تحوّلت المعاناة في عدن إلى نمط حياة يومي، حيث لم يعد المواطن يسعى سوى للعيش في يوم عادي بلا أزمة جديدة. ومع حلول الشهر الكريم، تصدّر طفح البيارات المشهد في أحياء المدينة، محوّلاً الظاهرة من مشكلة خدمية عابرة إلى معضلة صحية وبيئية تؤثر مباشرة على حياة السكان، في شوارع تغمرها المياه الآسنة وروائح خانقة، وسط مخاوف من انتشار الأمراض. تعود أسباب طفح البيارات أساسًا إلى تهالك شبكات الصرف الصحي، وانسداد الأنابيب، وغياب الصيانة الدورية، مع توسع عمراني لم يواكبه تطوير للبنية التحتية. إلا أن المشكلة في عدن ليست مجرد خلل فني، بل نتيجة تراكم سنوات الإهمال وغياب المعالجات الجذرية، فيما تقتصر تدخلات الجهات المختصة غالبًا على حلول إسعافية مؤقتة تنتهي بانتهاء الضجة الإعلامية لتعود الأزمة مجددًا.
ولا تقل أزمة الغاز المنزلي قسوة، إذ يقف المواطن في طوابير طويلة للحصول على أسطوانة الغاز، مع ارتفاع الأسعار في السوق السوداء وتعطّل حياة الأسر، لتصبح الأزمة انعكاسًا لفشل منظومة التوزيع والإدارة، وليس مجرد نقص مؤقت.
وسط هذه الأزمات المتزامنة، يطرح الشارع العدني تساؤلات حول أسباب تفاقم الأوضاع تحديدًا في عدن، في ظل صراعات إدارية وضغوط سياسية على بعض المسؤولين المحليين. غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في تراكم عوامل الإهمال الإداري، ضعف التخطيط، وغياب الرقابة والمحاسبة، ما يجعل كل معالجة مؤقتة بلا جدوى.
ما يحتاجه المواطن اليوم هو إدارة حقيقية للأزمات، تشمل إعادة تأهيل شاملة لشبكات الصرف الصحي، وخطط صيانة دورية واضحة، وتنظيم دقيق لآليات توريد الغاز، لضمان وصوله للمستحقين ومنع الاحتكار.
إذا استمرت هذه السياسات، فإن عدن لن تكون فقط مدينة تتعرض للأزمات من شارع إلى آخر، بل ستفقد ثقة المواطنين بمؤسسات الإدارة المحلية، فيما يبقى الأمل معلقًا على إرادة حقيقية تعيد للخدمات العامة معناها، ولحياة الناس بعض الاستقرار الذي طال انتظاره.