السعودية تعلن موقفها من اغتيال العالم النووي الإيراني وتطالب طهران بعد القيام بأي خطوة عاطفية    ممثلين عن البرامج السعودي لتنمية واعمار اليمن يزور صندوق النظافة والتحسين محافظة المهرة    الأرصاد ينبه من الأجواء الباردة واضطراب البحر    تعرف على جدول رحلات الخطوط الجوية اليمنية ليوم غدا الأربعاء    اشتراكي ذمار يحتفي بيوم الاستقلال الوطني بندوة ثقافية    تحت شعار (صحة مهري نموذجا) ...تنمية المرأة بمديرية الغيضة تنظم حملة توعية حول العمل التطوعي    مركز الملك سلمان يوقع اتفاقية لتوفير الحقيبة المدرسية ب 323 الف دولارًا    الأمن القومي الايراني يفجر مفاجئة حول عملية اغتيال أشهر علماء طهران ولماذا نجحت العملية    الأمم المتحدة: الريال اليمني فقد 250 بالمئة من قيمته منذ 2015    ميسي يغيب عن لقاء فيرينتسفاروشي المجري    صنعاء.. مناقشة آليات تمكين المرأة بمجالات الحياة العامة    مفتي السعودية "آل الشيخ" يوجه رسائل للجنود السعوديين في الحد الجنوبي    بالفيديو..بكاء أمهات يمنيات بحرقة بعد موت أطفالهن بقصف حوثي    إصابات كورونا في السعودية تعاود الارتفاع وتراجع مبشر في الوفيات ومئات المتعافين اليوم"آخر الإحصائيات"    السعودية : الأزمة مع قطر قد تنتهي خلال 24 ساعة    الأمن يلقي القبض على شخص أحرق زوجته في محافظة حضرموت    أسعار الذهب تتعافى بعد خسائر كبيرة    مليشيا الحوثي تكشف رسميا عزمها اجتياح الجنوب وتصرح : لن يهدأ لنا بال حتى نسيطر على كل شبر    ليستر يفشل في تشارُك الصدارة    مسؤول بشركة صافر: توقف خطر الناقلة مرهون بتفريغها من النفط بشكل فوري    دكتوراه ثانية بامتياز لباحث يمني أوصى باستقلالية القضاء الإداري وإنشاء محكمة إدارية عليا    نقل الزميل الصحفي عصام بلغيث إلى المستشفى بعد تدهور حالته الصحية    رايتس رادار تدعو المليشيات للإفراج الفوري عن الصحافي توفيق المنصوري وزملائه المختطفين    الصحة العالمية تكشف تأثيرات الوضع الأمني في اليمن على مواجهة كورونا    استمرار يواخيم لوف في تدريب المنتخب الألماني    اهلي جدة يتعاقد مع طبيب الأهلي المصري    عاجل : الحوثيين يعلنون نجاح صفقة جديدة مع الحكومة الشرعية    إرهاب الحوثي واستثمار ارتباك المجتمع الدولي    مداهمة معملاً لخلط الحشيش في العاصمة    هل يعود "سواريز" المصاب بكورونا قبل مباراة فريقه أمام "ميونيخ" ؟    يعالج السكري وينشط العقل ...تفاصيل فوائد سحرية لتناول الباذنجان    أسعار الذهب في الأسواق اليمنية اليوم الثلاثاء    برنامج الإعمار يوقع اتفاقية مهمة وقوية مع الإسكوا..لإثراء خطط يمنية مستقبلية    إيران تكشف تفاصيل الغموض في أغتيال العالم النووي فخري زاده ونوع السلاح والدولة المصنعة    مؤتمر أبين يهنىء أبوراس بذكرى عيد الاستقلال    تفاصيل...الأمم المتحدة تنشر أرقام صادمة لعدد الضحايا في اليمن الناتجة من الحروب وتدعو لوقف إطلاق النار فوراً    تطورات تنذر بكارثة...