إن مدى تحوّل المكان المقدّس إلى حيّز ديني منظم يرتبط بدرجة كبيرة بالمكانة الاجتماعية والقانونية للأشخاص المقيمين فيه، ومع ذلك فإن الشريعة الإسلامية بصيغتها الفقهية الصارمة لا تمثّل دائماً جوهر هذه الأهمية. ففي وثائق بَرَط التي جمعها الأَكْوَع نلاحظ أن الموقّعين يلتزمون صراحة بتطبيق الشريعة كلما طُلب الاحتكام إليها عبر آل العَنْسي بوصفهم جهة للفصل والنزاع، كما يُمنح القاضي الموصوف بأنه «يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»، أي يسعى إلى ترسيخ النظام الإسلامي، صلاحية فرض العقوبات بما في ذلك الحبس، دون أن يترتب على ذلك ثأر أو انتقام. ويعود ذلك إلى أن الجاه أو السمعة الموروثة لأسلاف القضاة تُعدّ نافذة في جميع الأمكنة، لا في الحِجرة وحدها. وتشير وثيقة أخرى مؤرخة بسنة 1822م إلى اتفاق خاص يربط بين آل صلاح والمعاطرة من جهة، ورفاه القاضي أحمد صالح أحمد العنسي من جهة أخرى. وتؤكد الوثيقة أن هذا الالتزام منفصل تماماً عن حماية الحِجرة ولا يُقاس عليه غيره، فكل اعتداء يقع على القاضي أحمد شخصياً، أو على تابعيه، أو – وهو الأهم – على أحكامه الصادرة وفق الشريعة، يستوجب تعويضاً مضاعفاً أربع مرات، سواء بعد الثأر أو بالإضافة إليه أو بعد منح البراءة. وعلى نحو أوسع، فإن موضع أو مقام القضاء الشرعي الذي يتولاه آل العنسي يُخصّص للحماية ويُعامل معاملة الحِجرة نفسها. يتضح من ذلك أن القضاء العرفي القائم على الضمان والحماية والتعويض هو الذي يتيح للقضاء الشرعي، بوصفه نظيراً علمياً، أن يؤدي دوره. فإحدى العبارات الواردة في أول وثائق الأَكْوَع توحي لا فقط بأن التدخل لحماية من ينتهك حرمة الحِجرة محظور، بل أيضاً بأن الاتفاق نفسه غير مرتبط مباشرة بالاختصاص القضائي للشريعة، فالقواعد التي تُنشئ الحماية تمتلك شرعيتها الذاتية المستقلة، ومن المؤكد أن أشكال التعويض المذكورة لا تتطابق مع ما هو متصور في الفقه الإسلامي الكلاسيكي. فعلى سبيل المثال، تذكر إحدى الوثائق حادثة وقعت سنة 1749م، حيث أُخذ حصان من القضاة. وتروي الوثيقة أن رجالاً من قبيلة ذي محمد تولّوا مسؤولية الضمان ضمن العهد بعد أن ارتكب الشامي مخالفة بأخذه الحصان. وقد أعاد النقيب ناجي ورجاله من ذي موسى الحصان، كما أعادوا الجاني إلى أسرة القاضي علي بن قاسم، ولم تُثبت عليهم أي التزامات إضافية تتعلق بالجاني، مثل المرافقة أو الحماية، وفقاً لما ورد في الاتفاق. غير أنهم قدّموا جميع الأحكام والذبائح الخاصة بالحِجرة، إضافة إلى ما يغطي التعويضات الحُجَر لأسرة القاضي علي بن قاسم، وذبيحة أخرى بسبب الاتهام، وكسوة لا تُقدَّم إذا ما أُدي القسم. ويُفهم من هذه الواقعة أن نظام الضمان العرفي أدى وظيفته بنجاح، إذ قام ناجي – وربما جُزيلان – بإحضار الشامي لتقديم التعويض، وكلاهما من قبيلة ذي موسى. وقد جرى توثيق التسوية بموافقة جميع أفراد ذي محمد، وربما قُدمت الكسوة باسمهم الجماعي. ومع ذلك، لا توضّح الوثيقة تفاصيل القضية ولا حيثيات التسوية بدقة، إلا أن القاعدة العامة التي يمكن استنتاجها هي تعدد أشكال التعويض. وقد أُشير سابقاً إلى أن أولى هذه الوثائق تنص على أن أي مخالفة تقع داخل الحِجرة تُعوّض بأربعة أضعاف من الذبائح والكسوة. ويشمل ذلك، على ما يبدو، النص الذي يقضي بأن من يشهر سلاحه في الحِجرة يدفع أربع رؤوس من الماشية، أما الظلم المتعمد فيتطلب نَقَاءً، أي طلب البراءة أو الصفح. وفي وثائق لاحقة نجد صياغة مختلفة تركز أقل على المكان ذاته وأكثر على الأشخاص المشمولين بالحماية، وهو ما يعكس تطوراً في فهم العلاقة بين المكان المقدس والأشخاص ذوي المكانة وتطبيق الشريعة ضمن الإطار العرفي. فيما يلي ترجمة وصياغة للنص باللغة العربية، مع مراعاة المصطلحات القانونية والقبلية الواردة مثل: الهجرة، النقاء، والعمد. وفي وثيقة ثانية تتعلق بفرع آخر من بيت الأنسي يختلف السياق قليلاً، وإن تشابهت العبارات، فباختصار: إن الجنايات التي تقع ضمن نطاق الهجرة تستوجب تقديم ذبائح حيوانات وقماش، إلا إذا كانت الجناية عمداً، فحينها يلتزم المتهم بتقديم النقاء، وهو إبراء الذمة أو الاسترضاء، سواءً بالدم أو بالمال. أما المظالم الصريحة التي تمس القضاة أنفسهم فتتطلب نقاءً مضاعفاً إلى أربعة أمثال، ويُفترض أن يرافق ذلك تقديم ذبائح وأقمشة إضافية. وقد قُيّد المعنى في الفقرة الأخيرة، وهو ما يمكن سحبه على الفقرة الأولى أيضاً، فالفعل العمدي «عمد عمدة» هو ما يستوجب تعويضاً بمقدار أربعة أضعاف، وهو المقصود بلفظ النقاء في هذا السياق، بينما يستوجب الخطأ تعويضاً مضاعفاً فقط، أو ربما مجرد التعويض الأساسي. وفضلاً عن الذبائح والقماش، يتوجب على الجاني مثلاً دفع أربعة أضعاف أرش الجراح ما لم يثبت انتفاء القصد.