تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد العربي بشكل واضح منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، مستعرضة قوتها التأثيرية الهائلة، ومن المغرب إلى المشرق. وللسؤال عن مصلحة وأهداف المملكة من اتجاهاتها السياسية إزاء هذه البلدان وثوراتها كثير من الإجابات، وواحدة من النقاط التي تكاد تكون محل اتفاق مفادها أن المملكة تخشى نجاح هذه الثورات وانتقالها إليها بالعدوى. في بدايات الثورة اليمنية وصف علي صالح خروج الشعب اليمني ضده بأنه تقليد لما حدث في تونس ومصر، وهو القول الذي ظل محل سخرية الجميع، إلا أن هؤلاء الجميع يكادون يتفقون اليوم على القول بخوف السعودية من انتقال الثورة إليها بالعدوى، ويا ترى ما الفرق بين من يقول إن الثورات تنتقل بالتقليد، ومن يقول إنها تنتقل بالعدوى!؟ يمكن انخراط مجاميع كبيرة في موضة من موضات الملابس، أو قصات الشعر، ونحو ذلك، أما أن يخرج شعب بأسره مضحيا بأمنه ومُخاطرا باستقراره ومقدما خيرة شبابه ورجاله ونسائه لمجرد الأخذ بالموضة الثورية، فهذا منطق لا يستقيم وفيه إجحاف فاحش بحق الشعوب وظلم بشع بحق المبادئ الثورية وتطلعات أبنائها. إن من المستحيل وفق كل الفهوم أن توصف أي حركة شعبية بأنها ثورة ما لم تكن قد استوفت شروط الثورة ومبرراتها ومسوغاتها من العناء المتراكم والاحتقان والانسداد الذي فُقد الأمل بتجاوزه بغير الثورة، ومن المستحيل أن تصمد ثورة شعبية لبضعة أيام أمام ما يواجهها من القمع والقتل والحديد والنار ما لم تستمد حياتها من التفاف الغالبية العظمى من الشعب حول أهدافها، والإصرار والثقة بالنصر واسترخاص كل شيء من أجل تلك الأهداف، وهو ما لا يمكن أن يتحصل بمجرد الرغبة في الخروج تقليدا لهذا الشعب أو ذاك. والتتابع في ثورات الربيع العربي ابتداء من تونس، فمصر، فاليمن وليبيا وسوريا، لا يعني انتقال الثورات بين هذه الدول بالعدوى، بل اكتسبت الثورة في كل منها مبرراتها ومسوغاتها من واقعها، ولم تكن الثورة الأولى إلا بمثابة عامل تهييج للشعب الآخر، ودليل له على الطريق. ولو لم تندلع الثورة الأولى من تونس لاندلعت في مصر، أو من ليبيا أو من أي دولة أخرى، وبغض النظر عن الطريقة التي كانت ستندلع بها والآلية التي ستتبعها. بل لقد سبق اليمنيون الشعب التونسي والمصري واندلعت ثورته من المحافظات الجنوبية مطلع العام 2007م لولا أن خصوم تلك الثورة في داخلها وخارجها تمكنوا من حرف مسارها عن الطريق. وإذا كان هذا الشعب قد نقل ثورته إلى ذاك الشعب بالعدوى "فمن أعدى الأول"!؟ وإذا كانت الثورة تنتقل بالعدوى فلماذا اقتصرت على هذه الدول ولم تتجاوزها إلى غيرها..!؟ من هذه المقدمة أخلص إلى القول بأن خوف المملكة من انتقال الثورات إليها قول مخالف للصواب، وإذا صح أنها تخاف فعلا من هذه العدوى فهي المخطئة البعيدة كل البعد عن الحقيقة. إن الثورة لا يمكن أن تندلع ما لم تكن بذورها كامنة في التربة الجافة بهذه الدولة منتظرة موسم المطر وإن طال انتظارها، وما إن يهطل حتى تنمو وتبدأ بالانعتاق من تحت التراب متسامية نحو السماء، وإذا الأرض تتشقق عنها مهما كانت صلابتها. تطمئن الإدارة السعودية إلى أنه لا يلوح لها بوادر احتقان شعبي ضدها، تبعا لجودة خدماتها المتصلة بحياة الناس بشكل مباشر من صحة وتعليم وأمن ونظام وقانون، وإلى آخر ذلك مما يتوفر بدرجة عالية، إضافة إلى الرخاء المعيشي للغالبية من الشعب، وترى في هذا عوضا عن افتقاد الشعب لأمور كثيرة من مبادئ الديمرقراطية والحريات والتوزيع العادل للثروة مما لا يدرك أهميته وقيمته إلا النخب المنفصلة -في الغالب- عن الشارع، أو ضعيفة الأثر. وتغفل -أثناء ذلك- عن أن المزاج الشعبي يتمتع بقدرة هائلة على تحمل أخطاء حكامه، ومراكمة أخطائهم، لكنه لا ينسى شيئا، وعندما ينفجر فإنه لا يحتاج للتعبير التدريجي عن سخطه، ولا يحتاج لمبررات الخروج. وإن الرخاء المعيشي قد يكون سببا لتأجيل مطالب التغيير الجماهيرية، سواء كانت هذه المطالب في شكل ثورات أو فعاليات وأشكال أخرى التعبير، إلا أنه لا يمكن التعويل كثيرا على الرخاء المعيشي، فقد يكون الغنى عاملا من عوامل التسريع بالثورات ومطالب التغيير، لأن الفقراء هم الأقرب -في الغالب- إلى سيطرة الحكومات لا الأغنياء، والأغنياء والطبقات المتوسطة هم الذين يقومون في الغالب بقيادة هذا النوع من التغيير لا الفقراء. وإن تحالف الإدارة السعودية مع الأمريكان يشكل عاملا من عوامل ضمان استقرار البلد ونظام الحكم في مواجهة التهديدات العسكرية الخارجية، أما المشكلات الداخلية التي يكون الشعب طرفاً فيها فالتحالف مع الأمريكان قد يكون بحد ذاته سببا لتفاقم المشكلة وليس العكس. لم تعد سياسة إغلاق النوافذ من الداخل مجدية في عصر السقوف المرفوعة والسماوات المفتوحة. والمواطن السعودي الذي كان منغلقا على نفسه، ممنوعا من الفضائيات والانترنت ونوافذ المعرفة والإطلال على العالم، أصبح اليوم يحمل العالم في جيبه، ولابد من الاستجابة لتطوره، ومجاراة عصره وتلبية ما أمكن من طموحات أجياله، وكل تقصير عن هذا يعني أن هناك ما يساويه بالمقابل من تراكم الاحتقان. لقد أقرت المملكة انتخابات البلدية، وأدخلت عنصر المرأة إلى مجلس الشورى، لكنها لم تفعل هذا إلا للتخلص من "زنّ" الحلفاء الأمريكان على أذنها، وللتخلص من تكرارهم للنصائح بهذا الشأن وليس عن قناعة بضرورة هذا التوجه وجدواه وأهميته للمواطن ولاستقرار المجتمع والدولة ونظام الحكم. ولو كانت تفعل ذلك عن قناعة لكانت ملامح التطور في هذه التجربة قد اتضحت وانعكست على سياستها الخارجية، وفي المقدمة إزاء دول الجوار والربيع العربي، إلا أن المملكة ما تزال تعتمد على آلياتها وأدواتها التقليدية ومواقفها المستغفلة للرأي العام السعودي والإسلامي، إذ لا تعترف في هذه الدول بأدوات الديمقراطية، ولا منظمات مجتمع مدني، ولا شيء من حرية الصحافة، ولا انتخابات، ولا مسيرات ومظاهرات واعتصامات، ولا، ولا، ولا.. إلخ. بل لا تقتصر على عدم الاعتراف بها، وتتعدى ذلك إلى اعتبار هذه المظاهر والمؤسسات الديمقراطية خصما لها يجب مناصبته العداء. فعلى أنه ليس للمملكة خصوم في اليمن -على سبيل المثال- باستثناء الحوثيين، إلا أن سياسة المملكة كما لو أنها تريد أن تجعل من الجميع خصوماً لها، إذ تتعامل معهم على أنهم خصوم. ولا تزال المملكة تمضي في سياستها ومواقفها الخارجية بعيدا عن الاعتقاد بأن الشعب السعودي يتابعها ويراكم مخرجات هذه السياسة لديه سلباً وإيجاباً. وأسوأ ما في الأمر أنها قد تتفاجأ ذات يوم بذهنية الشعب السعودي وقد سقطت منها صورة رموز مليكه المؤطرة بشيء من الهالة البالغة حد أن الكثير يعتبرونه كما لو أنه آخر الخلفاء الراشدين، إذ لن يكون بمقدور هذه الصورة الصمود لفترة طويلة وهي معلقة على الجدار ومقاومة الاهتزازات العنيفة في المبنى. يعتمد النظام السعودي منذ تأسيس دولته قبل نحو (85) عاما من بين أهم قواعده على المؤسسة الدينية -بالتعبير العلماني- وعلى أشد المذاهب