البحرين تكشف تفاصيل اعتراض قطر لزورقين تابعين لحفر السواحل المنامة    وردنا الآن.. مشاورات جديدة بين حكومة الشرعية ومليشيا الحوثي لإنهاء الانقسام المالي - (تفاصيل)    العرب حبل النصر لأمريكا والصهيونية!!    قال ان الدولار سيصل إلى 900 ريال.. البنك المركزي بصنعاء يكشف عن أسباب الانهيار الجنوني للعملة ويوجه دعوة للحكومة الشرعية    الإرياني: مجزرة مليشيا الحوثي في الدريهمي جريمة حرب مكتملة الأركان    الكشف عن كيفية استخدام النظام الإيراني لزواج المتعة كسلاح لدعم موقفه سياسيًا واجتماعيًا    عملة"بيتكوين" تحقق مفاجأة جديدة وتقترب من ملامسة سعرها القياسي    شكل لم تراه من قبل.. كيف بدت الكعبة خلال الترميم الشامل قبل 24 عامًا    تعيين أول امرأة لتحكيم مباراة رجال    أصيبت بكورونا أثناء حملها.. وعثر الأطباء على شيء غريب في جسم المولود    أهالي قرية يمنية لا يستطيعون الخروج من منازلهم لهذه الأسباب!    30 نوفمبر أيقونة المجد (شعر)    ماهي الوصية التي تم التكتم عنها 32 عاما وكشفه نجل القاري عبد الباسط عبدالصمد    لاعبة ترفض الوقوف دقيقة حداد على وفاة مارادونا    عمرها 3 ألف عام.. شاهد ماذا وجد أحد الأطفال في القدس    بالفيديو.. لحظة سقوط محمد رمضان بمسرح مهرجان الضيافة في دبي أثناء تكريمه    القائد اليمني الذي جعل أوروبا ربع قرن لا تنام    قصيدة البكاء بين يدي صنعاء: للحب فوق رمالها طلل    الله والفقه المغلوط(1-2)(2-2)    افتتاح قناة حضرموت الرسمية بحضور نائب رئيس ومحافظ حضرموت    خطبتي الجمعة في "الحرام" و"النبوي" تبيّن أهمية التدبر في كتاب الله وسنة رسوله وتسلط الضوء على معاني 17 آية من سورة الإسراء    ما الحكمة من قراءة سورة الكهف وقصصها يوم الجمعة؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الإسلام في جنوب إفريقيا
بين الطموحات والتحديات
نشر في الجمهورية يوم 06 - 07 - 2010

تشكل الأقلية المسلمة في جنوب إفريقيا نحو 2 بالمائة من إجمالي تعداد السكان الذي يتجاوز ال48.5 مليون نسمة، وإلى جانب من أسلموا، من السود والبيض، فإن جل أفراد هذه الأقلية من ذوي الأصول الملايوية والهندية، الذين وفدوا إلى البلاد، منذ عام 1652م، واستقر كثيراً منهم في إقليمي ناتال، وترنسفال ولما ازداد تعدادهم وأتى عليهم مسلمون من أصول أخرى بدأ انتشارهم يشمل كافة الأقاليم بنسب متفاوتة.
ورغم ما تعرضوا له من اضطهاد عبر مراحل عديدة من تاريخ هذه البلاد، التي مرت بزمن العبودية والصراعات بين الهولنديين والزولو من جهة والإنجليز والزولو من جهة ثانية والإنجليز والهولنديين من جهة ثالثة إلا أنهم صمدوا في وجه طوفان التحديات وكان لهم دور فاعل في إسقاط نظام الفصل العنصري وتصاعد نفوذهم بعد الاستقلال حيث صار لهم أكثر من 400 مسجد و5 محطات إذاعية والكثير من المدارس والمعاهد.
