تعز.. معلمون يشكون من استمرار الاستقطاعات من مرتباتهم رغم إحالتهم إلى التقاعد دون صرف مستحقاتهم    مجلس المستشارين يدعو ابناء الجنوب للاحتشاد في "مليونية الثبات والصمود والتحدي" الاثنين القادم في الضالع    الارصاد: طقس بارد إلى شديد البرودة على خمس محافظات وبارد إجمالاً على سبع أخرى    وفاة طفل واصابة 29 أخرين بحريق في مأرب    اليمنية تحدد موعد انتظام جدولها التشغيلي إلى المحافظات الشرقية    تدشين توزيع شهادات الإعفاء الضريبي لصغار المكلفين المرحلة الثالثة في محافظة البيضاء    أزمة سيولة تضرب عدن المحتلة    الامارات تنتقم من سقطرى    اللجنة الدولية للصليب الأحمر: اليمن يعاني من واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية في العالم    ريال مدريد يقسو على ريال سوسيداد بالدوري الإسباني    بدوي شبوة.. اتهام بالانحياز يلاحق لجنة تحقيق أحداث عتق ومخاوف من تفريق مسؤولية دماء الشهداء واتساع دائرة العنف    أبين عصية على من أراد شيطنتها لتغرد خارج السرب    9 شهداء بغارات لجيش الاحتلال على غزة    كسوف شمسي حلقي نادر في يوم تحري هلال رمضان    المرزقي... بيان اللجنة الأمنية الذي يقتلنا منذ 2007م    استشهاد وإصابة 13 مواطنا بنيران حرس الحدود السعودي في صعدة    كيف يساعدك الصيام على التخلص من إدمان السكريات؟    قمة الكالتشيو تنتهي بسقوط يوفنتوس امام إنتر ميلان بثلاثية    دوري روشن السعودي: النصر بقيادة رونالدو يتخطى الفتح    النعمان يكشف عدد اليمنيين المتضررين من القرار الامريكي برفع الحماية المؤقتة ويحث على اللجوء الى المسار القانوني    دعوة لم يُفهم معناها بعد .. ما وراء موقف الفريق سلطان السامعي    كاس الاتحاد الانكليزي: ليفربول الى الدور ال 16 بتخطيه برايتون    على أبواب رمضان: العالم يحتفل والجنوب ينتظر فرجاً لا يأتي    السامعي يعزي رئيس المجلس السياسي الاعلى بوفاة والدته    بعد تسع سنوات من الشكوى.. المجلس الطبي يصدر قراره ضد الطبيب سعيد جيرع في قضية الطفلة صفية باهرمز    تخرج دفعة جديدة من مدارس العلوم الشرعية وجيل القران بالحديدة    مدير هيئة المواصفات يعزي الرئيس المشاط في وفاة والدته    إطلاق حملة تكريم ودعم أسر شهداء عملية المستقبل الواعد    سقوط الذكاء الاصطناعي أمام مليونيات الجنوب.. حين يسقط الخطاب إلى القاع    أطباء يحذرون: التعب المزمن قد يكون إنذاراً مبكراً لمشكلات القلب    تغاريد حرة.. أخترت الطريق الأصعب    دية الكلام    من زنزانة "الجوع" في صنعاء إلى منفى "الاختناق" في نيويورك    الأرصاد تنبه من كتلة هوائية باردة تسبب انخفاضًا ملحوظًا في درجات الحرارة    عدن.. جمعيات الصرافين تعمم الضوابط الجديدة لشراء وبيع العملات الأجنبية    مصادر تكشف عن أرباح محمد صلاح من عقود الرعاية    سيمفونية الخداع: كيف يُعيد الطغيان تدوير جرائمه؟    دورة تنشيطية لمدربي كمال الأجسام    تكريم أفضل مستشفى تخصصي في مكافحة العدوى    السيد القائد: شعبنا من أكثر الشعوب اهتماما واحياء لرمضان    طائرتان ركاب ثمناً لعودة حكومة العليمي... وأنصار الله يرسّخون معادلة القوة    عدن.. مكتب التربية يعلن إجازة ويحدد موعد استئناف الدراسة وبرنامج التعويض    كاك بنك ينفّذ زيارة ميدانية إلى لحج لتعزيز الشراكات الزراعية ودعم التنمية المستدامة    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    قضية الجنوب وقتل المتظاهرين في شبوة تصل إلى الإعلام الدولي وتفتح باب المساءلة    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    هيئة الآثار: لا وجود لكهف أو كنوز في الدقراري بعمران    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    الحديدة.. الإعلان عن مبادرة رئاسية بخصوص الكهرباء    هيئة الزكاة تدشن مشاريع التمكين الاقتصادي ل667 أسرة بمحافظة إب    لا...؛ للقتل    دراسة صينية: الدماغ والعظام في شبكة واحدة من التفاعلات    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أربعون زيارة وألف حكاية ورواية الحلق18
اليمن وأهل اليمن
نشر في الجمهورية يوم 07 - 07 - 2008

البيت الصنعاني تحفة عمرانية موروثة عن حضارة “الوقيص”و“المفرج”يوفر الرؤيا البانورامية التي تحيط بالعاصمة وعماراتها الحضارية !
