مع انقضاء الأيام السبعة الأولى من شهر رمضان المبارك، نجد أنفسنا لا نزال في رحاب "عشر الرحمة"؛ تلك المحطة الربانية التي وصفها المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: "أوله رحمة". إنها دعوة إلهية للسكينة، وفرصة سانحة لا تزال قائمة لمراجعة الذات وتجديد الصلة بخالق الكون، بعيداً عن ضجيج الحياة ومعضلاتها. لا تيأس.. فالله سمى نفسه "الغفار" لأجلك رسالة الصيام في هذه الأيام هي رسالة أمل؛ فلا مكان لليأس مهما بلغت الأوزار، ولا سبيل للقنوط مهما تعاظمت الخطايا. إن المتأمل في أسماء الله الحسنى ك (الغفار، التواب، العفو، الكريم) يدرك يقيناً أنها لم تُجعل إلا لأننا نخطئ فيغفر، ونتعثر فيقيل عثراتنا. لقد جعل الله التوبة ملاذاً للخطاة، وأرسل الأنبياء هداةً للضالين، لتبقى أبواب السماء مفتوحة دائماً لكل من أضناه السعي في دروب الغفلة. التكافل الاجتماعي.. مظهر الرحمة العملي إن الرحمة الإلهية التي نطلبها في هذه العشر، تقتضي منا أن نرحم عباده؛ "إنما يرحم الله من عباده الرحماء". وهنا يتجلى التكافل الاجتماعي كأسمى صور العبادة في رمضان؛ فالأخ يواسي أخاه، والغني يتفقد جاره، والقوي يأخذ بيد الضعيف. إن إطعام جائع أو كفالة يتيم في هذه الأيام هي "رحمة" يجسدها المؤمن واقعاً ملموساً، لتكون صلاتنا وصيامنا حافزاً للبناء لا مجرد طقوسٍ عابرة. وحدة الصف: فريضة الوقت وضرورة الروح وفي ظل ما تمر به أمتنا ووطنا الغالي، تصبح وحدة الصف هي الثمرة المرجوة من صفاء النفوس في رمضان. إن الاستغفار يغسل أدران القلوب، والتواضع يزيل حواجز الكبر، مما يمهد الطريق لتوحيد الكلمة ونبذ الفرقة. إن قوتنا في اجتماعنا على الخير، ورحمة الله تنزل على الجماعة المتآلفة التي تسمو فوق الخلافات الضيقة من أجل المصلحة العليا للوطن والدين. بين ذل الضراعة وكبر المستغني إن الله سبحانه يحب السائلين، ويباهي بالضارعين الرافيع أكف التضرع على بابه، فهو لا يمل دعاء الداعين مهما كثرت مطالبهم. وفي المقابل، نجد التحذير الإلهي من "مقت الكبر"؛ ذلك الذي يظن في نفسه الاستغناء، أو يعتقد واهماً أنه بلغ غاية التقوى وقارب الكمال. إن أخطر ما يواجه المؤمن هو "الإعجاب بالنفس"، الذي يجعله ينظر للناس من علٍ، ويصافحهم بأطراف الأنامل كبراً. إن رمضان جاء ليكسر حدة هذا الغرور، ويعلمنا أن الكمال لله وحده، وأن طريق الجنة يمر عبر التواضع وحب الخير للناس. خاتمة المقال: لنغتنم ما تبقى من هذه العشر المباركة، ولنجعل من "الرحمة" سلوكاً نتبعه مع أنفسنا بالاستغفار، ومع الآخرين باللين والتواضع والتكافل. فمن رُحم في أول رمضان برحمته لإخوانه ووحدة صفه، فُتحت له أبواب المغفرة في أوسطه، واستحق العتق من النار في آخره.