منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، فرضت سلطات الاحتلال حالة طوارئ عامة وإجراءات أمنية مشدّدة على الجبهة الداخلية، إذ أُغلقت المدارس وتعطّلت الأنشطة التعليمية، فيما حُظر أي تجمّع عام، وأُجبر الموظفون على العمل من منازلهم. وشمل الحظر أيضاً، في الأيام الأولى للحرب، تعليق جميع الفعّاليات والتجمّعات العامة، فضلاً عن الأعمال والمصالح غير الحيوية. وبعد خمسة أيام، خفّفت «قيادة الجبهة الداخلية» بعض القيود، سامحةً بالتجمّعات حتى 50 شخصاً بشرط وجود ملجأ صالح في المكان؛ كما سُمح بالعمل في أماكن عمل تحتوي على ملاجئ، مع استمرار تعليق الأنشطة التعليمية. لكن بعد وقت قصير، أعادت سلطات الاحتلال رفع حالة التأهّب، وتراجعت عن تخفيف بعض الإجراءات، وذلك بفعل استمرار الضربات الصاروخية الإيرانية، وتلك التي يوجّهها «حزب الله» إلى شمال الأراضي المحتلة. وتحاول تل أبيب، جاهدةً، الدفع في اتجاه تخفيف الإجراءات الاحترازية، مروّجةً لكون الهجمات الصاروخية الإيرانية على الأراضي المحتلّة انخفضت بشكل كبير، بما يتيح للجبهة الداخلية تقليص القيود الأمنية. إلا أن الوقائع المتلاحقة منذ بداية الحرب، أظهرت عجز سلطات الاحتلال عن تحقيق ذلك التقليص، الأمر الذي يؤدّي إلى تفاقم الخسائر الاقتصادية، ويضغط بشكل متراكم على المستوطنين في مختلف جوانب حياتهم اليومية. ويبدو أن الاستراتيجية الصاروخية الإيرانية تقوم حالياً على تقليل عدد الصواريخ، في مقابل توزيعها على فترات زمنية متقاربة، بما يحرم الإسرائيليين من فترات راحة طويلة، ويسلّط مزيداً من الضغط على جبهتهم الداخلية لأطول فترة ممكنة. والجدير ذكره هنا أن آلية الإنذار في الكيان تقوم على مراحل متعدّدة؛ إذ تُرسل أولاً تنبيهات تحذيرية إلى المستوطنين، تليها إنذارات صوتية تُلزِم كلّ من يسمعها بالدخول فوراً إلى الملاجئ القريبة والبقاء فيها حتى صدور بيان صريح من جيش الاحتلال يسمح بالخروج. ومنذ اندلاع الحرب، يقضي ملايين المستوطنين ساعات طويلة داخل الملاجئ، ولا سيما في المدن الرئيسَة وخلال ساعات الليل. وبحسب صحيفة «هآرتس»، فإن نحو 1.3 مليون إسرائيلي يعيشون في المنطقة الممتدّة من الحدود مع لبنان حتى خطّ حيفا والوديان، يضطرون منذ عشرة أيام إلى العودة مراراً إلى الملاجئ، وذلك بسبب عمليات الإطلاق التي ينفّذها «حزب الله»، إضافة إلى الصواريخ التي تُطلق من إيران. أمّا على صعيد التعليم العالي، فأعلنت لجنة رؤساء الجامعات الإسرائيلية أن جميع جامعات الأبحاث ستؤجّل موعد استئناف الدراسة في الفصل الدراسي الثاني حتى 15 آذار/ مارس على الأقلّ، على أن يكون التعليم من بَعد ذلك عن بُعد أو وجاهياً، بحسب ما تسمح به تعليمات «قيادة الجبهة الداخلية». كما أعلنت بلدية تل أبيب أنه لا يمكن إقامة الأنشطة التعليمية في هذه المرحلة، وأنه لن يُفتتح جهاز التعليم في المدينة خلال هذا الأسبوع أيضاً. قدّرت «المالية» الإسرائيلية الخسائر الأسبوعية بنحو 6 مليارات دولار ويُظهِر الاقتصاد الإسرائيلي تأثّراً كبيراً بإجراءات