لطالما تناهت إلى مسامعنا أخبار تلك الأرواح التي تختار الرحيل قسرًا في المجتمعات الغربية، فكنا نقفُ مذهولين أمام قسوة الإنسان على نفسه! كيف يجرؤ الإنسان على وأدِ نبضه بيده؟ وكنا نُرجع ذلك إلى كون تلك المجتمعات تعاني من الفراغ الروحي و "تيههم"؛ إذ غاب عنهم نور الإيمان، واستوحشت صدورهم بخلوّها من الرقابة الإلهية، فظنوا أن الموت نسيانٌ لا حساب بعده! لكن ما يبعث على القلق والخوف هو أن تجد هذه "العدوى" طريقًا إلى أروقة مجتمعاتنا الإسلامية. وهنا يبرز السؤال المؤلم: كيف لمسلمٍ يشرق قلبه بنور ربه، أن يُقدم على جريمةٍ نكراء بحق نفسه؟ ألم يدرك أن روحه عاريةٌ مستردة، وأمانةٌ مودعة، ليس له حقّ انتزاعها متى ضاقت به السبل، بل هي ملكٌ لخالقها، يرتدّ إليه أمرها حين يأذن هو لا حين ييأس البشر؟ بين عدلِ الله ورحمته إن الروح التي تفرّ من ضيق الدنيا إلى الانتحار، إنما تفرّ من عسرٍ مؤقت إلى شقاءٍ أبدي! لقد حذرنا الخالق عز وجل من إزهاق الروح، ببيانٍ جليٍّ حين قال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}. وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم صورةً تقشعر لها الأبدان لمن استعجل موته، فقال صلوت ربي عليه: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا...» (متفق عليه). فكيف يرضى المؤمن لنفسه هذا المصير الأبدي!؟ وأين صبر المؤمن على البلاء؟ وأين احتسابه للأجر عند ربه؟ بلسَمُ القلوب المنكسرة إلى كل روحٍ أرهقتها الجراح، ثمة نوافذُ سماويةٌ لا تُغلق، وآياتٌ نزلت لتكون "ضمادًا" لكل ندبة في القلب: قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا}. {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}. هذه الوعود الربانية آتية لا محالة، وما انكسار القلب إلا تمهيدٌ لجبرٍ عظيم، وما الليلُ إلا مخاضٌ لنهارٍ مشرق، فالقلوب تُجبر ولصبرها تؤجر. خطورة التبرير في وسائل التواصل كلمة لا بد منها على أمرٍ بالغ الأهمية. إن التعاطف مع الضحية كإنسانٍ متألم أمرٌ تمليه الفطرة، لكن الحذر كل الحذر من أن يتحول هذا التعاطف إلى ما يشبه "التبرير" أو "شرعنةٍ لليأس". إننا حين نبرر هذه الفعل، نمنح دون قصدٍ رسالة مبطنة لآخرين يقفون على حافة الهاوية بظروف مشابهة بأن الانتحار خيار مقبول أو حل متاح. ليكن قولنا حسنًا يحمي المجتمع ويصون النفس، ولنكن مفاتيحَ للرجاء لا أبوابًا للقنوط، فاتقوا الله في كلماتكم، فرُبَّ كلمةٍ أحيت روحًا، ورُبَّ تبريرٍ أهلك أمة..!