الأشخاص ذوو الامتياز والظروف الخاصة عند الكتابة عن القانون، سواء أكان قانونًا عُرفيًا أم إسلاميًا رسميًا، يجد الباحث نفسه ينتقل من حقبة إلى أخرى وكأن تغييرًا كبيرًا لم يقع. والأمر نفسه يصدق غالبًا عند مناقشة المبادئ الأخلاقية؛ فالتواريخ المكتوبة، على الرغم من أن القيم التي تعكسها تبدو ثابتة لا تتبدل، تكاد تكون مهووسة بالتواريخ وتسلسل الأحداث. ومحاولة حل هذا التوتر وفق الأسلوب الحديث، من خلال التركيز على كيفية تغيّر القيم والافتراضات نفسها عبر الزمن – إن كانت قد تغيّرت فعلًا في الحالة المدروسة – تصطدم بندرة المصادر المتاحة. غير أنّ بالإمكان، بدلًا من ذلك، النظر في الكيفية التي يُدرَج بها الأشخاص الذين تتناولهم كتب التاريخ، أو الذين يصنعون التاريخ بأنفسهم، داخل البنية القبلية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك بيت العَنْسي، أو آل العنسي، الذين أشرنا إليهم في عرض الأحداث السياسية في القسم الثاني بوصفهم على خلاف مع الأئمة القاسميين في القرن الثامن عشر، كما أشرنا إلى كونهم محميّين، هِجَرًا مُحجَّرين في محيط العِنان. وتقدّم الوثائق المتعلقة بهم إضافةً قيّمة إلى نصوص برط المعروضة هنا. وقد ألّف إسماعيل الأكوع كتابه «المدخل إلى معرفة الهِجَر العلمية ومعاقلها في اليمن»، وقامت بريجيت مارينو بترجمته ترجمة فرنسية رصينة، إلا أن هذه الترجمة لم تنل ما تستحقه من انتشار، شأنها في ذلك شأن الأصل العربي نفسه. ومن هنا تبرز أهمية اقتباس النصوص الواردة في هذا العمل والمتعلقة ببرط، وأولها وثيقة مؤرخة بسنة 1112ه / 1700م، جُدِّدت ووُسِّعت لاحقًا حتى تسعينيات القرن التاسع عشر، وتتعلق بضمان ذي عمرو للهِجَر، أو المحميات، في الرَّضمة والسوادَية. وتنص الوثيقة على أن كل من يدخل هذه الهِجَر يكون آمنًا، ومن يرتكب فيها خطأً أو زلّة فعليه تعويض مضاعف أربع مرات من الذبائح والكسوة، إلا إذا كان الفعل عمدًا، ففي هذه الحال لا يبرئ الذمة إلا الصفح الصريح. أما المتهم داخل المواضع المحرّمة فيُؤدَّب بذبيحة وكسوة، ومن يخرق حرمة الهجرة أو يشهر خنجره أو يوجّه بندقيته، فحكمه في الهجرة ذبيحتان ورأسان من الغنم، وفقًا لما هو منصوص عليه في القواعد والاتفاقات. وبذلك يُعدّ كل إخلال بالسِّلم داخل حدود الهجرة جريمة موجبة للغرامة، كما تُلزم الديات والتعويضات عن الجراح والأضرار. وأهل الهجرة أنفسهم – وهم في هذه الحالة من نسل علي قاسم العنسي المتوفى سنة 1637م – يتمتعون بالحماية، ويُعمل بحقهم مبدأ «ما لهم فعليهم»؛ فإن ارتكبوا خطأً استوجب التعويض المضاعف، كما هو الحال في الاعتداءات العمدية الواقعة عليهم. أما الحدود المادية لموضع الهجرة فهي محددة سلفًا، وتسري على الجميع دون استثناء. ويُعدّ كل اعتداء داخل الهجرة فعلًا مُشينًا، وكما رأينا سابقًا: «لا شفاعة في أفعال العيب»، فلا يحق لأحد أن يتدخل دفاعًا عن الجاني بصفته جار الدار، أو رفيق المجلس، أو شريك الطعام، أو بأي ذريعة من ذرائع الحماية الاجتماعية. وتقع مسؤولية جبر الضرر على شرف الضامنين أنفسهم. وهذه الأحكام هي ذاتها التي نجدها في النصوص المتعلقة بالأسواق، إذ تُعدّ الأسواق بدورها هِجَرًا أو مواضع مُحجَّرة. بل إن تعديلًا صدر سنة 1851م جعل مسؤولية الهجرة تقع أولًا على «أهل الشهر» الذين يتولّون حراسة سوق العِنان. وتختلف الهِجَر عن منطق الأخذ والرد السائد في الأخلاق القبلية العامة، لكنها ليست محايدة أو بلا دلالة؛ فهي، شأنها شأن الاجتماعات القبلية أو السوق في يومه، تجسّد وعدًا بالوحدة والسِّلم، غير أن هذا الوعد يقابله استعداد لإشعال الخصومة إذا ما انتُهك السِّلم من أحد الملتزمين بصونه. ويُروى في هذا السياق أن هادي بن حسن، جدّ أسرة أبي أَصبع في آل دُمينة، كان بطلًا لقضية مشهورة تتعلق بانتهاك حرمة السوق؛ فقد أغار رجال من وائِلة على غنم كانت ترعاها أخته، وأخذوها معهم كي لا تطلق إنذارًا، ثم أطلقوا سراحها دون أذى، غير أنهم سلبوا منها حِلْية فضية كانت تلبسها في عضدها. وبعد مدة، رأى هادي رجلًا في سوق ذي محمد يلبس تلك الحلية، فواجهه، لكن الرجل أنكر صلته بالغارة، وادّعى أنه في أمان الله وأمان السوق. وتكرر ظهوره في السوق في الأسبوع التالي، وفي الأسبوع الثالث قتل هادي الرجل في الطريق إلى العِنان، وفرّ ملتجئًا إلى آل قملان من ذي زيد في مجزع. وطالب بقية ذي محمد بدم هادي لانتهاكه حرمة السوق، فعندها ذبح آل قملان شاة على الجبل وتركوا دمها يسيل نحو سوق العِنان، إيهامًا بأنهم قتلوا هادي وأوفوا بحق السوق، بينما كان في الحقيقة قد انتقل إلى جوار ذي حسين.