لا يمر يوم من الأيام إلا وترى فيه ما يخيب الآمال.. وتسمع ما يُندى له الجبين، فلا تكاد تمر مرحلة من مراحل التقويم والتقييم إلا وخرجت النتائج مثبطة للعزائم. على إثر هذا سموني ما شئتم مكتئبة.. ضعيفة.. أرى الأمور بضبابية.. لا يهمني..! ببساطة تامة إني أرى بوضوح خلف هذا الضباب.. أنني مذبوحة غداَ لا محالة إن نجوت من العدو الأكبر.. سيذبحني العدو الأصغر يالفجيعة..؟! فما أراه وأرفضه هو شيء دخيل، شيء مريع أن تسقط تحت حالة من السعي الدؤوب في تفاصيل نجهلها وهي تقع تحت سقف العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. فإن دل ذلك على شيء دل على أن عقولنا تبلدت.. وتاهت. ما جدوى.. أن نعرف ونُغرق أنفسنا في تفاصيل تقع تحت مسمى ثقافة المبالغة فيكون حالنا العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن تأخذنا قضايا تفصيلية لشخصيات أثروا.. وأثروا ببصماتهم نهج الوطن و فارقوا الحياة تاركين لنا وطناً يمتد على مرأى العين ونحن نغرق في خفاياهم، فبعِلمنا بتفصيلاتهم وخبايا تاريخهم نقع تحت العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن نقتل قضايانا الكبيرة لأن من ورائها بناء الوطن.. والحفاظ عليه فنعجز عن التسليم بذلك فنتوه بأنفسنا والبسطاء من شعبنا في تفاصيل تقع تحت.. العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن نُجهز على الكتابة بالأبجدية والتمتع بنشيد الحروف عرفاناً لتاريخنا ونفسد أنفسنا والجميع من حولنا بتفاصيل كلها تقع تحت العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن نُريق ما تبقى من ماء الوجهة ونقتل النظرة الأفقية في أحداق أطفالنا، وهم ينظرون إلينا بروح ملائكية وندمر كل جميل.. ونكتفي بالنواح أمامهم، لنقتل فيهم كل ذرة حب لهذا الوطن، ونشغلهم بتفاصيل تقع تحت العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن نُحرم أطفالنا من طابور الصباح، وحماس الإنشاد للوطن كما كنا صغاراً، وما جدوى أن نحرمهم هيبة ورهبة المُعلم والعلم، ونحرمهم أن يتصلبوا فوق مقاعدهم كالجماد كما كنا يوم كان للخوف في أعماقنا مدائن، يومها كنا نغرس في نفوسنا حب الوطن فما سقطنا في تفاصيل تقع جملتها تحت العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن نقتل في أطفالنا النخوة، ونقتل فيهم أيضاً الكرامة، وأن الحرية شيء مقدس تنتهي وتقف عندما تضر بالوطن، فلا ندوس باسم الحرية على وطننا بالأقدام، ونُدنس الأيادي بالحرام، ونحن نرفع شعارات تُغرق الجميع في تفاصيل العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. وهذا من باب تضييق الحرية لو "فطن المؤمن". ما جدوى.. أن تصرخ في هذا الزمن الأصم وكأننا لا نعرف أنفسنا ونستسلم ونُسلم أنفسنا لأعداء الوطن فيجدوا فينا ضالتهم ويغرقونا في تفاصيل تقع تحت العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. ما جدوى.. أن تكون سياسياً لامعاً، أو صحفياً ماهراً، وتخوض في تفاصيل تقع تحت العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر.. لتهدئ تأنيب الضمير لديك في قضايا نحن في أمس الحاجة لأن تناضل من أجلها.. لتقود هذا الوطن نحو غٍد مشرق. ويبقى سؤالي الأخير ما جدوى أن نغرق بكل تلك التفاصيل...؟ (شعب المصادفات التاريخية) إننا بكل أسف، شعب المصادفات التاريخية، بالمصادفة نحب، وبالمصادفة نكره، وبالمصادفة نتحد، وبالمصادفة ننفصل، وبالمصادفة ندخل الحروب، وبالمصادفة نخرج منها، وبالمصادفة نولد، وبالمصادفة نموت... نزار قباني