حين يرحل الكبار لا يغادرون بصمت، بل تضجّ الأمكنة والكلمات والصفحات بذكراهم العطرة واليوم والساحة الإعلامية والصحفية تودع عميدها الأستاذ القدير محمد عبدالعزيز، لا نودع مجرد كاتب أو إعلامي، بل نودع حقبة من الرصانة، وجبلاً من القيم المهنية التي قلّما تجتمع في رجل واحد. يترجل اليوم فارس كبر مع الكلمة وشاب في محرابها، يترجل اليوم فصل كامل من فصول التنوير ، ومنارة أستدل بها جيل كامل من الباحثين عن الحقيقة في زمن الضجيج. لقد كان الراحل هامة بكل ما تحمله الكلمة من دلالة، لم تنحن إلا للحق، لم تكن الصحافة لديه يوماً مجرد ترتيب للحروف، بل كانت مسؤولية أخلاقية وأمانة ثقيلة حملها على عاتقه منذ أن أمسك القلم لأول مرة وحتى الرمق الأخير. لقد كان الفقيد مدرسة في أدب الاختلاف، وعفة اللسان ونزاهة القلم .. في مقالاته، كنت تجد الأديب الذي يطوع اللغة ببراعة، والمحلل الرصين الذي يقرأ ما بين السطور بذكاء ووقار وحنكة ، الكاتب الأديب الذي تخرج الكلمات من قلمه وكأنها منحوتات فنية والإنسان الذي ينحاز دوماً لقضايا وطنه وأمته والإعلامي الملتزم بآداب المهنة، مترفعا عن الصغائر، متمسكا بمبادئ لم تتبدل بتبدل الأزمان. تميز الأستاذ محمد عبدالعزيز بأسلوب فريد، وهو أسلوب "السهل الممتنع"؛ لغةٌ يفهمها الجميع ويحترمها النخبة. كان يدرك أن قوة الإعلامي تكمن في صدقه ونزاهته، لذا لم يكن غريباً أن يصبح مرجعاً يُستضاء برأيه في أحلك الظروف، لم يسعَ يوماً خلف ضجيج الشهرة الزائف، بل كان يبحث عن الحقيقة في أكوام التفاصيل، ليقدمها للقارئ نقيةً، متجردةً من كل غرض. يغيب المعلم " محمد عبدالعزيز" جسدا، لكنه يتجذر في ذاكرة الورق وفي وجدان كل من قرأ له أو استمع إليه ويترك رحيله غصّة في نفوس محبيه وتلاميذه، وفراغاً في "بلاط صاحبة الجلالة 26 سبتمبر" يصعب ترميمه. ولكن، إذا كان الموت قد غيّب الجسد، فإن الفكر لا يموت، سيظل الأستاذ محمد عبدالعزيز حاضراً في كل سطرٍ خطّه، وفي كل فكرة زرعها في عقول تلاميذه وزملائه، وفي كل موقفٍ شجاع اتخذه انتصاراً للمهنة وآدابها، فالمقالات التي كتبها ستظل مراجع، والقيم التي زرعها في تلاميذه ستظل أمانه تتوارثها الأجيال. وداعاً أستاذنا الكبير.. ستظل كلماتك منارةً لا تنطفئ .. وداعاً يا فارس الكلمة، نم قرير العين، فقد تركت خلفك إرثاً يرفع الرأس، وتاريخاً يشرّف كل من سار في درب الصحافة، عزاؤنا لعائلتك الكريمة وللوسط الإعلامي اليمني والعربي بأسره .. نسأل المولى عز وجل أن يتغمدك بواسع رحمته ويسكنك فسيح جناته .