بغياب ضوء الشمس تحل«الساعة السليمانية» وبها تبلغ ذروة النشوة والابتهاج والراحة النفسية
الامام يحيى يدافع عن القات
لخطورة القات عند غير اليمنيين منذ وقت مبكر رأينا اثبات القصيدة التالية لقسطنطيني الذي رافق الرحالة اللبناني الفيلسوف العربي القومي أمين الريحاني في رحلته الى اليمن ولطرافتها وندرتها كان جواب الامام يحيى عليها في المقابل :
القات فيه عجاب
كما يقول الصحاب
دَرتْ به الشاة لما
إن طاردتها الذئاب
ذاقته فاستعذبته
وسال منها اللعاب
وراعي الضأن لما
عراه يوماً لغاب
فذاقه واطفاه
فزال عن اكتئاب
أمسى يجمع منه
حتى تملأ الجراب
مضى يحدث عنه
وفي الحديث رغاب
فصدقوه وذاقوه
مثله واستطابوا
ما نفعه انبئوني
هل عند شخص جواب
جربته واختباري
يجي به الاسهاب
تنتاب حس الفتى منه
قشعريرة والتهاب
ومنه يفعل مالا
يقوى عليه الشراب
والصدر فيه من الوخز
والعذاب حراب
والنسل يضعف منه
ما في كلامي ارتباب
لانفع بالقات لكن
فيه الشقاء والعذاب
وترهق النفس منه
والقلب والاعصاب
والجفن يذبل حتى
يغشى العيون سحاب
وسوء هضم وقبض
وبالدوار يصاب
ويعتري بعد هذا
المفاصل الاضطراب
لم يبقى ارخت ريبا
القت للقتل باب
ومن قصيدة الامام يحيى جوابا حيث لم نعثر على بقيتها ما يلي :-
فللعيون جلاء
للضعف منه ذهاب
وللثغور صباغ
زمردي يذاب
أحسن بثغر مليح
له المذاب رضاب
ياما احيلاه ظلما
تشقى به الاحباب
وللنفوس مريح
وللنشاط انجذاب
ويشحذ الفكر حتى
يخاف منه التهاب
ويطرد النوم عمن
له الجليس كتاب
أما الذي قاله قسطنطين
فهو سراب
اليس من جاو سراف
منه يبدو العجاب
هذا الملفق يا قسطنطين
من ا جواب
يهدى اليك عليه
من الحياة نقاب
لأنه ليس كفءاً
للدر وهو تراب
فاستر ملفق يحيى
فالستر فيه الثواب
لكن هناك ممن يطيب له تخزين القات ، لا يصدق ولا يريد ان يصدق ما يتردد عن أضراره ، كما لا يرى ثمة طعم للحياة ولا جدوى لها بدونه ، ثم ان تخزين القات مسئولية متعاطيه ، ولا دخل للدولة ولا المجتمع بالحريات الشخصية ، بل انني سمعت من الشيخ عبد الله الاحمر شيخ مشايخ قبيلة حاشد ورمز القبيلة المستنيرة في اليمن ، إضافة لكونه رئيس مجلس النواب ما يتفق مع هذا الرأي ، إذ يرى ان لكل شعب مزاج خاص يروح به عن همومه ومتاعبه ويمنحه الشعور بالسعادة والراحة ، ومن هنا راق القات مزاجا خاصا لليمنيين دون غيره من المسكرات او المغيبات ، ولعله يفسر لماذا يزرع اللبنانيون الحشيش بينما يدخنه غيرهم مثل المصريين .
