لقد رأيناهم يتساقطون كأحجار الدومينو، ولم نخنهم، لكنهم خانوا أنفسهم، ولم يتركوا شيئاً يمكن أن نبكي عليه. قلنا رأياً، ففزع بعضهم ممن فاتهم القطار، وبدلاً من أن يقفوا وقفة شجاعة لمساءلة أنفسهم، سال لعابهم وأمطرونا بدروس في العزيمة والثبات، وكأننا نحن من نحر مجلسهم. لطالما كانت معاييرهم على هواهم، إن قلت ما يعجبهم فأنت شجاع وابن الجنوب الحر، وإن خالفتهم فأنت متحول، وتريد اللحاق بالعبيدي!. أحببنا القائد «عيدروس» عن قناعة شخصية، واليوم غادر المشهد، ولم يعد يملك لأحد ضراً ولا نفعاً. ومازلنا نراه إنساناً بسيطاً ورجلاً شجاعاً، أتى نقياً من الميدان وثغور الجبال وبندقية المقاومة، لم يتسخ برماد حقبة الصراع، ولا بفجور الأحزاب، ولم تتلوث يده بدم بريء. لكن البراءة التي حسبناها ميزة، باتت عيباً كارثياً، فقد كان من السهل أن تسيطر عليه شهوة السلطة، وهيلمان القيادة، وجشع الحاشية، ووقاحة الانتهازيين. ومن سوء حظ «عيدروس» أنه جاء في أحقر حقبة تعيشها البلاد جنوباً وشمالاً. نعتقد أن "عيدروس" أخطأ مرتين، وهذان الخطآن كارثيان، وليس من السهل تبريرهما. فإن كان الخطأ الثاني هو مغامرته بإرسال قواته إلى حضرموت دون قراءة خارطة الحسابات المعقدة، فإننا نظن أن استعادة حق مشروع وحدها ليست كافية. سؤال بسيط، ربما الإجابة عليه تضعنا أمام واقع يهرب منه كثيرون، أين اختفى أبو علي الحضرمي؟!. أما الخطأ الأول، والذي نعتقد أنه الأخطر، والسبب الرئيسي في هدم المعبد على رأس «عيدروس» ورؤوسنا جميعاً. كان رهانه على «خسّ البقر»، وأحقر ما خلق الله في الجنوب، الذين اعتبروه وزراً ونفضوه عن أكتافهم عند أول كف. أثبتت الأيام والمواقف أنهم مجرد «كراتين فارغة»، وانتهازيتهم دفعتهم إلى الاكتفاء بتسجيل أسمائهم في كشوفات الصرفة، وركوب أعناقنا كرهاً في لحظة عابرة تعيسة. كانوا يرون في «عيدروس» جواز مرور إلى كرسي وزارة أو سفارة أو وكالة، وجعلوه مظلة لفسادهم، وعربدتهم، وصعلكتهم. ومع ذلك، إن أخطأ «عيدروس»، فإن الذين تولوا سلطة الجنوب في كل المراحل، يكادون يكونون جميعهم قد أخطأوا، وكانوا كارثة على شعبهم. لكن أكثرهم عادوا واعترفوا بأخطائهم، ونظن أن «عيدروس» يملك الشجاعة، ولا ندري، ربما يأتي يوم ويعترف بأخطائه. نشعر بالقهر على المساكين الذين جعلوهم يؤمنون بالقائد «عيدروس» وحده، وأن لا أحد سيعيد لهم الجنوب غيره، ونظن أنه لو عاد اليوم، لأعتقهم، وحررهم من نفسه. لست أنا الخائن، فالمزايدة لم تعد طوق نجاة، وإن كنتم مقهورين مرة، فنحن مقهورون ألف مرة.