هاشم عبدالعزيز لبنان في لحظة فارقة، لا أحد يستطيع أن يتنبأ أو يتوقع هل تكون مفتوحة على مستقبل من التحولات؟ أو أنها مشدودة إلى انحدار متسارع من التداعيات؟ هذا ما تمنحه زخة المفاجآت التي شهدها لبنان الأسبوع المنصرم، كانت الأولى مفاجأة الرأي العام اللبناني باستقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي ظل حتى إعلان استقالته بقدر عال من التماسك، وبدا كمن هو ذو خبرة كبيرة بلبنان في شأنه وشؤونه، وعلى استعداد لمواجهة لفيف المصاعب والعقبات، ومواجهة التحديات الماثلة والمستجدات المتتالية التي بدت في فترات من الأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة كما لو أنها عاصفة، والانحناء أمامها لا يوفر السلامة ولكنه يساعد على تقليل فداحة الخسارة . المفاجأة الثانية كانت في سرعة إعلان ترشيح تمام سلام لرئاسة الحكومة من دون أن يكون متوقعاً، ولم تكن هناك في شأن ترشيحه مشاورات مسبقة . المفاجأة الأكبر كانت بالتوافق الداخلي والإقليمي والدولي الكامل على هذا التكليف، وهذا استثناء لأن القاعدة أن تمر ولادة ترشيح أو تكليف رئيس للحكومة اللبنانية بعملية قيصرية تتجاذبها الخلافات الداخلية والتدخلات الخارجية . ما الذي تطرحه هذه المفاجآت؟ مؤكد أن هذه التطورات ليست بنت لحظتها، بل هي على ارتباط بلبنان في أوضاعه وبمجريات الأحداث والتطورات التي هزت الوضع العربي عموماً خلال العامين الماضيين، والتي مازالت متفجرة في الجوار السوري . في هذا الشأن يمكن القول إن لبنان استبق ما بات يعرف ب"الربيع العربي"، وكما تؤدي لعبة خلط الأوراق الآن إلى إجهاض حركة التغيير التاريخية التي أطلقتها الحركة الشبابية الشعبية العربية، كانت اللعبة ذاتها في لبنان تقود إلى انتقال الصراع السياسي إلى حال انقسام يهدد السلم الأهلي ومصير البلاد، الاستثناء اللبناني عمّا جرى ويجري في بلدان عربية عديدة تحت شعار "إسقاط النظام"، أن معسكري الانقسام اختلفا من حيث التوجهات في شأن طائفة من القضايا هي في الأغلب على ارتباط بما يعرف بأزمة الشرق الأوسط التي تداعت من أزمة الصراع العربي الصهيوني، غير أنهما من دون اتفاق يلتقيان على عدم الخوض في قضية تغيير النظام من جهة، ومن جهة ثانية لم يكن الانقسام ذا طبيعة دينية طائفية أو مذهبية، ففي كلا المعسكرين، أي 14 آذار و8 آذار، كان لبنان بكيانه ومكوّنه موجوداً، وهذا لا يلغي القول إن الميل الأكبر لقوى 14 آذار كان باتجاه اليمين بركائزه الداخلية وارتباطاته الخارجية، وفي المقابل كانت قوى 8 آذار تميل باتجاه شعارات اليسار . معلوم أن سنوات المواجهة كانت سنوات عجافاً ذهبت خلالها المواجهات السياسية والإعلامية والجماهيرية ليس إلى أقصى حدود الاستنفار وحسب، بل بدا كل طرف كما لو أنه ليس في اكتفاء كسر العظم وإزاحة الآخر من مواقع القرار بل إزالته، وتلكم هي العقدة التي ارتدت على الطرفين في آن، لأنها لا تجافي لبنان بطبيعته المتعددة فقط، بل تتصادم بالأساس مع ما هو قائم عليه كل كيان من تعددية غير قابلة للاختزال . هل يعني هذا أن زخة المفاجآت اللبنانية مؤشر إلى بداية تحول في هذا الوضع الانقسامي؟ من السابق لأوانه الجزم في أي اتجاه ستذهب الأمور اللبنانية، لكن هذا لا يمنع القول إن هذا المظهر التوافقي اللبناني أولاً والإقليمي الدولي غير المسبوق في الشأن اللبناني ثانياً، يدل على أن لبنان يشهد محطة مفتوحة على غير احتمال، فهي تمنح اللبنانيين أفراداً وجماعات ومذاهب وديانات وأحزاباً ومنظمات وتنظيمات وفئات وتكتلات، فرصة التوقف عن الاندفاع الأقرب إلى الهروب إلى الأمام من مواجهة المسؤولية بالاتكاء على تسويق المبررات، وبالارتباط الأعمى الأقرب إلى الارتهان تحت مظلة التحالفات المدارية التي قادت إلى ما آلت إليه الأمور من فلتان يهدد لبنان لا في أوضاعه ومستقبله، بل ومصيره . الأمر المهم هو هل يتعامل المنقسمون مع هذه الفرصة التوافقية بما يساعد على الخروج من حالة التنافر، ويفتح مجرد نافذة باتجاه التواصل؟ أو أن المنقسمين سيتعاملون مع هذه التطورات على أساس أنها تمثل "استراحة" لجولة جديدة من الصراع المتواصل؟ ربما كان مفيداً الإشارة إلى خريطة الآراء التي بدأت تظهر في شأن الحكومة الجديدة، فهناك من يعلن أن قوى 8 آذار ذات الأغلبية البرلمانية سوف تطالب بحكومة وحدة وطنية سياسية وموسعة تضم كل الأفرقاء ولا تنحصر مهمتها بالإعداد للانتخابات، بل بإدارة حوار وطني بين 8 و14 آذار يبحث بمصير لبنان ومستقبله . فيما هناك من يرى أن كتلة قوى 14 آذار، وهي المعارضة، سوف "تطالب رئيس الحكومة المكلف بتشكيل حكومة تسعى إلى إدارة الانتخابات يكون أعضاؤها شخصيات محايدة وليست من الفرقاء التابعين لأحزاب سياسية"، وهذا الرأي يدعو إلى استعادة سيناريو العام 2005 حين شكّل رئيس حكومة تصريف الأعمال وقتها نجيب ميقاتي حكومة أشرفت فقط على إدارة الانتخابات . بين هذا وذاك دعا تمام سلام السياسيين اللبنانيين إلى التوافق على تشكيل الحكومة الجديدة وبيانها الوزاري وذلك على غرار التوافق الذي قل نظيره على اختياره رئيساً للحكومة الجديدة، وأكد "ضرورة الحفاظ على الإجماع الذي حصل عليه بعملية تكليفه لينسحب على عملية تشكيلها" . اللافت ليس ما حصل من إجماع توافقي على ترشيح تمام سلام لرئاسة الحكومة اللبنانية فقط، بل ما يبديه أغلب المراقبين من توقعات نجاحه في تشكيل الحكومة، فهم يعيدون هذا النجاح إلى التوافق الخارجي، وعند هذا التأكيد يمكن القول إن نقطة الانطلاق المبكرة لمستقبل مهمة تمام سلام إعادة ترتيب الأولويات اللبنانية، فقد قال إنه "بعد قيام حكومات تصريف الأعمال والشراكة وغيرها من المسميات أُعلِن عن تشكيل "حكومة المصلحة الوطنية" . تمام سلام لم يعلن بعد أن الدافع الرئيس لهذه الحكومة وبهذه الهوية، يقوم على أن كل المصالح موجودة في لبنان والغائب مصلحة لبنان، وتلكم هي حصيلة سياسة تهجير لبنان أرضاً وإنساناً، قضية وهوية .