نظرة على الماضي
تُشير المصادر التاريخية، إلى أن رحلة دخول الإسلام، إلى جنوب إفريقيا، بدأت عندما تعمد الهولنديين نقل أعداد من مسلمي أرخبيل الملايو، للعمل بالسخرة في مناطق الزراعة بولاية الكاب، وازداد عددهم في أعقاب ثورة الملايو ضد المستعمر الهولندي الذي قبض على زعماء الثورة من المسلمين ونفاهم في بادىء إلى سريلانكا عام 1682م ولما كان تأثيرهم في المجتمع الملايوي المسلم مازال قوياً، فقد أعاد نفيهم في عام 1964م وكانت وجهتهم هذه المرة جنوب إفريقيا، وكان على رأس من تم نفيهم الشيخ يوسف، أو توانج يوسف، الذي يشتهر في المصادر التاريخية، بأنه الأب الروحي للمسلمين في جنوب إفريقيا وهو شقيق الملك جاوا، وزعيم المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الهولندي لجزر الهند الشرقية، وكان بصحبته 49 من الثوار المسلمين المنفيين.
وعلى مدى أكثر من قرن عانت الأقلية المسلمة، من الاضطهاد الشديد ولم يسمح لها ببناء مسجد واحد، لم يكن المستعمر الهولندي، يسمح لهم بالصلاة في أي مكان، وكان على المسلم أن يتخفى عن أعين الجميع، حيث وقت الصلاة لأدائها، وفي عام 1749م أقيم أول مسجد في جنوب إفريقيا، وتحديداً في منطقة الكاب، وهو مسجد (أوال).. وكان السماح للمسلمين ببناء هذا المسجد مقابل أن ينخرط شبابهم في صفوف الجيش الهولندي.. وجدير بالاشارة أنه في عام 1812م وبينما كان الجيش الهولندي يواجهه جيش استعماري آخر، من البريطانيين على أرض جنوب إفريقيا إذ بالقتال يتحول لصالح البريطانيين فهرب الهولنديون من الساحة، تاركين شباب المسلمين يقاتلون وحدهم، مما أثار إعجاب القائد البريطاني بشجاعتهم وثباتهم ووعدهم بأن يسمح لهم ببناء المساجد إذا كفوا عن القتال.
وفي عام 1882م بدأت أفواج جديدة من المسلمين الهنود، تتجه إلى جنوب إفريقيا بعد الإغراءات التي قدمها البريطانيون لهم التي تمثلت في نقل بحري مجاني لهم وعقود عمل موسمية والسماح لهم إما بالبقاء أو العودة بعد انتهاء العقد وكان أكثرهم يفضلون البقاء والعمل كمزارعين.
ومن المفارقات أن الحملات التبشيرية المكثفة التي استهدفت تنصير المسلمين، المهاجرين لم تسفر عن أي نجاحات، بل إن أحد المنصرين قاده مسلم، بالحكمة والحجة والموعظة الحسنة إلى الهداية فأعلن الشهادة، ويذكرني هذا المشهد بمناظرات أحد أقطاب الدعوة الإسلامية في جنوب إفريقيا الشيخ أحمد ديدات الذي أسلم على يديه، الكثير من غير المسلمين.. ومن الفترات التاريخية التي تعرض فيها المسلمون لمزيد من الكبت والقهر، الفترة التي ساد فيها نظام الفصل العنصري حيث كان يحرم عليهم الانتقال بين الولايات الأربعة التي يتشكل منها اتحاد جنوب إفريقيا (الكاب- ترنسفال – ناتال – أورنج فرستيت) وفرض عليهم عدم الاختلاط بالبيض سواء في السكن، أو العمل، أو أي من النواحي الاجتماعية الأخرى، منذ الولادة، وحتى الممات، وجعلت لهم معازل خاصة، للإقامة الجبرية، عُرفت بمعازل الملونين، وتم مُصادرة الكثير من أراضيهم وممتلكاتهم لحساب البيض، ولم يعترف بالدين الإسلامي، ديناً رسمياً لهم.
