ذكرياته عن اعاجيب وخرافات ائمة بيت حميد الدين الذين حكموا اليمن زهاء 150 عاما .
على ان آخر عهدي بأرقى مقايل صنعاء الآن ، ذلك الذي يتزعمه الدكتور عبد العزيز المقالح وهو كان مديرا لجامعة صنعاء والان مديرا لمركز الدراسات اليمنية ، وهو الشاعر العظيم وشخصية لامعة وانسان ودود ، وهذا المقيل بمثابة مدرسة ادبية وندوة سياسية يومية ، واعتقد انه لا غنى عنه لمن يتردد على اليمن لفهم اوضاعه وشواغله على كل صعيد،والتعرف على نجومه الواعدة في الشعر والقصة والغناء والموسيقى ..
واحيانا ما يستضيف المقيل اليمني مطرباً او منشدا او عازفا ، وقد تعجب حين ينهض رجلان ويندمجا برشاقة الى حلقة للرقص ، وهو كذلك عنصر أساسي في مباهج مقايل الجنس اللطيف ، الى جانب الدور الذي تلعبه في اختيار الامهات زوجات لابنائهن من بين المخزنات، واستعراض آخر موضوعات الازياء والروائح العطرة الشعبية والبارفانات الفرنسية وانواع الحلي الفضية والذهبية والماسية ، بل ان الفرصة سانحة ايضا للبيع والشراء في هذه الكماليات!
لكن تظل الشائعات ابدع ما يتردد في المقايل الصنعائية ، وعبرها يمارس اليمنيون ذكاءهم الحاد وسخرياتهم من مساخر الحياة ، وهي عادة قديمة تحدث عنها المؤرخ الكبير ابو الحسن الهمداني في مؤلفاته التي يرجع تاريخها قبيل الف عام حين قال : “ما رأيت كأهل صنعاء يرجفون على أنفسهم” !
ولأن لتخزين القات اوقاتاً ، لذلك ينتهي المشهد الافتتاحي للمقيل الصنعائي حين يبلغ المتعاطون ذروة المضغ والاستحلاب ، ليبدأ المشهد الثاني بغياب ضوء الشمس وهو ينعكس الى داخل المقيل ويضفي لمساته الشاعرية على المقيل وعلى المقيلين عبر زجاج النوافذ التي تجمع بين الوان الطيف ، ايذانا بحلول “الساعة السليمانية” التي يبلغ فيها اليمنيون ، ذروة النشوة والابتهاج والراحة النفسية ، وهي اسطورة موروثة تدعي ان سيدنا سليمان كان يتعاطي القات ، وبعدها تضاء المصابيح وينقض السامر ، ليبدأ المخزن في افراغ فمه من بقايا القات ، وفسخ العلاقة مع تأثيره المنبه قبل ان يحل به الكسل والفتور عبر احتساء مشروب مركز من الشاي او قشر البن او الكحوليات !
هكذا يعود متعاطي القات الى منزله كسولاً بعد زهاء خمس ساعات استهلكها في شرائه وتخزينه ، وبدلا من مداعبة زوجته ومتابعة أحوال أولاده وتحصيلهم الدراسي ، إذا به يتجه مباشرة للنوم والتفكير في دورة القات العبثية في الغد !
والشاهد ان المشكلة على حد اجماع العلماء والاطباء والمثقفين في اليمن ممن لا يتعاطون القات ، تحتاج الى علاج غير تقليدي وحلول خلاقه ومبتكرة ، خاصة بعدما تأكد فشل القانون والقدوة الحسنة والتهديد بقلع الاشجار او تسريب دودة القطن الى مزارع القات ، البعض يقترح تغيير مواعيد العمل الرسمي في مؤسسات الدولة بحيث تستوعب اوقات تخزين القات ، وهناك من يرى الحل في خلق بدائل للترفيه عبر زيادة الاندية الرياضية والمسارح ودور السينما والمنتزهات والمكتبات ، أو عدم ترقية الموظفين المتعاطين للقات .. وفي كل الاحوال يظل اهل اليمن ولا شك ادرى بشعابه وأقدر على الوصول بالمشكلة الى مرافئ العقلانية والامان ، ونحسب ان تبديد الاوهام والاكاذيب السعيدة التي تروج للقات وفوائده وجدواه انما البداية السليمة ، ولعل في مقدمتها ما يشاع عن اصابه كل من يمتنع عن تعاطي القات بمرض نفسي وهمي ما انزل الله به من سلطان ويدعى “الرازم” ، الى حد الاعتقاد ان وضع “الجنبية” او الحذاء تحت الرأس اثناء النوم ، يفضي الى طرد كوابيس الاحلام المزعجة والشفاء من مرض الرازم الى حين عودة المريض مجددا الى تخزين القات!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.