التسامح ليس سذاجة، و لا ضعفا، و إنما هو شهامة، و قوة ، و نبل مقصد ، و بناء أمن و أمان. لم يكن تسامح الرسول حين دخل مكة فاتحا، و منتصرا ضعفا ، أو قصر نظر معاذ الله بل كان قمة الكرم ، و النبل و الشهامة ، إذ أعطاه لقوم طغوا في البلاد، و حاربوه، و ناصبوه العداء ، إحدى و عشرين سنة ! فلما تمكن منهم و أدال قوتهم ، صفح و عفا، و مدّ يد السلم ؛ ليكسب القلوب و يوحد الصفوف.
و حين يلاقي هذا التسامح، و ذلك النبل و الشهامة قلوبا مثلها ، أو تدانيها شهامة و نبلا ؛ تثمر النتيجة وحدة و اتحادا ، و صفا يتآزر بالأهداف العظيمة، أهداف الأمة، و ليس هدف القبيلة أو العشيرة ، أو القرية، و لا الأنانية ، أو الموقف الوظيفي المتخفّي، كما وظّف الفُرس يوما ( سجاح ) و غيرها تحسبا مما كانوا يحسون به من مخاطر يرونها قد تأتي على امبراطوريتهم من المسلمين.
عامة أهل مكةالمكرمة دخلوا طائعين راضين و مُقدّرين لعفو الرسول الكريم ، و هو يضعهم أمام موقفهم العدائي الطويل منه و من دعوته : "ما تظنون أني فاعل بكم"؟! قالوا: خيرا أخ كريم و ابن أخ كريم ! فكان الموقف العظيم للنبي محمد صلى الله عليه و سلم الذي أودعه الزمان، و رسخه للناس ، و للحكام و المحكومين؛ موقف النبل و التسامح و العفو :" إذهبوا فأنتم الطلقاء "..!!
أكبرَت مكة هذا الموقف النبيل، الذي فاض رحمة، و ودّا ، و حبا، و شهامة و نبلا. و لكن .. هل أكبر الجميع هذا الموقف الفريد المتميز ؟ كلا ! ففي كل زمن، و في كل مجتمع أفراد،أو مجموعة تستفيد من هذا العفو و التسامح لتجعل منه غطاء للكيد و التربص.
قد يكون هناك (مُتقرّصون) يلمسون من أحد أو آحاد الناس ممن لا يزال في نفسه شيء : و ما الحكم إلا لنا وحدنا. و لكنهم غالطونا بها
فيذهبون ليزينوا و يضخموا له ذلك الشيء الذي لمسوه فيه، و يحرضونه، و يطبلون له، و ينفخون فيه حتى يداخله الغرور للنكث و النقض. و تجارب إخفاق الممدوحين بسبب مطبليهم، و مادحيهم أكثر من أن تحصى، لكن المتوهم يتخدر بما يُنمّقه له إعلاميوه.
و هنا و نحن عند موقف الرسول صلى الله عليه و سلم نجد أفرادا من الطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة، لكنهم حين كانت غزوة حنين التي حدثت بعد فتح مكة بخمس و عشرين يوما فقط، و شارك فيه الطلقاء، تبين رضا و فرحة بعض الأفراد عندما رأوا انكسار المسلمين أمام هوازن في بداية المعركة قبل أن يستعيد المسلمون زمام المبادرة و تحقيق النصر. حينها قال أولئك البعض حين انكسر المسلمون، قال أحدهم: هزيمة دونها البحر ! و قال آخر متشفيا: ألا بطل السحر اليوم!
كانوا يظنون، و بعض الظن غباء أن الحظ ابتسم لهم، و أن هذه الكرة التي بدت من هوازن ستعيدهم إلى مكانتهم الأولى في مكة، و سرعان ما بدا تنكرهم لما أعلنوه قبل أيام ليس إلا من أنهم قد ثابوا، و تابوا و راحوا يعلنون اصطفافهم مع المسلمين، و خرجوا معهم، لكن حب الزعامة، و الحنين إلى ماضيهم التعيس أبى إلا أن يكشف حقيقتهم، و أن إعلان اصطفافهم ليس إلا مناورة لعل فرصة تسنح لاستبدال الاصطفاف بالعداء رجاء أن يعودوا سادة لمكة، و متسلطين على أهلها.
لم تدم فرحتهم غير لحظات كشفت ما في نفوسهم فيما أعلنوه من تصريحات ساعة (فشرة) لكنها كانت لحظات من سراب، و ما أكثر من يقعون في حبائل مناوراتهم، و ما أكثر من ينخدعون بلحظات وَهْمٍ كاذب، و سراب خادع.
هناك من يعِ الدرس فيؤوب للصف و الاصطفاف صادقا، و هو ما فعله هؤلاء حتى أن أحدهم يفقد إحدى عينيه في معركة اليرموك مجاهدا أيام فتح الشام.
و هناك من لا يعتبر بالدروس مهما توالت و تتالت، فيكون وبالا على نفسه، أكثر مما يكون ضررا على غيره.
وحدة الصف مبدأ و ليس شعارا، و تضحية و ليست غنيمة، هو كرامة وهوية و وطن ينتصر، و ليس أنانية و أطماعا أنانية.