تمهيد: في السياسة لا توجد فراغات ،كل مقعد شاغر يُملأ، وكل كيان يُحل يُستبدل، وكل غياب هو حضور مؤجل لطرف آخر. لكن حين يترافق الغياب مع الاتهام بالخيانة العظمى، ويُتوج بحل الكيان من خارج حدوده، فنحن لسنا أمام تغيير تكتيكي عادي. نحن أمام إغلاق قسري لملف كامل.
تغييب اللواء عيدروس الزبيدي عن واجهة المشهد، متبوعاً باتهام رشاد العليمي له ب"الخيانة العظمى"، ثم إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض، هي ثلاثية متكاملة لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة أنها تسلسل سياسي واضح: نزع الشرعية _ ثم إسقاط الرمز _ ثم حل الإطار.
هذا التسلسل يعني أن مرحلة "الانتقالي" التي بدأت في 2017 كعنوان سياسي جنوبي بغطاء إقليمي تم الانقلاب عليها، وانتهى تفويضها رسمياً! .. انتهى ليس بانقلاب داخلي أو بثورة شعبية، بل بقرار سيادي من مركز التحالف الذي منحها المشروعية أول مرة.
السؤال الجوهري اليوم تجاوز الأشخاص والمسميات. السؤال هو: لماذا اختير توقيت "الخيانة العظمى" الآن؟ وما هو الثمن السياسي الذي دُفع مقابل حل المجلس؟ والأهم: هل الجنوب بعد هذا المشهد الثلاثي أمام فراغ، أم أمام إعادة تدوير للأدوات نفسها بوجوه جديدة؟ هذا الأسطر محاولة لتفكيك هذا المشهد المركب ببرود العقل، فالجنوب لا يحتمل عويلا آخر بل يحتاج تشريحا دقيقاً للواقع قبل ان تكتب وصفة المرحلة القادمة . غياب الزبيدي: لغز أم إزاحة؟: أين اللواء عيدروس الزبيدي؟ ان حدوث الغياب او التغييب في لحظة فارقة، لم يعد مجرد "استراحة محارب"، بل تحول إلى لغز سياسي يغذي فرضيات التغييب القسري. فهل كان غيابه شرطاً سعودياً لتمرير تفاهمات سياسية كبرى مع صنعاء تتطلب خفض سقف المطالب الاستقلالية؟ أم أنها رغبة إماراتية في إعادة تموضع القوى بعيداً عن الوجوه التي استُهلكت في صراعات المرحلة الماضية؟ الصمت المطبق حيال وضع الزبيدي يرجح فرضية وجود توافق إقليمي على إنتاج قيادة جديدة تتواءم مع متطلبات "يمن ما بعد الحرب" التي يروج لها حالياً. سياسة تجفيف المنابع وإحلال البديل: الحصار السياسي لم يأتِ منفرداً بل توازى مع تحركات ميدانية "عنيفة" استهدفت القوة العسكرية للانتقالي. فمنذ أشهر، بدأت عملية تجفيف منابع الدعم المالي واللوجستي عن "الأحزمة الأمنية" و"النخب" وقوات "دفاع شبوة"، وصولاً إلى التضييق على "ألوية العمالقة". وفي المقابل، تم الدفع بقوات "درع الوطن" و " قوات الطوارئ " كبديل عسكري مدعوم مباشرة من الرياض، لملء الفراغ وتقليص نفوذ الانتقالي على الأرض، في عملية "إحلال عسكري" واضحة المعالم تهدف إلى تجريد المجلس من أوراق القوة التي استند إليها لسنوات. بين مطرقة الإقليم وسندان الشارع: هذا الغموض والضغط العسكري انعكس حالة من التيه والاحقان في القواعد الشعبية للجنوب. فالشارع الذي يراقب تجريد "الأطراف" من قوتها وغياب "الرأس" عن المشهد، يشعر بأن تضحياته يتم مقايضتها في صالونات السياسة المغلقة. إن محاولات فرض "بدائل جاهزة" لقيادة المرحلة القادمة تضع الانتقالي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بعملية "إعادة ضبط مصنع" تُنهي طموحاته السياسية، أو المراهنة على الذات الجنوبية وإعادة هيكلة مؤسساته بصرامة لمواجهة هذه الضغوط برؤية وطنية شاملة تتجاوز المناطقية والارتهان للخارج. الإصلاح أو التآكل: إن ما يحدث اليوم هو عملية "تقليم أظافر" ممنهجة لمشروع الانتقالي. وإذا لم يمتلك من تبقى من قيادة المجلس الشجاعة الكافية لمصارحة الشعب وبناء مؤسسات وطنية صلبة قادرة على إدارة المشهد السياسي الجنوبي ذاتياً بعيداً عن الدعم المشروط، فإن المجلس قد يجد نفسه قريباً "خارج السياق". الرهان الآن هو على قدرة الجنوبيين على تحويل هذه المحنة إلى فرصة لإعادة بناء البيت الداخلي، فالمتغيرات الدولية لا تنتظر المترددين، والبقاء في ميدان السياسة يتطلب عقلية "رجل الدولة" لا عقلية "التابع الذليل".