حتى فقهاء الاسلام في اليمن يختلفون او يجتهدون حول مشروعية القات من عدمه، ومن المعروف ان الامام شرف الدين كان قد انتهى عام 950 هجرية بتحريم القات ، مما أثار عليه حفيظة الفقهاء والمتصوفون والشعراء الذين انبروا للدفاع عن القات ، وهو ما دفعه الى تحليل ما سبق وحرمه ، ومنذ ذلك الحين صار القات قضية دينية وسياسية واجتماعية محل خلاف ، وصدر بشأنه عشرات الكتب التي وضعها علماء اليمن ، وبينها “تحذير الثقات من استعمال القات” للعلامة ابن حجر الهيثمي ، و”البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر” للقاضي الشوكاني ، “ودحض الشبهات حول القات” للعلامة عبد الله العمودي ، وكتاب “ترويج الاوقات في المناظرة بين القهوة والقات” ، كما صدر مؤخرا كتاب “القات في الادب اليمني والفقه الاسلامي” !
ورغم ان الله سبحانه يقول في قرآنه الكريم “ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة” ، مما يؤكد ان الشريعة مع جلب المصالح ودرء المفاسد ، لكن على ما يبدو ان مافيا القات تمارس ارهابها حتى على رجال الدين ، والا لماذا لم يجمعوا على فتوى تحرم القات رغم الاتفاق على مضاره الجمه ؟
يقول القاضي محمد قاسم الشامي عضو المحكمة العليا “القول بالتحريم او مقاطعة القات راجع للدولة ، فهي التي تقدر المصلحة العامة من خلال الدراسة المستفيضة للمشكلة ، والصحيح الذي يجمع عليه جمهور العلماء حول ادلة التحريم الوارد بشأن كل مخدر او مفتر خاصة في ضوء ما تواتر عن مضار القات الصحية والاجتماعية والاقتصادية ، ولان البلوى عمت ، ولأنه إذا اردت ان تطاع فلا تأمر اذا بما لا يستطاع ، من هنا أحسب ان المطلوب والممكن ليس الوعظ والنصيحة فحسب ، وانما شحذ الهمم وبعث الارادة والادراك المعرفي بمخاطر القات ، وهو الدور الذي يجب ان تلعبه الاجهزة الثقافية والاعلامية والسياسية ، بحيث تتوافر القناعة الطوعية بالاقلاع عن القات .
ساعة القيلولة
في مجلة “ريدردايجست” الشهرية التي كانت تصدر منها طبعة عربية بعنوان “المختار” ابان الحرب العالمية الثانية ، قرات مقالاً للاثري المغامر وندل فليبس الذي اكتشف العديد من آثار الحضارة اليمنية في مأرب ، وروى كيف ساعده تخزين القات على التفاهم مع اليمنيين وفهمهم ، ويبدو انني سرت على خطاه ووصلت الى ما وصل اليه دون ان ادري ولا كان في حسباني إدراك سر عشق أهل اليمن للقات .
وقد تذهب الى اليمن للعمل او السياحة وتمتد اقامتك اياما واعواما طوافا فى ربوعه، لكنك لا تستطيع الحصول على تأشيرة الولوج الى الشخصية اليمنية ، وشهادة معترف بها على توغلك في دروب العقلية اليمنية والاحاطة بتضاريسها الانسانية والوجدانية ، ان لم يتأت لك خوض تجربة تخزين القات في الجانب الايسر من الفم وهي حركة لا ارادية يصعب استبدالها بالجانب الايمن دون ان تدري لذلك سببا ، وعليك ان تمضغ اوراق القات ببطء وعناية، ثم عليك بعدها ان تعتصره تباعا وتستحلب رحيقه رويدا رويدا حتى يسترخي بدنك ويصفو مزاجك وتستيقظ مشاعرك وتتحشد حواسك يقظة وتألقا ، وقد تكون محاورا جيداً ، وقد نتواصل وجدانيا مع الحبيب المجهول او المعلوم .. ولله في خلقه شئون !
ولأن مجالس القات تبدأ في ساعة القيلولة إثر الفراغ من طعام الغذاء ، من هنا وصف مجلس القات ب”المقيل” ، وللنساء ايضا مقيل يسمى في صنعاء “التفرطة” و”النشرة” في الحديدة و”القيلة” في تعز وعدن ، لكن يظل المقيل الصنعاني بطقوسه الحضارية الاكثر شهرة وامتاعا ، ولم لا وصنعاء مدينة التاريخ والحضارة وأقدم مدينة في العالم ، واسم صنعاء يعني الصناعة والحرفة .. يقول “معجم البلدان” ان صنعاء كناية عن جودة الصنعة في ذاتها .