ورغم كل هذه المضايقات وممارسات الكبت والقهر، التي فُرضت على الأقلية المسلمة، وكذا على السُكان الأصليين من السود، فإن مُسلمي جنوب إفريقيا جاهدوا، وكانوا من القدرة على الصمود والثبات، بحيث أُحصي لديهم قبل تصفية نظام الفصل العنصري، أكثر من 300 مؤسسة دينية ما بين مسجد ومدرسة.. كما نجح الكثير من الدُعاة في الوصول إلى معازل البانتو، وهداية المئات من أفراد هذه القبيلة إلى الدين الإسلامي، وبخاصة في معزلSOWeIO القريب من مدينة جاهونسبرج، ومعزل Uape .
لقطات من الحاضر
وبعد إجراء أول انتخابات ديمقراطية حقيقية في جنوب إفريقيا، التي فاز بها المناضل الشهير نيلسون مانديلا، بدأ المسلمون يأخذون بعض حقوقهم السياسية والاجتماعية، وصار نفوذهم وتأثيرهم يمتد أكثر في نسيج المجتمع، خاصة أنهم كانوا من المناضلين ضد النظام البائد، وراح العديد منهم ضحايا لبطش هذا النظام واعتقل المئات ومنهم شيخ المعتقلين المسلمين في جنوب إفريقيا الإمام عبد الله بن قاضي سمعان، الذي قضى في المعُتقل 13سنة.
ومن مظاهر امتداد نفوذهم إقامة المزيد من المدارس والمساجد حيث اُحصي لهم في العام قبل الماضي، أكثر من 400 مسجد، ونحو 100 مدرسة ومعهد ديني تم اعتمادها، من قبل وزارة التعليم، وهي تنتشر في كافة ولايات الاتحاد، منها 96 مسجداً ونحو 60 مدرسة في ولاية الكاب وضواحيها وفي ولاية ناتال ما يقارب ذلك، وفي ولاية ترانسفال ما يزيد على 60 مسجداً.. أما أكبر مساجد جنوب إفريقيا، فقد أقيم بمدينة دريان، ويُسمع الأذان في مواعيد الصلوات الخمس من خلال الميكرفون.
كما هو الحال في كافة أرجاء القارة الإفريقية يصعب الحديث بدقة عن أعداد أتباع الجماعات الاثنية أو الطوائف والمذاهب والأديان لارتباط ذلك بأبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية داخل هذه البلدان وخارجها، لذا تتفاوت تقديرات المسلمين في دولة جنوب إفريقيا ما بين التقديرات الرسمية التي لا يتجاوز فيها عدد المسلمين المليون (نحو 750 ألفاً عام 2007م) والتقديرات غير الرسمية التي تصل لضعف ذلك الرقم عن نفس الفترة، وسوف يتم الاعتماد على البيانات الرسمية رغم تحفظنا عليها.. ووفق هذا يمكن القول: إن المسلمين يتوزعون على المقاطعات التسع التي تتشكل منها جمهورية جنوب إفريقيا نسبة المسلمين في جنوب إفريقيا تبلغ نحو 1 % من إجمالي السكان، وأكبر تركز للجالية الإسلامية هو في مقاطعة غرب الكيب، حيث تبلغ نسبتهم نحو 7 % تقريباً من إجمالي سكان المقاطعة تليها منطقة الكوازولو ناتال وجويتنج، بينما تقل نسبتهم عن 1 % في باقي المقاطعات وهو مايمكن تفسيره في ضوء الأسباب السالفة البيان عن وصول المسلمين لجنوب إفريقيا وسياسات الفصل العنصري التي كانت مطبقة بالبلاد حتى عام 1994م وهو ما يؤكده التركيب الاثني للمسلمين في جنوب إفريقيا ويلاحظ هيمنة عناصر الملونين، (خاصة ذوي الأصول الإندونيسية المالاوية) والهنود على التركيب الاثني للمسلمين في جنوب إفريقيا حيث يمثلون 96% من إجمالي المسلمين في حين لا تزيد نسبتهم إلى إجمالي السكان عن 12% (9 %ملونون، 2.8% هنود تقديرات 2007م) في المقابل نجد أن نسبة السود المسلمين لا تزيد على 3.5 % من إجمالي عدد المسلمين في البلاد رغم أنهم يمثلون ( أي السود ) 79 % من إجمالي السكان (تقديرات 2007) بعبارة أخرى فإن نسبة لا تذكر وكذلك الحال بشأن عدد البيض المسلمين وهو أمر أسهمت فيه سياسات التفرقة العنصرية التي كانت سائدة والتي حالت دون انتشار الدعوة الإسلامية بفاعلية خارج نطاق الجماعات الاثنية المعتنقة للإسلام.