تشددا في تحريم الخروج على الحاكم، بل والأغلبية في هذا المذهب لا يجيزون اليوم مجرد النصيحة العلنية للحاكم. وفجأة -كما تشير تناولات سابقة للأستاذين علي الجرادي ومحمد الغابري- يصدر النظام توجيهاته لاعتقال أحد رموز قيادات الرأي العام في المملكة لأنه أعلن رفضه للانقلاب على الحاكم في مصر. لم تسجل تداعيات مقلقة لهذا الأمر، إذ سرعان ما أفرج عن الرجل، أو هكذا اعتقدت الإدارة السعودية، غافلة عن أن الأمر لم ينته هناك على أرض الواقع، وأن هذه الهزة عنيفة بما يجعلها تدور في الوسط الشعبي لزمن طويل، وأن تفاصيلها ستظل تعتمل وتختلج في الذهنية الفقهية ذات التأثير الأوسع على الرأي العام السعودي، وبما يبرر استعادة تلك التقارير التي تحدثت سابقا عن نكاية النظام السعودي بالإخوان المسلمين من خلال تقديم الدعم أو التعاون مع إسرائيل أثناء اجتياحها لقطاع غزة، وإعادة التفكير في احتمال صحة ذلك من عدمه، وستضاف هذه وتلك إلى المواقف السابقة، وستضاف إليها المواقف اللاحقة ابتداء من موقف الإدارة السعودية من مجازر سوريا التي أرادت المملكة أن تظل ثورة شعبها معلقة، وصولاً إلى مجازر نظام الانقلاب العسكري في مصر، والآتي أكثر. وفيما لا تنظر الإدارة السعودية إلى أبعد من الخدمات المباشرة المتوفرة للشعب السعودي، معتبرة ذلك عامل التطمين المستديم لها، ربما تفاجأ بأن الشعب السعودي قد راكم أخطاء سياستها ومواقفها الخارجية قبل الداخلية، ولن يعدم سببا ومبررا لتفريغ احتقانه في أي حين، إذ يرى نفسه مسؤولا عن هذه المجازر التي ترتكب بأمواله وثرواته في حق إخوانه هنا وهناك. نعم، من المبالغة تبطين الكلام في الوقت الراهن تحذيرا للنظام السعودي من ثورة شعبية وفق المعطيات الحالية، وإنما هو إشارة إلى أن الثورات والاحتجاجات المعبرة عن الاحتقانات الشعبية لا تكون بحاجة إلى مبرر مقنع متى استوفت شروطها، وهذه ثورات الربيع العربي انطلقت إثر قيام "محمد البوعزيزي" بإحراق نفسه احتجاجا على ما تعرض له من تعسف في قسم الشرطة، وكم هم الذين أحرقوا أنفسهم من قبله ولم يتحرك من أجلهم ساكن!؟ وإن ما تبنيه الأنظمة من الأفكار والدعاية لنفسها مستغلة قوة الدولة وثرواتها ومؤسساتها لا يمكنه الصمود أمام يقظة الشعوب للحظة من الزمن. وتلك هي القرون التي تسلط فيها المستعمر الأجنبي على عدد من الأقطار العربية، كيف انتهت بنضال عقدين إلى ثلاثة رغم شحة إمكانية ذلك النضال؟ ويشير أحدهم إلى أن نضال بعض النخبة في ثلاثينات القرن الماضي رغم شحة إمكانياتهم يومها قد تتوج بحركة جماهيرية كبرى في ثورة 26 سبتمبر 62م، فإذا ثلاثة عقود فقط تتكفل بنسف مفاهيم الانقياد المطلق للحاكم التي عملت الأنظمة المتعاقبة على ترسيخها في أذهان الشعب اليمني في أكثر من ألف وثلاثمائة سنة، كما تتوجت نضالات عقود مماثلة في الشطر الجنوبي بثورة 14 أكتوبر 63 التي نسفت قرناً ونصف قرن من جهود المستعمر التي بذلها بإمكانياته العلمية والمالية والعسكرية الهائلة من أجل ترسيخ وجوده، بل وكانت ثورة بعد ذلك على ثقافة السلطنات المتسلطة منذ مئات السنين. وتلك هي معادلة الحق والباطل، (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)، والآية تقرر أن الباطل مهما طال ومهما ترسخ فإنه سرعان ما ينهزم أمام الحق متى جاء، و"زهوق" صيغة مبالغة، و"كان" يفيد أن صفة "الزهوق" ملازمة للباطل متى جاء الحق تلازما مؤكدا وفي كل الأزمان، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.