البيت الصنعاني القديم او الحديث على النسق القديم تحفة عمرانية موروثة عن حضارة “الوقيص” ، والوقيص تعني الاحجار الصلبة المنحوتة في اشكال هندسية متراصة والوان شتى ، كذلك طرز العقود القوسية في النوافذ والابواب ، والعناية الفائقة بمنمنمات الجص الجميلة وزخارف الزجاج المعشق الفلكلورية ، الى ذلك الاهتمام الفائق بتوافر اقصى درجات الامان والحماية في الداخل ، كما لو انها حصون منيعة وكفى اهل البيت شرور الخارج ..سلالم البيوت متعرجة واسقفها واطئة ، ولا مفر اذن من صعود الدرج وقامة الانسان منحنية ، حتى يتمكن أهل البيت في أوقات الخطر ونذر العدوان من اصطياد اللصوص وردع الخصوم ، اضافة الى فتحات صغيرة مستطيلة في الجدران وأسطح البيوت تسمى “مزاغل” تتيح مراقبة ما يجري في الخارج عن كثب ، وتثبيت فوهات البنادق من خلالها الى كل الاتجاهات واطلاق الرصاص فورا صوب مصادر العدوان .
وتسأل لماذا كل هذ التوجس من الخارج ولماذا كل هذا التمرتس في الداخل ، الى حد انعكاساته التلقائية على زي المرأة اليمنية التي تعظيها “الستارة” “الشرشف” ، فلا يبين منها سوى عينيها بالكاد ، وكذا حرص الرجل على ان يتمنطق بالجنبية أي الخنجر اليمني المعقوف، وربما كان في حوزته كذلك بندقية او مدفع رشاش وربما أكثر ، وتعرف ان اليمن عامة وصنعاء بخاصة ابتليت بالخلافة العثمانية او الاستعمار التركي ، فلم يرع دينا ولا ضميرا وعاث فسادا او افسادا ونهبا وعدوانا باسم الدين .
بل ان صنعاء ابتليت مرارا باجتياح القبائل كلما شح طعامها وضربتها المجاعة ، بل ان سلطة الدولة ممثلة في الامام احمد بن حميد الدين ، اباح للقبائل اجتياح صنعاء عام 1948 إثر اندلاع ثورة الاحرار واغتيال والده الامام يحيى، فلم تكتف بنهب محتويات البيوت من الاثاث والطعام والحلي فحسب ، بل خلعت الابواب والشبابيك وحتى البلاط وحملتها معها غنيمة وفقا لتقاليد حرب “الخطاط” التي ظلت مستعرة قرونا بين القبائل .
وهكذا عندما عاد ابنه الامام البدر عام 1967 على رأس جيش عرمرم من القبائل الموالية له والمرتزقة الاجانب تحت قيادة الضابط الامريكي المغامر “كومر” صمدت صنعاء وبيوتها الحصينة تعصف المدافع والصواريخ وفشل الحصار الذي طوق العاصمة اليمنية سبعين يوما.
والحقيقة انني كثيرا ما سألت نفسي عن العلاقة بين الشخصية اليمنية والعمارة اليمنية، وأيهما أثر وتأثر بالاخر بحكم ان الانسان وليد البيئة ، ثم الى أي مدى العلاقة – في المقابل- بين العمارة الحصينة والقات ، ومن هنا يقودنا السؤال الحائر عن سر عشق اليمنيين للقات ؟
ولا أكاد ابالغ في ان القات الشغل الشاغل لمتعاطيه منذ الصباح ، سواء عبر الحديث عما جرى في المجالس بالامس ، او التواعد بين الاصدقاء على اللقاء في مجالس اليوم ، ايذانا بخوض مباهجه والاستمتاع بملذات التخزين مجدداً وهلم جره !
قاع اليهود
يصل القات طازجا الى صنعاء في العاشرة صباحا الى حيث بيعه وشرائه في اسواق”قاع اليهود” و”الملح” وباب سباح ، والطريف ان يتسلل الموظفون من اعمالهم لشراء القات الجيد قبل نفاذه ، بينما يتركون على مكاتبهم ما يدل على دوامهم في العمل مثل شال العمامة او علبة السجاير او المسبحة .
نبات القات انواع واشكال ، بينه الفاخر ذو اللون الاصفر قبل اخضراره ، والغير المرشوش منه بالمبيدات الحشرية هو الذي يقبل الاثرياء وعليه القوم على شرائه مهما غلا ثمنه ، ومنه الطويل والقصير العود ويتراوح في شكله وملمسه بين أوراق الملوخية والجرجير وشجرة “الفيكس” التي تنمو على أسوار الفيلات والقصور في مصر ، ومن اسماء وانواع القات الضلاعي والمطري والصبري والهمداني والحرازي والشامي والمغربي والبخاري والوادي والعصري .