الطوارئ، إذ قدّرت «وزارة المالية» الإسرائيلية الخسائر الأسبوعية بنحو 20 مليار شيكل، أي ما يقارب 6 مليارات دولار. وفي حين زعمت تقارير إعلامية أن هذه الخسائر قد تنخفض في حال تخفيف القيود، فإن ذلك لا يبدو ممكناً في الوقت الراهن. أمّا في حال استمرّت الحرب لمدة تُراوِح بين أربعة وستة أسابيع، وفق تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فإن «خسائر إسرائيل قد تتجاوز 100 مليار شيكل، أي ما يقارب 28 مليار دولار». وبناءً على ما تقدّم، رفعت حكومة الاحتلال موازنة الدفاع بإضافة 9 مليارات شيكل، لتصل إلى 121 مليار شيكل، مقابل 112 ملياراً كانت مُخطَّطة سابقاً، فيما أقرّ وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بأن «النمو الاقتصادي قد ينكمش بنسبة تصل إلى 0.5 – 1% بسبب هذه الحرب، مع توقّع تراجع إيرادات الدولة الضريبية». وتنقسم تكلفة الحرب على الخزينة الإسرائيلية إلى قسمين: التكلفة العسكرية المباشرة، والتي تشمل الذخيرة وتحليق الطيران الحربي واستدعاء قوات الاحتياط واستخدام منظومات الدفاع الجوي وغيرها؛ والقسم الثاني يتعلّق بفقدان الناتج، الناجم عن تعطيل الأنشطة الاقتصادية. وبلغت التكلفة العسكرية في الحرب السابقة على إيران، نحو 20 مليار شيكل، ما يعني أن تكلفة الحرب الحالية، في حال استمرّت أربعة أسابيع، قد تُراوِح بين 40 و50 مليار شيكل. ويأتي ذلك في ظلّ استخدام كميات أكبر من الذخائر مقارنة بالجولة السابقة، وفق ما ذكرت صحيفة «ذي ماركر». وفي المقابل، يؤدّي إطلاق إيران صواريخ باتجاه دول في الخليج إلى تقليص استخدام الدفاعات الجوية الإسرائيلية في تلك الساحات، إلا أن هذه الدفاعات تُستخدم بكثافة الآن لاعتراض الصواريخ والطائرات المُسيّرة التي يطلقها «حزب الله» في اتجاه إسرائيل، وهو ما لم يحدث في حزيران. أمّا على صعيد الأنشطة الاقتصادية، فتبلغ خسائر المرافق الاقتصادية، وفق تقديرات جناح كبير الاقتصاديين في «وزارة المالية»، نحو 9 مليارات شيكل أسبوعياً، بينها مليار شيكل نتيجة تعطيل جهاز التعليم. وفي حال استمرار الحرب على إيران بالشكل الحالي لمدة أربعة أسابيع، قد ترتفع هذه الخسائر إلى ما بين 30 و40 ملياراً. وتضاف إلى ذلك، تكلفة الأضرار التي تلحق بالممتلكات نتيجة سقوط الصواريخ الإيرانية داخل الأراضي المحتلة، والتي بلغت خلال حرب الأيام ال12 نحو 5 مليارات شيكل. وفي الوقت نفسه، انعكست هذه الضغوط على الأسواق المالية المحلية، إذ شهدت «بورصة تل أبيب» اضطراباً ملحوظاً، في حين سجّلت قطاعات متعدّدة، ولا سيما قطاع السياحة، خسائر كبيرة. وبحسب تقرير نشره موقع «واللا»، فإن «السياح الوافدين إلى إسرائيل سيتأثّرون بشكل كبير في ظلّ توقف الرحلات الدولية وتراجع الإقبال على زيارة الأراضي المحتلة». كذلك، أدّت الحرب إلى تعطيل جزئي لحركة التجارة عبر الخليج وإغلاق موانئ جوية كبرى في المنطقة، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على سلاسل التوريد العالمية ويؤثّر في الصادرات الإسرائيلية، ولا سيما في قطاعَي الطاقة والزراعة.