ونجح المسلمون في مجال الإعلام بإصدار العديد من المطبوعات بأكثر من لغة وانطلقوا عبر الأثير من خلال 5 محطات إذاعية ناطقة بالإنجليزية إحداها يصل بثها إلى أكثر من 50 دولة حول العالم، عن طريق الأقمار الصناعية ويصل إلى دول عديدة في منطقة الشرق الأوسط ويشرف على هذه الإذاعات مجموعة من كبار علماء المسلمين في جنوب إفريقيا.. ومن أشهر صحفهم التي بدأ صدورها منذ زوال النظام العنصري وما زالت دائمة الصدور إلى الآن صحيفة «الأمة» التي تصدر في (ديرين) وصحيفة «الجمعة»، التي تصدر في كيب تاون وصحيفة «القلم»، التي تصدر في جوهانسبرج.
وعلى الصعيد السياسي انخراط المسلون في جنوب إفريقيا في الحياة السياسية كجزء ومكون أساسي في المجتمع الجنوب إفريقي ويلاحظ على السلوك السياسي للمسلمين طابع التوزع والانتشار وهي سمة مميزة للأقليات بصفة عامة، فهناك عضوية ملموسة من المسلمين في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وانضم مسلمون آخرون إلى الأحزاب الأخرى كذلك وعلى صعيد ثالث حاول المسلمون تشكيل أحزاب مستقلة تعبر عنهم من أهمها: حزب المسلمين الأفارقة African MusIim Party وحزب جماعة المسلمين AI gama ah MusIim اللذان خاضا انتخابات 1994م على المستويين المحلي والوطني ولم يحققا أي نجاح وهو ما يتكرر عام 1999م ولكن في عام 2000 استطاع حزب المسلمين الأفارقة الفوز بمقعدين في الهيئة التشريعية المحلية في مقاطعة غرب الكيب ارتفعت إلى ثلاثة مقاعد عام 2006م ودخل في تحالف مع قوى المعارضة المعروفة بالتحالف الديمقراطي، وهو ما قد يشير من طرف خفي إلى عدم رضا الناخبين المسلمين عن أداء حكومة المؤتمر الوطني، وبصفة عامة يمارس المسلمون نشاطهم السياسي بفعالية وتمارس مؤسساتهم دورها في التأثير على صناعة القرار وكان لهم دور مميز في مناهضة نظام الفصل العنصري ومعارضة حكومة الفصل العنصري التي كانت تحكم جنوب إفريقيا سابقاً، الأمر الذي انعكس على الثقل النسبي للمكون الإسلامي ولا سيما من الهنود في أول تشكيل حكومي في أعقاب التحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا عام 1994م حيث ضمت الوزارة أكثر من أربعة وزراء من المسلمين، وكان هناك نحو عشرة سفراء يمثلون بلادهم في الخارج، كما تم إقرار بعض تشريعات الأحوال الشخصية الخاصة بالمسلمين والمستمدة من الشريعة الإسلامية.. وعلى صعيد القضايا الإقليمية والدولية يحظى المسلمون بحس سياسي كبير، ومشاركة فاعلة ومدروسة ومن ذلك دور الجالية المسلمة المؤثر في قمة الأرض، والتصدي لمشاركة إسرائيل فيها الأمر الذي دفع الولايات المتحدة للانسحاب تضامناً مع إسرائيل فقد استطاع المسلمون بالتعاون مع الجمعيات المناوئة للتمييز العنصري تنظيم التظاهرات المناهضة لإسرائيل وأمريكا والمؤيدة للقضية