نحن الان في احد البيوتات الصنعائية العريقة ، والمقيل أجمل وأهم اركانه وقد فرش بالسجاد او البسط الملونة ، وتناثرت الحاشيات الوثيرة حول اضلاعه المستطيلة بارتفاع 30سنتيمتراً ، وقد غطيت كذلك بالسجاد الناعم وفي جنباتهم “مساند” للظهر وكذا “المتاكي” لراحة الزراعين ، وعادة ما يتسع المقيل لعشرة أشخاص في المتوسط ، وربما المئات كما هو حال المقيل في قصور مشايخ القبائل ، ودائما ما يتوسط المقيل مداعة أي “نرجيله” وربما عدة مداعات من النحاس المشغول تمتد منها مباسم “الليات” الى شفاه المخزنين ان شاؤوا تدخين التمباك المشتعل ، فيما يحرص صاحب المقيل على ان يوفر عبوات الماء المعدنية وزجاجات المشروبات الغازية !
يحتل المقيل في الغالب أجمل وأعلى مكان في البيت الصنعائي وعندئذ يسمى “المفرج”،كونه يوفر الرؤيا البانورامية التي تحيط بالعاصمة وعماراتها الحضارية !
لكل مقيل هوية اجتماعية او ثقافية او سياسية ، كما وان للأحزاب والنقابات والجمعيات مقايل خاصة ، وإلى وقت قريب كان لكل وزارة ومؤسسة حكومية مقيل خاص ، حتى صدر قرار رئيس الجمهورية بتحريم تعاطي القات على الموظفين والشرطة والجيش خلال فترات الدوام سواء في دواوين الحكومة أو المعسكرات ، وقد شهدت صنعاء أوائل السبعينيات ظاهرة المقايل السرية التي كانت تضم عناصر الحركات الوطنية واليسارية ، إبان كان المقدم محمد خميس مديراً للأمن العام ، لكن مع بزوغ فجر الوحدة اليمنية والديمقراطية والتعددية السياسية ، تلاشت هذه الظاهرة تدريجياً !
يدخل الضيوف إلى المقيل وكل منهم يتأبط حزم القات ملفوفة بالبلاستيك وكانت تلف في الماضي بأوراق الموز حتى تظل طازجاً ، يسلم الضيوف على من سبقوه في الحضور باليد أو بإيمائه من رأسه ، وأحياناً يأخذ مكانه في المقيل بهدوء حتى لا يقطع على الضيوف حديثهم ، وعندئذ ينبري أحدهم قائلاً “ حيا الله من جاء “ .
يبدأ الضيف في تنقية أوراق القات من الشوائب وينتخب الصالح منها للمضغ تباعاً ، حتى ينتفخ خده الأيسر ، بعدها تبدأ عملية المضغ والاستحلاب ، وخلالها يتبادل الحاضرون أعواد القات من باب تنويع المذاق وجلباً للمودة ، ويستمر الحال هكذا في أحاديث جانبية أو ثنائية إلى حين وصول الجميع ذروة النشوة والحيوية ، وعندئذ يدق صاحب المقيل أو كبير المخزنين ويعلن إختيار موضوع الساعة الأنسب للحوار حوله ، وأشهد أن الجميع ينالون دوماً حظوظهم من الحوار الديمقرطي الخلاق بالعدل والفسطائي مهما تدنى الوضع الطبقي أو الوظيفي .
الرازم
من اشهر المقايل الثقافية حتى سنوات قريبة في صنعاء ، تلك التي كان يتصورها أمير شعراء اليمن عبد الله البردوني ، ورغم انه كان ضريرا يرحمه الله ، الا انه كان موسوعى الثقافة ، محيطا بامهات الكتب قديمها وحديثها ، وهو كان راوية وفنانا وناقدا وساخرا ، وكم اسمع اصدقاءه وحوارييه العجب العجاب من نوادر وحكاوي العصر العباسي وربما ذكرياته عن اعاجيب وخرافات ائمة بيت حميد الدين الذين حكموا اليمن زهاء 150 عاما .
