الحوار المرتقب إجراؤه ضرورة وطنية، قبل أن يكون جزءاً من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، للخروج باليمن من دوامة الصراعات والأزمات التي ورثناها منذ خمسين عاماً عقب قيام النظام الجمهوري وحتى اليوم.. إضافة إلى التركة الثقيلة التي خلفها لنا النظام السابق من بلد ينخره الفساد والفقر والفوضى، ويوشك على السقوط في متاهات التفكك والضياع. حتى اليوم وبعد خمسين عاماً على قيام ثورة 26 سبتمبر لم تستطع القوى السياسية والنخب المثقفة وقادة الأحزاب.. أن تنجز لنا مشروعاً وطنياً نحتكم إليه، ونبني عليه أسس ومقومات الدولة، ونظام الحكم الذي يكفل للجميع الشراكة، والحرية والعدالة.. لتتمكن من إنقاذ البلد وإيجاد الدولة. هذا الحوار ليس تكملة للآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية، ولا محاصصة بين القوى السياسية، كما يفهمه البعض ولديه مشاريع أخرى لإجهاضه.. هذا الحوار نريده حواراً وطنياً ومشروعاً يمنياً خالصاً لبناء الدولة اليمنية الحديثة.. دولة القانون والمؤسسات دولة العدالة والحرية والمساواة وهو خارطة طريق لنا وللأجيال القادمة.. فهل ستتمكن هذه القوى السياسية وقادة الأحزاب من إنجاز المشروع الوطني، بتوافق ومسئولية، الذي يليق بنا كيمنيين أصحاب حضارة شورية موغلة في التاريخ؟! هذا الحوار المنتظر، وبعيداً عن المحاصصة، هو حوار بين اليمنيين أولاً وأخيراً.. وهو نافذتنا الوحيدة نحو المستقبل وفرصتنا الأخيرة لنكون دولة نظام وقانون أو لا نكون. فإما أنجزنا هذا الحوار بأمانة وحب لليمن أولاً، وتجردنا من كل أفكارنا الضيقة ومشاريعنا الصغيرة، وعباءاتنا الحزبية المقيتة، ودخلنا في مشروعنا الكبير “اليمن للجميع” على قاعدة الشراكة والقبول بالآخر، وصغنا عقداً اجتماعياً جديداً بتوافق دون اقصاء وتهميش، ليرسم لنا طريق المستقبل حتى ننقذ البلد مما يراد له من التفكك والانقسام، مهما واجهتنا الصعاب ووضعت في طريق الحوار المطبات والعراقيل.. يجب أن ننجز هذا الحوار وإما سرنا في طريق المماحكات والتوجس والإقصاء وعجزنا عن تقديم مشروع وطني كعادتنا دائماً ينقذ البلد، وحينها لا أحد يستطيع التكهن بمدى الفوضى والسير في دروب المجهول الذي ينتظرنا. ولكن قبل الولوج إلى أروقة النقاش وإجراء الحوار، ثمة شعور بالإحباط لدى العامة مما يجري اليوم في البلد من الانفلات الأمني وعدم الاستقرار.. وأن الثورة في خطر.. فما زالت القوى الرافضة للتغيير والتسوية السياسية تتربص بالوطن شراً.. وثمة شعور أيضاً بأن عجلة التغيير تسير ببطء شديد، ولدى شباب الثورة خاصة إحساس بالقهر لأن عدالة الثورة لم تنصفهم، ممن ظلمهم وهم يرون من ثاروا عليهم طلقاء، بل ومحصنين قضائياً..ومع كل هذا الشعور بالتذمر والإحباط لابد من تهيئة الأرضية الهادئة والمناخ الملائم لإجراء الحوار، وتهيئة النفوس والعقول وإزالة ما علق بها من مشاحنات ومكايدات سياسية، وعداء وكراهية الآخر.. وتهيئة الرأي العام لقبول الحوار.. تلطيف الأجواء السياسية الساخنة والمشحونة وبالتوتر والتعصب.. وهذا لن يكون إلا بفرض هيبة الدولة وإعمال القانون على الجميع، وضبط الجناة والمخربين والمعتدين على أبراج الكهرباء وأنابيب النفط، واتخاذ حزمة قرارات شجاعة وجريئة، وحكيمة في نفس الوقت تزيل الشعور بالتذمر والإحباط، وتنصف شهداء وجرحى الثورة.. وتعيد الأمل والتفاؤل لإرادة الشعب واتخاذ إجراءات حاسمة ورادعة ضد كل من يعرقل مسار التسوية السياسية التي ارتضاها اليمنيون حقناً للدماء.. وسعياً للتوافق وبناء الوطن. يجب هيكلة الجيش وتوحيده تحت قيادة وطنية واحدة.. إذ كيف سندخل أجواء الحوار والجيش منقسم.. والأصبع على الزناد تنتظر وتترقب لحظة الانفجار وانتشار الأسلحة يغرق البلد.. ومظاهر الانفلات الأمني تعصف بالوطن شمالاً وجنوباً. ومع هذا كله يبقى الحوار أملنا الوحيد.. وطوق النجاة لنا جميعاً للوصول باليمن إلى بر الأمان.. فلنهيئ أنفسنا للدخول في الحوار الوطني بنفوس مطمئنة بالغد الأجمل وعزيمة لا تلين.. وإرادة لا تقهرها أوهام المرجفين. رابط المقال على الفيس بوك