في بلاط صاحبة الجلالة تتكرر الوجوه وتتلون الهامات لكن قليلا منها يترك بصمة ويخلف أثرا لا ينسى وتزهو عطاياه الإنسانية على مر السنين . الراحل العظيم محمد عبد العزيز من هذا النوع المتفرد بمواهب وسجايا وخصال متعددة من الصعب أن تجتمع في شخص واحد . عرفته منذ مطلع التسعينات وعقب تحقيق الوحدة ووصول كوادر عدنية إلى صنعاء بعد دمج دائرتي التوجيه المعنوي ، قريب من القلب سهل وسلس في معاملته بسيط إلى حد التساهل حتى في هيبته العسكرية ومكانته الوظيفية ، نقي القلب لا يحمل حقدا ولا غلا ويمتاز بروح التعاون مع الجميع ولديه جيل من الصحفيين الذين تتلمذوا على يديه وإغترفوا من علمه وأدبه ووجدوا لديه الملاذ ، وكثيرا ما كان يكتب لبعضهم اسئلة الحوار الذي سيقومون بإجرائه مع مسؤول أو يبدع في إختيار عناوين مناسبة ومقدمات لتحقيقات صحفية حتى تخرج بالشكل اللائق . محمد عبد العزيز من هذا الطراز الوحدوي العظيم مؤمن حد القداسة بوطنه الكبير اليمن ولم يعرف التزلف مثل كثيرين للوصول إلى مآرب شخصية أو مناصب وهبات ولم يتاجر بقضية الجنوب أو يرفع شعارات المظالم أو يستثمر لدى المنظمات والأحزاب. رأيت صدقه في الدفاع عن الوحدة اليمنية في حرب صيف عام 1994 عندما فضل البقاء في صنعاء ولم يهرب مثل غيره ، وكان يسهر معنا حتى الصباح في إعداد ملحق يومي تصدره صحيفة 26 سبتمبر مساهما بالفكرة والتحليل والإشراف والكتابة والدعم لزملائه من موقعه كسكرتير تحرير ، وكنت أنا وهو هدفا لتندر بقية الزملاء وخاصة العقيد أحمد الجحدري الذي خصنا بلقطة في عمود له كأكثر إثنين يلتهمان طعام العشاء وخاصة الفول في السهرة . لا أذكر أنني غضبت يوما من محمد عبد العزيز ولا أي من الصحفيين حمل في قلبه سوءا منه فقد كان بمثابة الأب والأخ الأكبر يمنح الدروس المجانية في الصحافة وسمو الأخلاق لكل راغب وباحث ومهتم . محمد عبد العزيز المثقف الموهوب والأديب المبدع كانت له إجتهادات في الكتابة الإجتماعية والقصصية ودعم المرأة وحرص على مساعدة السيدات في المشاركة والكتابة والإبداع ، كما إلتقطته بعض الصحف الخاصة والأهلية للإستفادة من تجربته وهو في كل ذلك الزاهد البسيط القنوع المؤمن بقيمة الكلمة ووهج القلم . حزنت كثيرا عندما علمت أن محمد عبد العزيز مريض في الأيام الأخيرة ودخوله مرحلة صعبة وتضاعف الحزن عندما عرفت أن الجهات المعنية من الأجهزة التنفيذية أو النقابية لم تفعل ما بوسعها لإنقاذ حياته حتى تحقق قضاء الله وغادر إلى دار الحق في رحاب مولاه الرحمن الرحيم ، مات محمد عبد العزيز وفي قلبه ألم شديد لتشرذم بلاده وصراعات أجهضت حلمه في وطن مستقر وآمن ، وكأن روحه تناشد كل اليمنيين في كل مكان بأن يتوقفوا عن بث الكراهية فقد كان قلبه محبا وحدويا ولم ينكسر قلمه ذات يوم مهما كانت المغريات . رحم الله الكاتب الكبير وعميد القلوب محمد عبد العزيز وأسكنه فسيح جناته وخالص العزاء لأسرته وأولاده وتلامذته الكثر في ربوع اليمن وعظم الله أجرنا جميعا في هذا المصاب الجلل .