على ان آخر عهدي بأرقى مقايل صنعاء الآن ، ذلك الذي يتزعمه الدكتور عبد العزيز المقالح وهو كان مديرا لجامعة صنعاء والان مديرا لمركز الدراسات اليمنية ، وهو الشاعر العظيم وشخصية لامعة وانسان ودود ، وهذا المقيل بمثابة مدرسة ادبية وندوة سياسية يومية ، واعتقد انه لا غنى عنه لمن يتردد على اليمن لفهم اوضاعه وشواغله على كل صعيد،والتعرف على نجومه الواعدة في الشعر والقصة والغناء والموسيقى ..
واحيانا ما يستضيف المقيل اليمني مطرباً او منشدا او عازفا ، وقد تعجب حين ينهض رجلان ويندمجا برشاقة الى حلقة للرقص ، وهو كذلك عنصر أساسي في مباهج مقايل الجنس اللطيف ، الى جانب الدور الذي تلعبه في اختيار الامهات زوجات لابنائهن من بين المخزنات، واستعراض آخر موضوعات الازياء والروائح العطرة الشعبية والبارفانات الفرنسية وانواع الحلي الفضية والذهبية والماسية ، بل ان الفرصة سانحة ايضا للبيع والشراء في هذه الكماليات!
لكن تظل الشائعات ابدع ما يتردد في المقايل الصنعائية ، وعبرها يمارس اليمنيون ذكاءهم الحاد وسخرياتهم من مساخر الحياة ، وهي عادة قديمة تحدث عنها المؤرخ الكبير ابو الحسن الهمداني في مؤلفاته التي يرجع تاريخها قبيل الف عام حين قال : “ما رأيت كأهل صنعاء يرجفون على أنفسهم” !
ولأن لتخزين القات اوقاتاً ، لذلك ينتهي المشهد الافتتاحي للمقيل الصنعائي حين يبلغ المتعاطون ذروة المضغ والاستحلاب ، ليبدأ المشهد الثاني بغياب ضوء الشمس وهو ينعكس الى داخل المقيل ويضفي لمساته الشاعرية على المقيل وعلى المقيلين عبر زجاج النوافذ التي تجمع بين الوان الطيف ، ايذانا بحلول “الساعة السليمانية” التي يبلغ فيها اليمنيون ، ذروة النشوة والابتهاج والراحة النفسية ، وهي اسطورة موروثة تدعي ان سيدنا سليمان كان يتعاطي القات ، وبعدها تضاء المصابيح وينقض السامر ، ليبدأ المخزن في افراغ فمه من بقايا القات ، وفسخ العلاقة مع تأثيره المنبه قبل ان يحل به الكسل والفتور عبر احتساء مشروب مركز من الشاي او قشر البن او الكحوليات !
هكذا يعود متعاطي القات الى منزله كسولاً بعد زهاء خمس ساعات استهلكها في شرائه وتخزينه ، وبدلا من مداعبة زوجته ومتابعة أحوال أولاده وتحصيلهم الدراسي ، إذا به يتجه مباشرة للنوم والتفكير في دورة القات العبثية في الغد !
والشاهد ان المشكلة على حد اجماع العلماء والاطباء والمثقفين في اليمن ممن لا يتعاطون القات ، تحتاج الى علاج غير تقليدي وحلول خلاقه ومبتكرة ، خاصة بعدما تأكد فشل القانون والقدوة الحسنة والتهديد بقلع الاشجار او تسريب دودة القطن الى مزارع القات ، البعض يقترح تغيير مواعيد العمل الرسمي في مؤسسات الدولة بحيث تستوعب اوقات تخزين القات ، وهناك من يرى الحل في خلق بدائل للترفيه عبر زيادة الاندية الرياضية والمسارح ودور السينما والمنتزهات والمكتبات ، أو عدم ترقية الموظفين المتعاطين للقات .. وفي كل الاحوال يظل اهل اليمن ولا شك ادرى بشعابه وأقدر على الوصول بالمشكلة الى مرافئ العقلانية والامان ، ونحسب ان تبديد الاوهام والاكاذيب السعيدة التي تروج للقات وفوائده وجدواه انما البداية السليمة ، ولعل في مقدمتها ما يشاع عن اصابه كل من يمتنع عن تعاطي القات بمرض نفسي وهمي ما انزل الله به من سلطان ويدعى “الرازم” ، الى حد الاعتقاد ان وضع “الجنبية” او الحذاء تحت الرأس اثناء النوم ، يفضي الى طرد كوابيس الاحلام المزعجة والشفاء من مرض الرازم الى حين عودة المريض مجددا الى تخزين القات!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.