كما يتضح من دراسة وثائق البراءة، وبخاصة النصين (أ) و(ب)، فإن غالبية المدفوعات التي تتم بين الخصوم لا تُدفع بصورة مباشرة، بل تمر عبر ضامنين محددين يتولّون مسؤولية الالتزام المالي والسلوكي. ويحق لهؤلاء الضامنين، في حالات معينة، الحصول على جزء من المبلغ المدفوع مقابل دورهم. وفي كثير من الأحيان لا يتحقق التوازن في هذه المدفوعات عن طريق جمع المظالم من جميع الأطراف ثم توزيع فائض أو عجز نهائي على أحدهم، وإنما من خلال تحديد مدفوعات متبادلة لكل مظلمة على حدة، بما يحقق نوعًا من العدالة النسبية بين المتخاصمين.. ومن الأمثلة الدالة على ذلك حادثة وقعت في إحدى المحافظات قبل سنوات قليلة، حين أقدم رجل سريع الغضب على إطلاق النار على آخر دون مبرر واضح. فما كان من الرجل المعتدى عليه إلا أن عاد مسرعًا إلى منزله وأطلق مخزنًا كاملًا من بندقية آلية ردًا على الاعتداء. وعلى الرغم من أن أياً من الطرفين لم يُصب بأذى، فقد أُلزم المعتدي الأول بدفع عيب كامل للثاني قُدّر حينها بمائة وعشرة ريالات مع ثور، في حين دفع الطرف الثاني نصف عيب، أي خمسة وخمسين ريالًا مع شاتين، تعويضًا عن الرد العنيف وغير المبرر. وتسير التعويضات الخاصة بالجروح أو الأضرار التي تلحق بالممتلكات على النمط نفسه. أما المُحكَّم، فيُفترض أن يسترشد بمبدأ الرضا بالحكم، أو بما يُعرف في الواقع العملي ب الصلح بالحكم، حيث يُنظر إلى قبول الأطراف بالنتيجة بوصفه أساس العدالة. وتُقسَّم المبالغ التي يتم الاتفاق عليها، سواء بتوافق الخصوم أو بتقدير المُحكَّم، بين الجهات المستحقة. ففي حالة دية رجل قُتل على يد غريب دون وجود ظرف مُشدِّد، تميل الممارسة المعاصرة إلى توجيه الدية كاملة إلى أهل الضحية، أي أولياء الدم الذين تحددهم الشريعة الإسلامية. غير أن القاعدة السائدة حتى ما قبل عقدين تقريبًا كانت تقضي بتقسيم الدية مناصفة بين العائلة من جهة، والقبيلة أو العشيرة من جهة أخرى، وهي وحدة اجتماعية غالبًا ما تكون فرعًا من تقسيمات أكبر. وإذا تطلب تحصيل الدية تدخل وحدة اجتماعية أوسع، فقد تُوزع الحصة القبلية على عدد أكبر من المستحقين. وفي كل مرحلة من مراحل النزاع تتشكل تصورات جماعية حول عدالة المطالبات داخل الوحدات المتنازعة فيما بينها، وهو ما يحدد بدقة من يحق له المطالبة وبأي مقدار. ومن ثم، فإن القسم أو القبيلة التي تظهر ظاهريًا ككتلة واحدة متجانسة تمثل في الواقع ما يمكن تسميته محكمة عدل افتراضية. كما أن تحصيل المساهمات المالية من الآخرين يُعد بدوره مسألة تتعلق بالحق والعدل. ففي الحالة النظرية، إذا أقدم أحد أفراد ذي محمد على قتل غريب دون سبب واضح، كأن ينشب شجار عرضي في الطريق، فإن الدية يُفترض أن تُدفع من قبل لِمّة القاتل، أي مجموعته العصبية المباشرة. وقد تكون هذه اللمة وحدة كبيرة نسبيًا تضم مئات الرجال البالغين. غير أن الواقع العملي يشير إلى أن الدية، ما لم يتحول النزاع إلى قضية جماعية واسعة، تُدفع غالبًا من قبل مجموعة أصغر تشبه الأسرة الممتدة، وقد لا تتجاوز اثني عشر رجلًا. كذلك يمكن الاستعانة بأقارب من جهة الأم، رغم أنهم لا يتحملون رسميًا مسؤولية نسبية، بينما يُستبعد في المقابل عدد كبير من أقارب جهة الأب. ومع ذلك، يظل من حق الرجل المثقل بالالتزامات المالية أن يطلب العون والتبرعات على أوسع نطاق، فيما يُعرف ب الرفعة، وهي ممارسة اجتماعية مقبولة لا تُعد مصدرًا للعار..وعند محاولة فهم ما إذا كان التعويض يُدفع مرة واحدة، أو مضاعفًا، أو أربعة أضعاف، تعود هذه المسألة جزئيًا إلى افتراضات غير مصرّح بها تتعلق بمسار الدعوى ذاتها. وينطبق الأمر نفسه على الغموض المتعلق بمن يستحق أي جزء من التعويض المضاعف، كالتعويض الرباعي مثلًا. فإذا بادر ضامنو السوق بسرعة إلى إعادة الخسارة أو تعويضها، فإن عرضهم لتعويضات مضاعفة يُفترض أن يقابله تنازل جزئي من قبل صاحب المطالبة. أما إذا تأخر الضامنون في أداء واجبهم، فإن المدّعي يتوقع الحصول على قدر أكبر مما يُنتزع من الجاني، بل وقد يكون له أن يرفع دعوى مستقلة ضد الضامنين أنفسهم بسبب عيب يُحتسب بمضاعفات. وفي الحالات التي يبذل فيها الضامنون جهدًا كبيرًا لملاحقة الجاني واستخلاص الحق، وربما يضطرون إلى القتال من أجل ذلك، فإنهم يُعدّون الطرف الأكثر تضررًا، ويُنتظر عندئذٍ أن يستأثروا بالنصيب الأكبر من التعويض الكامل، كأن يأخذوا ثلاثة أرباعه مثلًا. وتخضع حتى التعويضات عن الخسائر المادية أو الأضرار الواقعة على الممتلكات للمنطق نفسه؛ فالعرض السريع والواضح للتعويض يستوجب تخفيف المطالبة أو التنازل عن جزء منها، في حين يُعد التأخير في حد ذاته إهانة إضافية تستوجب زيادة التعويض. وخلاصة القول، لا يوجد جدول صارم للهويات المشتركة يحدد بدقة ما يحدث في كل حالة، لكنه يرسم الإطار العام لما هو ممكن. فالهوية الجماعية تعمل غالبًا من الخارج إلى الداخل؛ فإذا وقع قتل بين شخصين ينتميان إلى قبيلتين مختلفتين، فإن ذلك يُفسَّر مبدئيًا على أنه نزاع محتمل بين القبيلتين ككل، ويتعين نفي هذا الاحتمال بسرعة. ويتم ذلك عادة عبر تقديم البنادق والذبائح والتعهدات التي تُظهر من هو المسؤول فعليًا عن الفعل. وقد تستمر الروابط الناتجة عن هذه الضمانات والتحالفات سنوات طويلة، وربما إلى أجل غير محدد. وفي جميع الأحوال، يوجد دائمًا طرف أو أكثر يتوسط المشهد، إذ إن علاقات الهدنة والضمان والتحكيم تكون قائمة سلفًا، وتتجاوز الحدود البسيطة للانتماء القبلي أو الفصائلي.