الفلسطينية أثناء القمة وهو ذات الموقف الذي اتخذته الجالية الإسلامية من قانون مكافحة الإرهاب حيث أكدت العديد من المنظمات الإسلامية رفضها للقانون واعتبرت مثل هذه التشريعات ليست فقط غير ضرورية بل إنها تهدد الحريات الأساسية التي ناضل من أجلها مناهضو نظام الفصل العنصري طويلاً، وأنها انصياع بشكل كامل للضغوط الأمريكية وأصبح للمسلمين في الحكومة الاتحادية وزيران وأربعة نواب وزراء وعدد من السفراء، إضافة إلى عشرين نائباً في البرلمان الذي يبلغ إجمالي عدد أعضائه 400 عضو، وعدل الدستور الذي بموجبه صارت البلاد (متعددة الأديان) وليست نصرانية كما كان في السابق ونجح المسلمون في تأسيس حزب سياسي، يدعى (حزب الجماعة) كانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أجريت بالتوازي مع الانتخابات البلدية أول نشاط حقيقي له وتمكن من الفوز بعدة مقاعد وبحسب زعيم الحزب جانيف هندريكس فإن أجندة حزب الجماعة تمزج ما بين القضايا الخاصة بالأقلية المسلمة والقضايا العامة مثل محاربة الجريمة ومكافحة الأيدز وتوفير فرص عمل للشباب إلى جانب السعي لإنشاء هيئة إسلامية داخل الحكومة للتعامل مع مشكلات الأقلية وكذا سن قوانين للأحوال الشخصية التي تخص المسلمين والعمل على تسهيل إجراءات الزواج الإسلامي بحيث لا يضطر الأزواج للذهاب إلى المحطمة لتوثيق زواجهم وفي مجالي التجارة والصناعة فإن نفوذ الأثرياء من المسلمين في تصاعد مستمر وجل استثماراتهم تتركز في تجارة السجاد، والعقارات وتوكيلات السيارات وتشييد المصانع، كما أن جانباً من استثماراتهم ممتداً إلى تجارة الذهب والألماس.
القوافل الدعوية
وإلى جنوب إفريقيا ترسل البعثات والقوافل الدعوية بشكل دائم من قبل رابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي والأزهر الشريف وهذا الأخير قام بإنشاء أول معهد له في جنوب إفريقيا بدأت الدراسة فيه عام 1995م وهو معهد كيب تاون الأزهري.
وفي جنوب إفريقيا ثمة اتحاد للأطباء المسلمين ومنظمة إسلامية تربوية ذات نشاط دولي تدعي (المنظمة التعليمية في جنوب إفريقيا ) نشاطها ممتد إلى العديد من الدول الإفريقية وغرب آسيا واستراليا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يقتصر نشاط المنظمة على الشأن التعليمي، وحسب بل يتجاوزه لإقامة المشاريع والبرامج الخاصة برعاية الفقراء واحتضان المسلمين الجدد، الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً، ويتبع المنظمة حالياً 65 مدرسة ومركزاً تعليمياً يدرس فيها العلوم والمقررات الإسلامية ومن المنظمات والهيئات الإسلامية الفاعلة أيضاً في جنوب إفريقيا (اتحاد الشباب المسلم) والوكالة الإسلامية الإفريقية) وجمعية هلال الأمل الطبية) و(جمعية اتحاد علماء المسلمين في جنوب إفريقيا).
