ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو سماعي مداخلات "ومشادات ناعمة لكنها حساسة" بين السيد عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية سابقا ،والكاتب الساسي الدكتور عبدالخالق عبدالله في ندوة عقدت في ابوظبي حول الأمن العربي، أثارها الدكتور عبد الخالق عندما قال : ان دول الخليج اليوم اصبحت تدافع عن الأمن القومي العربي بعد تراجع كل من مصر وسوريا . ( الندوة في اليوتيوب لمن اراد مراجعتها). نقول اننا في لحظة تاريخية فارقة، وجد العالم العربي نفسه أمام سؤال وجودي: هل ما زال "الأمن القومي العربي" مفهوماً قابلاً للحياة، أم أنه أصبح إرثاً من الماضي تجاوزته صراعات المصالح القطرية؟ إن الانكشاف الاستراتيجي الذي تعيشه المنطقة اليوم، وتحول جغرافيتها إلى ساحة لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية كما نشهده اليوم، يفرض علينا إعادة تعريف الأمن القومي ليس كشعار عاطفي، بل كضرورة للبقاء. لكن لابد أن نعرف الخطوات التي تحقق ذلك وهي: 1 - تشخيص "الجسد المنهك" (أين الخلل؟): المعضلة الكبرى التي واجهت العمل العربي المشترك لم تكن يوماً نقصاً في العتاد أو الثروات، بل في "تشتت تعريف التهديد ومصدره".. من هو العدو ؟؟؟. فبينما كانت الاتفاقيات الدفاعية القديمة تركز على العدو الخارجي التقليدي، استجدت تهديدات داخلية وعابرة للحدود مثل (الإرهاب، التدخلات الإقليمية، الحروب السيبرانية) وهذه جعلت من مفهوم "الأمن الجماعي" مفككاً أمام "الأمن القطري او المحلي" الذي بحثت فيه كل دولة عن نجاتها المنفردة. 2 - الأمن الشامل : إعادة الروح للأمن القومي تبدأ من إدراك أن الأمن العسكري وحده لا يكفي. وإن التحديات الراهنة تفرض التحول نحو "الأمن الشامل" الذي يرتكز على ثلاثة أعمدة: - الأمن المائي والغذائي: في ظل التغير المناخي والتحكم في منابع الأنهار، أصبح رغيف الخبز وقطرة الماء هما الخط الأول للدفاع عن السيادة، وما حدث من أزمة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا بعد إنشاء " سد النهضة " خير دليل على تهديد الأمن. - الأمن "السيبراني" والذكاء الاصطناعي: في عصر الحروب الرقمية، من لا يملك سيادته التقنية يظل مكشوفاً استخباراتياً وعسكرياً. والعالم العربي كله لازال مكشوف حتى في ظل محاولات البعض إنشاء حوكمة رقمية ! لكنها مرتبطة بالخبرات السيادية الأجنبية. - الطاقة والممرات: يمكن استثمار السيطرة العربية على أهم مضائق العالم (مضيق هرمز، باب المندب، السويس) كأوراق ضغط سياسية لا كمجرد ممرات تجارية، لكن هذا لن يتأتى إلا بوجود تكامل في جميع المجالات. 3 - خارطة الطريق للعودة .. كيف نعود؟: إن إحياء هذا الجسد المتهالك يتطلب الانتقال من "سياسة رد الفعل" الموجودة حالياً إلى "استراتيجية المبادرة" وتقديم المصالح العلياء على المصالح الذاتية ،وذلك عبر: - بناء الثقة أو ما يسمى (الواقعية السياسية): البدء بتعاون أمني واقتصادي في الملفات "غير الخلافية" لتمهيد الطريق لقرارات سيادية كبرى تخدم العودة إلى بناء جسد عربي متكامل. - تحديث الأدوات: تفعيل مجلس الدفاع العربي المشترك وتطوير آليات فض النزاعات " العربية-العربية " لقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية. - التصنيع العسكري المشترك: وهذا مهم لتقليل الارتهان للخارج في تسليح الجيوش العربية، مما يمنح القرار السياسي استقلالية حقيقية. إرادة المصير المشترك: إن الأمن القومي العربي ليس مجرد "خيار"، بل هو "قدر". والتاريخ يعلمنا أن الكيانات الصغيرة، مهما بلغت ثرواتها، تظل هشة أمام الأطماع الكبرى ما لم تستظل بمظلة أمنية عربية تحمي مصالحها العليا. إن إعادة الروح للأمن العربي ليست مستحيلة، لكنها تتطلب شجاعة سياسية تؤمن بأن أمن "العاصمة العربية" يبدأ من استقرار جارتها، وأن قوتنا في تكتلنا، وضعفنا في عزلتنا. السؤال الذي لابد منه : هل سننتظر كارثة أخرى لندرك أهمية وحدتنا، أم سنبادر لصناعة مستقبلنا بأيدينا؟