أثار منع مليشيا الحوثي الإرهابية لطائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية من دخول الأجواء اليمنية والهبوط في مطار المخا الدولي، تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد اليمني، وهي تعطيل الطيران المدني وانعكاساته المباشرة على حياة المواطنين والعمل الإنساني. الحادثة لم تقتصر على إلغاء رحلة مجدولة، وإنما كشفت مجددا انتهاكات المليشيا لحرية التنقل وهشاشة الخدمات المرتبطة بالتنقل الجوي في ظل استمرار التدخلات المليشاوية خارج الإطار المؤسسي للدولة.
منافذ إنسانية تشير معطيات الرحلة الممنوعة إلى وجود مرضى وطلاب، وعائلات ضمن المسافرين، وهي فئات تعتمد على النقل الجوي باعتباره وسيلة أساسية للوصول إلى العلاج والتعليم ولمّ الشمل الأسري.
ويؤكد مختصون في الشأن الإنساني أن المطارات في السياق اليمني لم تعد مجرد مرافق نقل، وإنما منافذ إنسانية تخفف أعباء السفر الطويل والخطير برًا، وتربط المواطنين بخدمات حيوية داخل البلاد وخارجها.
ومن هذا المنظور، فإن تعطيل الرحلات المدنية يضاعف من معاناة المدنيين، ويرفع كلفة السفر، ويقيد خيارات الحركة أمام فئات تعاني أصلًا من ظروف اقتصادية وصحية معقدة، في وقت يشهد فيه اليمن واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.
الطيران الإنساني تحت القيود
تأتي حادثة مطار المخا في سياق متصل مع تعطيل رحلات الطيران الإنساني، حيث سبق لمنسق الأممالمتحدة في اليمن الإشارة إلى عدم منح تصاريح لرحلات خدمة الأممالمتحدة الجوية الإنسانية إلى مطار صنعاء منذ أكثر من شهر، وإلى مأرب منذ أكثر من أربعة أشهر.
ووفق عاملين في المجال الإنساني، فإن هذه القيود أثرت بشكل مباشر على حركة موظفي الإغاثة، وسرعة الاستجابة الطارئة، وتنسيق العمليات الإنسانية في عدد من المحافظات.
لا تتوقف تداعيات الحادثة عند حدود الرحلة الملغاة، وإنما تمتد إلى سؤال قانوني ومؤسسي يتعلق بحماية الطيران المدني كخدمة عامة محايدة.
ويوضح خبراء في القانون الجوي الدولي أن منع طائرة مدنية مرخّصة من الهبوط، أو تهديد سلامة ركابها، يُعد خرقًا للمبادئ الأساسية التي تحكم منظومة الطيران المدني الدولي، وفي مقدمتها القواعد المنظمة بموجب اتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام 1944، التي تلزم السلطات القائمة فعليًا بحماية سلامة الملاحة الجوية وعدم تعريض الطائرات المدنية لأي مخاطر غير مبررة.
عمل إرهابي ويشير الخبراء إلى أن النظام الدولي للطيران يقوم على تحييد الطيران المدني عن الصراعات السياسية والعسكرية، باعتباره مرفقًا يخدم المدنيين واحتياجاتهم اليومية.
وفي الاتجاه ذاته، يرى حقوقيون أن تعطيل الرحلات المدنية يمس بشكل مباشر حق المدنيين في حرية التنقل والوصول إلى الخدمات الأساسية، وهي حقوق مكفولة في المواثيق الدولية، خصوصًا في حالات النزاع التي يُفترض فيها تحييد المرافق الخدمية عن الصراع.
رئاسة الجمهورية أكدت أن تعطيل الحوثيين لمطار المخا يمثل عملًا إرهابيًا مكتمل الأركان وانتهاكًا صارخًا لحقوق المدنيين، وأن هذه الممارسات ليست أحداثًا طارئة، بل امتدادًا لسجل المليشيات في استهداف المطارات والموانئ والملاحة البحرية، وعرقلة الاقتصاد الوطني وحقوق اليمنيين الأساسية.
واعتبرت الرئاسة أن هذا التهديد الإرهابي يسلط الضوء على الحاجة الملحة لتسريع جهود استعادة مؤسسات الدولة وضمان سيادتها الكاملة على المجال الجوي والمرافق العامة، داعية المجتمع الدولي ومنظمة الطيران المدني إلى توثيق الانتهاكات واتخاذ إجراءات رادعة لحماية الملاحة الجوية، باعتبار المطارات المدنية مرافق إنسانية محمية بموجب القانون الدولي.
في هذا السياق، قالت وزارة النقل والهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد في العاصمة المؤقتة عدن إن منع هبوط الطائرة في مطار المخا تصعيد خطير يستهدف تعطيل جهود تنشيط الملاحة الجوية وتسهيل السفر للمواطنين، واعتداء صارخ على حق اليمنيين في التنقل الآمن، مع تحميل ميليشيا الحوثي كامل المسؤولية عن هذه الممارسات وما يترتب عليها من مخاطر تمس سلامة الطيران والمسافرين.
نقل هيئة الطيران تضع هذه الواقعة نفسها ضمن سجل ممتد من الممارسات التي طالت قطاع الطيران والخدمات العامة، شملت تعطيل رحلات مدنية، فرض قيود تشغيلية، وعرقلة انتظام النقل الجوي، ما انعكس على حركة المواطنين، والنشاط التجاري، والعمل الإنساني.
ويرى باحثون في الشأن اليمني أن استمرار هذه الممارسات ساهم في إضعاف البنية الخدمية للدولة، وحوّل قطاع الطيران إلى إحدى ساحات الضغط غير المباشر على المدنيين.
في ضوء هذه التطورات، يؤكد مختصون في شؤون الطيران المدني أن استكمال نقل وتفعيل دور الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد إلى العاصمة المؤقتة عدن يمثل خطوة محورية لتعزيز الإدارة المهنية للقطاع، وضمان سلامة الرحلات، وتنظيم المجال الجوي بعيدًا عن التدخلات غير المؤسسية.
ويشير هؤلاء إلى أن وجود سلطة طيران وطنية فاعلة ومعترف بها دوليًا يوفّر إطارًا قانونيًا ومهنيًا يحمي الطيران المدني، ويعيد للمطارات دورها الطبيعي كمرافق خدمية وإنسانية.
تكشف حادثة مطار المخا أن تعطيل الطيران المدني لم يعد مسألة فنية أو إجرائية، وإنما قضية إنسانية ومؤسسية تمس حياة المواطنين اليومية وحقوقهم الأساسية في بلد يواجه أزمة إنسانية ممتدة، ويصبح فيه تحييد الطيران المدني وتعزيز انتظامه المؤسسي ضرورة تتجاوز الاعتبارات السياسية، وترتبط مباشرة بسلامة المدنيين، واستمرار العمل الإنساني، واستعادة الحد الأدنى من وظائف الدولة الخدمية.