استشراف المستقبل
إن جل المعطيات والمؤشرات تفضي إلى أن مستقبل الإسلام والمسلمين في جنوب إفريقيا يحمل المزيد من الخير، حيث ثمة طموحات على الصعيد السياسي، للحصول على مكاسب جديدة، وتأثير أكبر في اتخاذ القرار وعلى المستوى التعليمي، هناك سعي دائب لإقامة مؤسسات تعليمية وتربوية جديدة في مختلف الولايات المتحدة والمناطق والتخطيط لإنشاء جامعة إسلامية تتضمن الأقسام المختلفة (شريعة، دعوة – أصول دين – لغة عربية) وينظر إلى هذه الجامعة المستقبلية على أنها ستكون قاعدة انطلاق رئيسة في مجال الدعوة الإسلامية ومركز إشعاع ديني حضاري ليس في جنوب إفريقيا وحسب بل سيمتد تأثيرها إلى الأقليات المسلمة في البلدان المجاورة إلى جانب ذلك فإن هناك جهوداً للتوسع الإعلامي الدعوي وتوزيع المزيد من المطبوعات الإسلامية باللغات المحلية وفي مقدمتها لغة الزولو.
أوضاع مسلمي جنوب إفريقيا وأنشطتهم
يعد المسلمون من ذوي الأصول الهندية الأكثر ثراء وتعليماً وهؤلاء يتمركزون في العاصمة جوهانسبرج، أما المسلمون ذوو الأصول المالاوية فهم الأقل ثراءً بل معظمهم من الفقراء ويتمركزون في (الكاب) وإن كانت الفئة الأولى الأكثرية وهم الذين يشيدون المساجد التي يبلغ عددها أكثر من خمسمئة مسجد, كما أن لديهم مدارس إسلامية راقية جداً ذات إمكانات كبيرة, وتوصف بأنها من أفضل المدارس التعليمية على مستوى البلاد ولها سمعة جيدة وقد دفعت قوة الوضع الاقتصادي للجالية الإسلامية إلى إنشاء مصانع ومحال لتقديم الأغذية الحلال ودفعت بعض البنوك لتقديم خدمات مصرفية إسلامية.
الأداء المؤسسي لمسلمي جنوب إفريقيا
قامت الأقلية المسلمة في جنوب إفريقيا بتأسيس العديد من الجمعيات الإسلامية المؤثرة, ومنها المنظمة التعليمية في جنوب إفريقيا التي أنشئت عام 1985ويمتد نشاطها إلى كثير من دول العالم في إفريقيا وآسيا واستراليا والولايات المتحدة وأوروبا, ولايقتصر نشاطها على التعليم فقط بل لها دورها الاجتماعي من خلال برامج رعاية الفقراء واحتضان المسلمين الجدد الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً وبدأت المنظمة نشاطها بإنشاء أربع مدارس تعليمية وصل عددها في عام 2005م إلى (65) مدرسة ومركزاً تعليمياً وهي تهدف إلى تدريس العلوم والمقررات الإسلامية والارتقاء بأداء المعلمين المسلمين وطبع الكتب الإسلامية باللغات المحلية ولا سيما لغة الزولو ونجحت هذه المنظمة في الحصول على دعم من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) بالمغرب ومن الأزهر بمصر وتعتمد المنظمة في عملها على إنشاء أوقاف خاصة بها للإنفاق على المدارس والمعاهد التعليمية, فقامت بإنشاء محال تجارية صغيرة بجوار المساجد يعمل فيها المسلمون الأفارقة الذين اعتنقوا الإسلام لمساعدتهم في حياتهم اليومية, كما بدأت المنظمة في إقامة مشاريع زراعية وتنموية للإنفاق على شئون الدعوة, وهو الأمر الذي انعكس على وضعية المسلمين وتوفير الحصانة اللازمة لهم وهناك أيضاً اتحاد الشباب المسلم الذي