تنظيمات السوق والالتزامات القبلية في إطار استكمال اتفاق قائم، وضع ذو محمد مجموعة مفصلة من القواعد التي تنظّم شؤون السوق، وتحدد آليات فضّ النزاعات، وتبيّن طبيعة المسؤولية بين القبائل المجاورة. ولا تقتصر هذه الإضافات على تأكيد الأعراف السابقة الموروثة، بل تسعى أيضًا إلى توضيح أساليب التنفيذ بما ينسجم مع منظومة قائمة على الشرف والعرف والمسؤولية الجماعية. يبدأ النص بالتأكيد على أن أحكام السوق صحيحة ونافذة وفق أصولها وسوابقها، وما هو مثبت في الوثيقة، ويُلزم كل من يرتكب مخالفة حدّية داخل السوق بتقديم تعويض يتمثل في ذبائح عقيرة. ورغم أن اللفظ جاء بصيغة المفرد، إلا أن المقصود غالبًا عدد من الذبائح يتناسب مع جسامة الفعل المرتكب، وهو ما يعكس طبيعة العقوبات في العرف القبلي التي تتدرج بحسب الضرر. وفيما يتعلق بحوادث الدم، يوضح النص أن المسؤولية تقع على عاتق «أهل الشهر»، وهم الجهة المكلفة بمتابعة هذه القضايا. فإذا وقع جرح أو قتل، وجب عليهم تحصيل «النقاء» بأربعة أضعاف، ويُفهم من ذلك أن المقصود ليس بالضرورة الأخذ بالثأر المباشر، بل تحقيق نوع من التعويض المضاعف كالدية أو ما يعادلها، بما يضمن إعادة التوازن وحفظ الكرامة الجماعية. كما يتطرق الاتفاق إلى مسألة المشاركة أو التواطؤ في المخالفات، فكل من يساند غيره أو ينحاز إليه في ارتكاب مخالفة داخل السوق، أو يتخذ موقفًا داعمًا له، فإنه لا يتحمل المسؤولية الفردية فحسب، بل يلحق العار بكفيله وب«أهل الشهر»، وهذا يعكس البنية الاجتماعية التي تقوم على الترابط، حيث يمتد أثر الفعل إلى شبكة العلاقات المحيطة بالفرد. ويبرز النص كذلك أهمية حرمة المكان، إذ ينص على أنه لا يجوز ل«شخص الشهر» أن يواجه المخالف داخل الحرم، وهو الفضاء المحمي داخل السوق، بل يجب تتبعه إلى خارج هذا النطاق قبل اتخاذ أي إجراء بحقه، ويهدف هذا الحكم إلى صون قدسية المكان ومنع انتهاكه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية تطبيق العدالة خارج حدوده. ويُعدّ إشهار السلاح داخل السوق من أخطر الانتهاكات، إذ يُوصف بأنه «تسويد للحرم»، أي تدنيس له وإساءة إلى مكانته، ويترتب على ذلك فرض غرامة محددة من الذبائح تُدفع حفظًا لشرف «أهل الشهر» وصونًا لهيبة السوق كمجال آمن ومنظّم. ويؤكد النص أيضًا أن ما وقع قبل إقرار هذه القواعد لا يُعدّ سابقة يُحتج بها، وأن العمل بهذه الأحكام يبدأ من تاريخ صدورها فقط، ويهدف هذا إلى وضع نقطة بداية واضحة تمنع الالتباس وتؤسس لمرجعية قانونية محددة. ولا تقتصر هذه الأحكام على داخل السوق، بل تمتد لتشمل العلاقة مع القبائل المجاورة «أرباع القبول»، فإذا أخفق أحد أفراد هذه القبائل في الوفاء بضمان أو التزام، وتم التشهير به في سوق العِنان بعد التشاور بين من حضر من ذو محمد في مجلس يُعقد يوم الاثنين، فإنه لا يُقبل منه صلح أو هدنة إلا إذا قدم رهنًا ذا قيمة. ويتمثل هذا الرهن في بندقيتين أو ثلاث أو أربع بنادق، تبلغ قيمتها الإجمالية مئة قطعة فضية، وتُعرف هذه البنادق أحيانًا ب«بنادق البيضاء»، وهي ليست مجرد أدوات، بل تمثل التزامًا واضحًا: إما أن يفي المخالف بما عليه، أو يخضع لحكم الطرف المتضرر، وعند تسليم هذا الرهن يمكن المضي نحو التسوية. ويُترك القرار النهائي في هذه الحالات لذو محمد مجتمعين، حيث يتم التداول والتشاور قبل إصدار الحكم، وهو ما يُعبّر عنه بعبارة «بالرضا»، التي تشير إلى عملية نقاش واتفاق جماعي، لا مجرد موافقة شكلية، ويجب أن يصدر الحكم وفق القواعد والأعراف الموروثة عن الآباء والأجداد، مما يعزز استمرارية النظام العرفي ويمنحه الشرعية. وقد أُرّخ هذا الاتفاق بشهر ذي القعدة سنة 1225، مع احتمال أن يكون التاريخ 1275 بسبب اختلاف النسخ، ومع ذلك تظل دلالته واضحة، إذ يقدّم إطارًا متكاملًا لتنظيم السوق، يوازن بين حفظ النظام وصون الحرمة وتعزيز المسؤولية الجماعية داخل المجتمع القبلي. وضع ذو محمد نظامًا دقيقًا لمعالجة جرائم السرقة داخل السوق، خاصة عندما تقع داخل الحرم في يوم الاثنين، وهو وقت يتمتع بخصوصية وحماية، فإذا أُعيدت المسروقات كاملة كما هي، لا يُعفى السارق من العقوبة، بل يُلزم بدفع غرامة تعادل قيمة الشيء المسروق، تأكيدًا على أن مجرد الإرجاع لا يكفي لجبر الضرر. وفي حال تهرّب الجاني من تحمّل المسؤولية، فإن تقدير الغرامة والتعويض يُترك لذو محمد مجتمعين، وفق ما يحفظ شرف «أهل الشهر» ويصون النظام العام، وتُظهر الأحكام تمييزًا واضحًا بحسب هوية السارق؛ فإذا كان من أبناء ذو محمد، يُعاقب بالنبذ الاجتماعي، فلا يجد من يناصره أو يدافع عنه. يتبع