في ظل أجواء سياسية مشحونة، تتزايد فيها مؤشرات القلق من اتساع دائرة التوتر في المحافظات الجنوبية والشرقية، جاءت كلمة الدكتور عبد الله العليمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي والتي نشرت في حسابه الشخصي على منصة اكس، لتقدّم خطابًا عقلانيًا مسؤولًا، يعيد الاعتبار للحكمة كخيار دولة، ويضع المصلحة الوطنية فوق اعتبارات التصعيد والمكايدة السياسية. الخطاب في سياقه لم يأتِ منفصلًا عن تطورات ميدانية حساسة، بل تزامن مع مرحلة دقيقة من الاستقطاب السياسي والعسكري. وفي هذا السياق يرى المحلل السياسي الدكتور عمر ردمان في قراءة عميقة ل "الصحوة نت" أن كلمة العليمي مثّلت "نداءً صادقًا في توقيت بالغ الأهمية"، مشيرًا إلى أنها جاءت عشية استعدادات قوات درع الوطن للتحرك لاستلام المعسكرات في حضرموت والمهرة، عقب رفض المجلس الانتقالي الجنوبي الانسحاب منها، ما يضفي على الخطاب بعدًا استباقيًا في إدارة الأزمة لا مجرد توصيفٍ لها. ومنذ بدايتها تؤسس كلمة الدكتور عبدالله العليمي لمقاربة سياسية ترى أن فرص العودة إلى صوت العقل ما تزال قائمة، وأن التراجع عن مسارات التصعيد لا يُعد ضعفًا، بل شجاعة ومسؤولية وطنية. وهي مقاربة تتقاطع بوضوح مع الخطاب السياسي المتزن لحزب الإصلاح، الذي ظلّ في مختلف المراحل يؤكد أن وحدة الكلمة ووحدة الصف تمثلان حجر الزاوية في حماية اليمن ومنع انزلاقه نحو صراعات داخلية تستنزف الدولة والمجتمع. ويشير ردمان إلى أن الكلمة، رغم صدورها في سياق متأزم، أظهرت حرصًا شديدًا على حقن الدماء وتخفيف التوتر وإخماد الفتنة، وحملت مضامين تحفيزية لتراجع الشخصيات الموتورة في الطرف الآخر، باعتبار أن هذا التراجع لا يُعد ضعفًا، بل تعبيرًا صادقًا عن الشجاعة والحكمة والمسؤولية. ويذهب إلى أن هذا الحرص، من حيث التوقيت والمضمون، يجعل الكلمة بمثابة وثيقة سياسية مهمة ضمن وثائق إدارة الأزمة التي افتعلها المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة. كما يبرز في الخطاب انحياز واضح للناس ومعيشتهم وأمنهم واستقرارهم، حيث ربط العليمي بين فتح جبهات صراع جديدة في المحافظات الجنوبية والشرقية، وبين التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المباشرة على المواطنين. ويؤكد ردمان في هذا السياق أن التصعيد لا يمكن النظر إليه كحدث عسكري معزول، بل كمسار يفتح جبهة صراع جديدة، ستنعكس سلبًا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتضاعف معاناة شعب أنهكته الحرب، فضلًا عن أنها تحرف المعركة الوطنية عن مسارها الحقيقي المتمثل في إنهاء انقلاب جماعة الحوثيين واستعادة الدولة. اللافت في خطاب العليمي أيضًا هو انضباطه السياسي واللغوي، وابتعاده عن التحريض والاستقطاب. فالنداء الذي وجّهه إلى زملائه في مجلس القيادة الرئاسي، وإلى المجلس الانتقالي الجنوبي، جاء بصيغة أخوية مسؤولة، تعترف بوجود اختلاف في تقدير المواقف، دون تحويل هذا الاختلاف إلى قطيعة أو صدام. ويلاحظ ردمان أن الخطاب لم يُوجَّه فقط إلى الشخصيات الميدانية، بل إلى عموم أبناء الشعب اليمني في المحافظات الشرقية والجنوبية، والأهم إلى زملائه في مجلس القيادة الذين "حملوا راية التصعيد"، مع حرص واضح على إبقاء خيط العلاقة وخط الرجعة، حين اكتفى بوصفهم ب "من نختلف معهم في تقدير الموقف"، في إشارة إلى السعي لإصلاح وحدة القرار السياسي قبل فوات الأوان. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل خطاب العليمي عن الخط العام للتجمع اليمني للإصلاح، الذي لطالما أشاد بكل موقف يدعو للوقوف في صف الوطن، وساند كل جهد يستهدف خفض التوتر والحفاظ على السلم المجتمعي، خصوصًا في المحافظات الجنوبية والشرقية. فالدعوة إلى حقن الدماء وتغليب المصلحة العامة ليست موقفًا ظرفيًا، بل نهجًا سياسيًا ثابتًا يرى أن معركة اليمن الحقيقية هي معركة استعادة الدولة، لا استنزافها بصراعات داخلية. كما تأتي الإشادة بدور المملكة العربية السعودية ضمن هذا الإطار، بوصفها عامل دعم للاستقرار والالتزام بمرجعيات المرحلة. تأتي الكلمة امتدادًا لأدوار العليمي السابقة في محاولة احتواء التصعيد، ضمن موقف قيادة الشرعية، وبما يخدم مصالح الشعب اليمني وقضيته الوطنية المركزية. تعكس كلمة العليمي، في مضمونه وتوقيته، صوت دولة في مواجهة منطق المغامرة، ومحاولة واعية لإعادة توجيه البوصلة نحو وحدة الصف ووحدة الكلمة، بوصفهما صمام الأمان الحقيقي لليمن. ومع تصاعد مؤشرات التوتر، تبدو رسالة العليمي بمثابة إنذار سياسي مبكر، يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، قبل أن تتسع كلفة الصراع وتضيق فرص التدارك.