في رحيل الكبار، يصمت الكلام، وتتوارى الحروف خجلاً أمام جلال الموقف وهيبة الموت. اليوم، أنعي إلى نفسي، وإلى الوسطين الصحفي والعسكري، أخاً عزيزاً وزميلاً وفياً، وقامةً وطنيةً شامخة لم تعرف المهادنة يوماً؛ العميد محمد عبد العزيز، "عميد" الصحافة الوطنية ورائدها، الذي ترجل عن صهوة جواده بعد مسيرة حافلة بالعطاء، قضاها بين صرير الأقلام وهتاف التنوير. إن القلم الذي أقبض عليه اليوم يرتجف، ليس عجزاً عن التعبير، بل حزناً على غياب رفيق الدرب الذي جمعتني به أروقة "دائرة التوجيه المعنوي" لسنوات طوال. هناك، حيث كنا نتقاسم هموم الوطن، ونحيك من الأمل ثياباً للمستقبل، ونرسم بالكلمة الصادقة ملامح الوعي في وجدان أبطال القوات المسلحة. لقد كان محمد عبد العزيز أكثر من مجرد زميل؛ كان بوصلة أخلاقية ومهنية لا تخطئ الاتجاه. ويعتصر قلبي ألماً، وتعتمل في صدري غصة المرارة، أن حالت الظروف القاهرة بيني وبين توديعه في مشهده الأخير. يؤلمني أنني لم أكحل عيني برؤية جنازته، ولم أقف بجسدي على قبره أودعه الوداع الذي يليق بمقامه، أو أصافح المعزين من الزملاء والاصدقاء في رحيله. لكنني أقول لروحه الطاهرة: إن لم يحضر الجسد، فقد كانت روحي ترفرف فوق نعشك، وتلهج بالدعاء لك بالثبات والرحمة، بقدر ما قدمت لوطنك وأمتك، وبقدر ما أخلصت لرسالة الكلمة. لقد كان العميد محمد عبد العزيز مدرسةً متفردة في الصحافة العسكرية، ومنارةً في الوعي الوطني؛ لم يبع قلمه، ولم يحنِ هامته إلا لله. رحل جسداً، لكنه بقي نهجاً يُستضاء به لكل الأجيال القادمة في "توجيهنا المعنوي" وفي صحافتنا الوطنية. إن المصاب جلل، والفراغ الذي تركه "أبو أكرم" لا تسده الكلمات، لكن عزاءنا أنه ترك إرثاً من النزاهة والعمل لا يمحوه الغياب. يا أبا أكرم، عذراً إن لم أحضر في "صالة العزاء" بجسدي، فمكانك في قلبي صالةٌ عامرةٌ لا تُغلق أبوابها، وذكراك ستبقى حية في دعائي، وفي كل حرفٍ نكتبه من أجل الحق والوطن، وفي كل موقفٍ يحتاج إلى شجاعة الفرسان التي كنت تمثلها. نم قرير العين يا رفيق الدرب، فقد أديت الأمانة، وبلغت الرسالة، ونقشت اسمك في ذاكرة الوطن بأحرف من نور. وداعاً يا عميد الكلمة، وداعاً يا رفيق القلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.