عصر يوم الجمعة العاشر من شهر رمضان المبارك التقيت بعدد من الزملاء الصحفيين بالقرب من أنقاض مقر صحيفتي 26 سبتمبر واليمن. كان بينهم نجل أحد الشهداء، وبعد تبادل أطراف الحديث قررنا القيام بزيارة إلى روضة شهداء الإعلام اليمني بمنطقة الروضة بأمانة العاصمة، والتي تضم أضرحة العشرات من الزملاء الصحفيين والإعلاميين الذين ارتقوا شهداء خالدين في ال10 من سبتمبر من العام 2025م إثر العدوان الصهيوني الغاشم على مقر الصحيفتين. وعلى متن سيارة أحد الزملاء قطعنا المسافة التي تقدر بعشرة كيلومترات تقريبًا لنصل إلى باب روضة الشهداء في وقت وجيز. ترجلنا ودخلنا الروضة، وكانت أنظارنا مشدودة نحو أضرحة شهداء صحيفتي 26 سبتمبر واليمن التي أخذت شكلًا يشبه المستطيل في الجهة الغربية من الروضة . وبالاقتراب منها لفت أنظارنا وجود امرأة جالسة هي وطفلها بجوار أحد الأضرحة. وبعد الوصول إلى جانبهما تبين لنا من خلال الصورة التي فوق الضريح أنها زوجة الشهيد الإعلامي عارف السمحي وطفلها عبدالحكيم عارف السمحي الذي يبلغ من العمر أربع سنوات تقريبًا. خلال اللقاء عرفنا بأنفسنا أننا زملاء الشهيد، وبدأنا نسألها عن حالها وحال أطفالها. أجابت علينا ببعض الكلمات وهي تداري دموعها لكيلا يراها طفلها فيبكي. لكنها بدت متماسكة في حديثها المقتضب، حيث أوضحت زوجة الشهيد أنها جاءت من إحدى قرى عزلة بني بحر بمديرية عتمة بمحافظة ذمار لغرض علاج ابنها الطفل عبدالحكيم عارف السمحي بالعاصمة صنعاء، الذي يعاني من مرض في القناة الدمعية لإحدى عينيه. وقالت: «إن الأطباء شخصوا حالة الطفل وأفادوا بأنه بحاجة إلى إجراء عملية في القناة الدمعية، ولكن العملية لن تتم إلا حين يكبر الطفل لأنه غير قادر على تحملها في الوقت الحالي، وقد يحتاج مستقبلًا إلى السفر للعلاج خارج الوطن». وتابعت زوجة الشهيد الحديث عن طفلها وطفلتها بالقول: «عند استشهاد عارف كان عمر طفلته المولودة حديثًا شهرًا ونصف، ولم يرها والدها. وتضيف عن طفلها عبدالحكيم أنه لم يقصر شعر رأسه منذ استشهاد والده، لأنه تعرض لجرح بسيط في رأسه في أحد صالونات الحلاقة، وبات يرفض الذهاب للحلاقين خوفًا من تكرار ما حصل له سابقًا. لكنها بالكاد أقنعته بأن يحلق رأسه لأنه سيزور قبر أبيه، فقامت هي بقص شعر رأسه واخذته معها في الزيارة». وعند سؤالنا عن الوضع المعيشي لها ولطفليها أجابت: «الحمد لله»، ولم تفصح عما يجول في خاطرها، خاصة في ظل مرض طفلها الوحيد، لكنها أشادت بدور هيئة أسر الشهداء التي تقدم لها ولطفليها الرعاية المادية. وكان من ضمن الأسئلة التي طرحتها علينا زوجة الشهيد: لماذا يوجد تباين في الاهتمام بأضرحة الشهداء، فبعضها تم ترتيبه ووضعت لوحات الرخام التي تحمل أسماء الشهداء عليها، فيما تبدو أضرحة أخرى غير مكتملة ولا يوجد عليها لوحات الرخام، ومنها ضريح زوجها؟ لم تكن لدينا معلومات كافية للإجابة على سؤالها لكن من خلال إفادة نجل احد الشهداء الذي يتردد على الروضة لزيارة ضريح والده يوم الجمعة من كل أسبوع ويتعهد اضرحة شهداء الإعلام بالاهتمام أوضح ان بعض الترتيبات الأولية لعدد من الأضرحة مثل ملئ الفراغات التي تعلو الاضرحة بالتراب وزراعتها بالورد وكتابة الأسماء على لوحات الرخام تمت بجهود ذاتية من قبل بعض اسر الشهداء ,لكننا في نهاية المطاف أكدنا لزوجة الشهيد وطفلها أننا سنبذل قصارى جهودنا في متابعة الجهات المختصة لتقوم بواجبها في استكمال الإجراءات اللازمة لجميع الاضرحة بما فيها كتابة بقية الأسماء على لوحات الرخام، وتقديم المزيد من أوجه الرعاية الشاملة لأسر الشهداء . وفي حين كنا نستمع إلى حديث زوجة الشهيد، كان الطفل عبدالحكيم عارف السمحي يقف بجوار قبر ابيه ينظف بيديه الصغيرتين، باهتمام بالغ المساحة المستطيلة بارتفاع 30 سم تقريبا و بطول وعرض الضريح من الأحجار الصغيرة من بين التراب ومن القراطيس التي تحملها الرياح. غادرنا الروضة وعيوننا ترقب الطفل الذي لا يزال منهمكا بتنظيف الضريح، في حين استشفينا بعض الهموم والقضايا التي لم تفصح عنها زوجة الشهيد، لكننا قرأناها من خلال نظرات عينيها الممتلئتين بالدموع وصوتها المتقطع الذي آلمنا جميعًا وترك في قلوبنا جرحًا جديدا وفي حلوقنا غصة وآهات جديدة. نسأل الله الرحمة لشهداء الإعلام اليمني من منتسبي صحيفتي 26 سبتمبر واليمن الذين طالتهم يد الغدر والإرهاب الصهيوني تحت سمع وبصر العالم الذي لم يحرك ساكنًا تجاه القتلة المجرمين.