*- شبوة برس - علي بريك عبدالله لحمر العولقي تتجاوز الحروب في معناها التقليدي فكرة الصدام العسكري المباشر لتكشف عن فجوات سحيقة في الوجدان الجمعي والبناء الثقافي. ما يشهده الجنوب واليمن اليوم ليس مجرد نزاع سياسي على سلطة أو جغرافيا بل هو تصادم حضاري وقيمي ناتج عن محاولة دمج قسري بين ثقافتين متناقضين تماماً في الرؤية والمنهج وأخلاقيات الدولة.
ثقافة النظام مقابل ثقافة "الفيد"
إن جذور الدماء التي تُسفك اليوم تعود إلى فشل مشروع الوحدة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية وهو فشل لم يكن سياسياً فحسب بل كان بنيوياً. ثقافة الجنوب العربي: تأسست على قدسية النظام والقانون وتغليب المصلحة العامة على الأطماع الفردية. شعب الجنوب تربئ على نبذ الثارات والفتن مؤمناً بأن مصلحة الفرد هي ثمرة طبيعية لاستقرار المجتمع وازدهاره. ثقافة الشمال (الجمهورية العربية اليمنية): قامت للأسف على تكريس "الفيد" والنهب واعتبار المصلحة الفردية والقبلية فوق كل اعتبار وطني. هذه الثقافة تشجع على الفتن وتقتات على الحروب مما جعلها في صدام مستمر مع كل ما يمت للمؤسسات والقانون بصلة.
دلالات الدم: الشهيد محمد عمر العولقي نموذجاً
لم تكن جريمة قتل الشهيد محمد عمر العولقي في مأرب مجرد حادثة جنائية عابرة بل هي مرآة عاكسة لهذا الاختلاف الثقافي العميق. أن يُقتل إنسان "بدم بارد" لمجرد حمله صورة الزعيم الجنوبي عيدروس الزبيدي فهذا يعني أننا أمام عقلية لا تقبل الآخر ولا تعترف بخصوصيته الهوية.
في الجنوب قد تجد من يرفع صورة القائد ومن يختلف معه في الرأي يسيرون في شارع واحد دون شجار لأن "ثقافة الشعب الواحد" تحترم التباين تحت سقف شعب وهويه واحده. أما ما حدث في مأرب فهو تأكيد على أننا شعبان لا شعب واحد وأن محاولة محو الهوية الجنوبية لن تمر إلا عبر جسور من الأشلاء وهو ما يرفضه الواقع والتاريخ.
استحالة التعايش في ظل مشروع وحده فاشله إن استمرار الإصرار على مشروع "الجمهورية اليمنية" هو في الحقيقة إصرار على استمرار نزيف الدم والإرهاب. "لو كان الجنوب دولة مستقلة وذهب الشهيد محمد عمر إلى دولة اليمن الشقيق كزائر لما تجرأ أحد على المساس به لأنه حينها سيمثل سيادة وشعباً وهوية معترفاً بها." لكن ما يحدث الآن هو محاولة ممنهجة ل "تصفية شعب بكامله" معنوياً وجسدياً لفرض ثقافة الضم والإلحاق. إن بقاء هذا المشروع يعني منح رخصة مفتوحة للقتل والتنكيل بكل من يفتخر بهويته وقادته. إن الحفاظ على الأرواح وحقن الدماء لن يتأتى إلا بالاعتراف بالواقع وهو العودة إلى نظام الدولتين ما قبل عام 1990. فإلغاء "الجمهورية اليمنية" والعودة إلى استقلال الجنوب ليس مطلباً سياسياً فحسب بل هو ضرورة إنسانية وأخلاقية لإنهاء الإرهاب وتكريس ثقافة السلام بدلاً من ثقافة الثأر.
سيبقى استعادة دولتنا هو الهدف والغاية والدم الذي سُفك لن يزيدنا إلا إصراراً على انتزاع حقنا في الوجود.
العين بالعين.. والسن بالسن.. والبادي أظلم
لكن إرادة الشعوب لا تُكسر وسيظل شعب الجنوب متمسكًا بهويته وحقه في الكرامة والعيش بحرية موحدًا صفه في سبيل حماية أرضه وثقافته ومستقبله واستعادة دولته الجنوبيه.