تأسس في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين, وهو يقوم بتقديم البرامج الخاصة بالشباب في المدارس والمعاهد المتوسطة والعليا, كما أن هناك العديد من المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية في جمهورية جنوب إفريقيا, ومن هذه المؤسسات: الوكالات الإسلامية الإفريقية, وجمعية الهلال الأحمر الطبية التي ساعدت المسلمين وغير المسلمين في كثير من المناسبات, سواء كان ذلك بعد حدوث كوارث طبيعية أو خلال مايقع من اشتباكات ناجمة عن الأزمات السياسية, وفي بداية التسعينيات أنشئت (جمعية اتحاد علماء المسلمين في جنوب إفريقيا) التي ينضوي تحتها معظم المؤسسات والجمعيات من الرموز الدعوية بشتى تياراتهم ومذاهبهم العقدية والفكرية مما شكل قوة إسلامية لدى الحكومة من خلال اتحاد أهداف المسلمين العامة ومطالبهم.
القضايا والتحديات
لعل أبرز التحديات التي تواجه المسلمين والدعوة الإسلامية في جمهورية جنوب إفريقيا هو الخروج من قيد العزلة التي فرضت على الجماعات الإسلامية في ظل الحقبة العنصرية وهو تحد ذو شقين أولهما يرتبط بالحفاظ على التماسك العضوي بين أفراد المجتمع الإسلامي على أسس جديدة غير سياج العزلة الذي كان مضروباً ومفروضاً على الجماعات المختلفة مقيداً إياها بإقليمها وثقافتها ومؤسساتها.. وأدى زوال ذلك السياج إلى نزوح العديد من أبناء المسلمين من مناطقهم التقليدية إلى مناطق أخرى خاصة تلك التي كانت مقصورة على البيض, الأمر الذي يهدد بذوبان أولئك الأفراد في قيم ومعتقدات تلك الجماعات, أخذاً في الاعتبار الفارق الضخم في عدد السكان مايجعل من المسلمين النازحين إلى تلك المناطق نقطة في بحر.. والشق الثاني من التحدي الناجم عن التحول عن الحكم العنصري يتعلق بمدى قدرة المسلمين على الاستفادة من ذلك الانفتاح في نشر الدعوة الإسلامية بين الجماعات الأخرى ولاسيما جماعات السود على نحو يجعل الوجود الإسلامي ممثلاً بدرجة أكثر واقعية لتركبية المجتمع الجنوب إفريقي, ويعالج الاختلال الهيكلي السالف الإشارة إليه والممثل في النظر للمجتمع الإسلامي باعتباره مجتمع الهنود والمالاويين, وعلى الرغم من أن التحدي السالف البيان يتطلب تضافر جهود المؤسسات والمنظمات الإسلامية المختلفة في جنوب إفريقيا فإن المشاهد هو تنامي ظواهر الخلاف بين تلك الجماعات في ظل انفتاحها على بعضها البعض وانفتاحها كذلك على الخارج على نحو أتاح تعميق الخلافات القائمة ونقل بعض الخلافات الخارجية إلى ساحة جنوب إفريقيا, الأمر الذي يهدد ميراث استقلالية العمل الإسلامي والخيري في جنوب إفريقيا.. ومن أكبر المشكلات التي تواجه المسلمين هناك أيضاً قضايا فقه الواقع, والنوازل ومايستجد من مستحدثات العصر كقضايا الربا, والتأمين على الحياة, والقضايا الطبية, ومشكلات اجتماعية مثل الزواج وغيرها, خاصة مع وجود بعض الاجتهادات الشاذة جداً نتيجة الانغلاق والبعد عن دائرة الاجتهاد الشرعي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.