يقول الإمام الشافعي في بيته الشهير: *"نَعيبُ زماننا والعيبُ فينا.. وما لِزماننا عيبٌ سوانا"؛ وكأن هذا البيت كُتب ليصف حالنا اليوم ونحن نقف على أطلال قيمٍ وأعراف كانت حتى وقت قريب هي القوانين غير المكتوبة التي تُسير الحياة. إن المتأمل في "أحوال الناس" يلحظ هوة سحيقة اتسعت بين جيل الأمس وجيل اليوم، مسّت تفاصيل المعيشة، والروابط الأسرية، وصولاً إلى أخطر فجوة شهدها العصر الحديث: **انحسار سلطة الوالدين وتنامي تمرد الأبناء.* انقلاب الموازين: من طاعة الأهل إلى "دلال" الأبناء لعل أكثر الظواهر إيلاماً في واقعنا المعاصر هي تلك المفارقة التي تشير إلى أن الأبناء في الماضي كانوا يتسابقون لنيل رضا الوالدين، بينما نجد اليوم آباءً وأمهات يبذلون قصارى جهدهم، لا لتربية أبنائهم فحسب، بل "لاسترضائهم" وتجنب صدامهم. *لماذا تراجع برّ الأبناء واستشرى التذمر؟* 1. *ثقافة "الأنا" المفرطة:* غلبت النزعة الفردية التي تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الابن يرى نفسه محور الكون، وأن تلبية رغباته حق مكتسب لا يقبل التأجيل، متجاهلاً حجم التضحيات التي يبذلها المعيل. 2. *الفهم الخاطئ للحرية:* تحول مفهوم التعبير عن الرأي لدى الجيل الجديد إلى "تذمر مستمر" من أبسط النواقص، وغاب أدب الحوار ليحل محله الاعتراض والتمرد، وكأن الوالدين في حالة "تحقيق" دائمة أمام أبنائهم. 3. *انعكاس السلطة التربوية:* تحت ذريعة التربية الحديثة، تخلى البعض عن هيبة الأبوة، مما أدى إلى ذوبان الحدود الفاصلة بين الاحترام والصداقة، فأصبح الابن هو من يملي الشروط، والوالدان هما الطرف الملبّي خوفاً من جفوة الأبناء أو ضياعهم. مفارقات اجتماعية: الصعوبة في الحلال والسهولة في الفراق تتجلى مفارقات الزمن في تعقيد مسألة الزواج؛ فبينما كان الزواج في الماضي خطوة ميسرة تدعمها الجماعة والقبيلة، صار اليوم "مشروعاً" يحتاج لسنوات من الادخار، مما جعل "الحلال" صعب المنال. وفي المقابل، نجد أن "الطلاق" الذي كان يهز أركان المجتمع قديماً، أصبح اليوم قراراً يُتخذ لأتفه الأسباب، وكأن ميثاق الزواج الغليظ فقد قدسيته أمام رياح العصرنة والمادية. من الجوار إلى الاغتراب: حيّ واحد.. وقلوب شتى لقد كان "الحي" قديماً بمثابة أسرة كبيرة، يعرف الجار سر جاره ويشاركه رغيف الخبز. أما اليوم، فالحواجز الإسمنتية ليست وحدها ما يفصل بين البيوت، بل هي جدران الصمت والاغتراب؛ نمشي في الشارع أو نصلي في مسجد، بل قد نركب المصعد ذاته مع جارنا ولا نعرف اسمه، وننظر إليه كغريب، في زمن جعلتنا فيه الهواتف الذكية نتواصل مع من هو في قارة أخرى، ونجهل من يشاركنا حائط المنزل. تزييف الواقع: الفقراء في ثوب الأثرياء من أغرب ما نعيشه اليوم هو "هوس المظاهر". قديماً، كان الثري يتسم بالتواضع خشية كسر خواطر البسطاء، أما اليوم، فقد انعكست الآية؛ إذ نجد من يرزح تحت وطأة الديون يتظاهر بالثراء الفاحش ليواكب "ترندات" الاستهلاك، مما زاد من وتيرة التذمر وضيق الرزق، فالمعيل يظل واحداً مهما تعددت الوظائف، لأن بركة القناعة قد رُفعت من النفوس. *خاتمة:* إن العودة إلى روح التلاحم الأسري وإحياء قيم البر والطاعة ليست رفاهية، بل هي ضرورة لاستقامة المجتمع. فالزمان هو الزمان، والنهار والليل هما ذاتهما منذ بدء الخليقة، لكن النفوس هي التي تبدلت. إن إصلاح "أحوال الناس" يبدأ من العودة إلى أصل التربية السليمة، حيث للوالد هيبته، وللجار حقه، وللقناعة مكانها في القلوب.