تتجلّى أهمية التحكيم في البناء الاجتماعي القبلي بوصفه نظامًا متكاملًا لا يقتصر على فضّ النزاعات أو تحديد التعويضات فحسب، بل يتجاوز ذلك ليؤسس إطارًا من العلاقات الملزمة والضمانات المتبادلة. فالتحكيم يحدّد النزاع بدقة، ويُعرّف أطرافه تعريفًا واضحًا، ويُنشئ شبكة من الالتزامات القانونية والأخلاقية التي تحكم سلوك الأفراد والجماعات. ويتمتع المُحكِّم بمكانة خاصة وحصانة مطلقة تضمن له الاستقلال والحياد، في حين يلتزم كل طرف متنازع بتقديم ضامنين أو كفلاء يكفلون الطرف الآخر، وتنشأ بين الأطراف المتخاصمة والضامنين والمُحكِّم روابط صريحة ومعلنة لا يمكن نقضها أو التحلل منها دون الإضرار بالمكانة القانونية والاجتماعية لأصحابها، وهي بذلك تشبه روابط الحراسة أو الجوار أو الحماية من حيث قوتها ودوامها، وغالبًا ما تُدعَّم هذه الروابط الأساسية بضمانات ثانوية تزيد من صلابتها. وعلى الرغم من أن النزاع في بدايته قد يكون غامضًا أو غير محدد المعالم وقابلًا لتأويلات متعددة، فإن الدخول في هدنة تحكيمية يحوّله إلى منظومة من الالتزامات الواضحة والمحددة. ففي هذا السياق تُصاغ الدعوى في وثيقة رسمية تُعرف باسم «رقم المراد»، ثم يُصدر المُحكِّم حكمه بناءً عليها. وتُبرز إحدى الوثائق العائدة إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، المشار إليها هنا بالوثيقة رقم (8)، هذه الآلية بوضوح؛ إذ يظهر والي الجوف آنذاك، وهو من أبرز شيوخ ذي محمد، داعيًا رجال القبائل إلى الالتزام بهدنة التحكيم باسم الدين والعرف، ومهددًا بفرض غرامة مقدارها (220) ريالًا فضيًا عن كل يوم يتم فيه خرق الهدنة، ويُقسَّم هذا المبلغ بالتساوي بين من بادر بطلب الهدنة أو قبل بها، وبين من سعى إلى تحقيق الصلح، في تأكيد صريح على متانة الرابطة التي تجمع طالب الهدنة بالوسيط. وتهدف الهدنة في جوهرها إلى الحفاظ على ديمومة هذه الروابط والالتزامات رغم ما يكتنف إقرار هدنة عامة من صعوبات عملية واجتماعية. وقد ظهر هذا التوجه أيضًا في اتفاقيات الهجرة التي تكفل حماية أسر العلماء، وكذلك في اتفاقيات الأسواق التي سبق تناولها. وفي مثل هذه الحالات يكون الشيخ ضامنًا لأفراد قبيلته، إلا أن المسؤولية تبقى مشتركة بين جميع الموقّعين. وفي كل حالة يُجمَّد فيها منطق الثأر والأخذ بالدم، حيث تتشكّل روابط محددة بين أشخاص معلومين وفي وقت معلوم على نحو يشبه الروابط النهائية كالحراسة، ولا يُنظر إلى خرق هذه الروابط بوصفه خسارة مادية تستوجب التعويض، بل باعتباره إهانة تمسّ الشرف والاعتبار الاجتماعي، وهو ما يُعرف بالعيب. ومن يرتكب هذا العيب يُحرَم من الإعالة والحماية، كما تُظهر بعض الوثائق الحديثة من سفيان التي تشير إلى أن من يفقد أرضه يفقد قبيلته، أي يفقد انتماءه الاجتماعي. ومع ذلك تؤكد بعض النصوص أن هذا الشخص لا يُعدّ مذنبًا من الناحية القانونية الصرفة، وإن كان ساقط المكانة اجتماعيًا. ويُبرز نظام ضمان السوق هذه الفكرة بعبارات قديمة لكنها شديدة الدلالة؛ إذ ينص على أن من يسرق في سوق العينين من ذي محمد، أو يمتنع عن محاسبة السارق حين تطالبه قبيلته بذلك، يصبح «لا رفيق له ولا ابن عم»، أي إنه يُعزل مؤقتًا عن الجماعة القبلية ويُعامل وكأنه خارج عنها إلى أن يتم الصلح. ومع ذلك فإن أغلب المخالفات يمكن تسويتها بالدفع، وما إن يُسدَّد التعويض حتى تعود السنّة والواجب والرفقة إلى وضعها الطبيعي. وغالبًا ما يُدفع هذا المبلغ لأشخاص بعينهم، كالكفلاء الذين أُخلّ بالتزاماتهم أو للمتضرر المباشر، غير أن بعض الجرائم يُنظر إليها على أنها إساءة تطال القبيلة بأكملها، ولتوضيح ذلك وتحديده لا بد من وجود مجموعة من الاتفاقات المسبقة، سواء كانت قواعد مكتوبة وموقعة أو هدنًا يشهد عليها الكفلاء. وتشير إضافة لاحقة إلى أحد النصوص إلى أن من يُسيء إلى شرفه يُلزَم بدفع أحد عشر ضعفًا، وهو ما قد يُفهم على أنه عقوبة على نقض هدنة متفق عليها، إلا أن شيوخ البراءة فسّروا هذا الحكم في الغالب على أنه إخلال بالعهد الشخصي، كأن يظلم المرء ضيفه أو يخون من وعده بالمرافقة أو الحماية. وفي هذه الحالة يكون الجاني قد انتهك الأساس الأخلاقي للنظام القبلي، ويُعدّ مرتكبًا لما يُعرف ب«الذنب المضمر»، وهو ذنب يلطّخ سمعة القبيلة بأسرها. وفي بعض الحالات القصوى لا يكون هناك مفرّ من العقوبة النهائية؛ إذ تشير بعض النصوص إلى أن الحامي الذي يقتل عمدًا من هو تحت حمايته يجب أن يُقتل بدوره، وإلا لحق العار بأقاربه، وهو ما يُعرف ب«العار الأسود». ورغم أن محو الفرد من الوجود القبلي أمر نادر، فإنه قد يحدث في ظروف استثنائية. فقد سُجّلت في تسعينيات القرن الماضي حادثة قَتل فيها رجل من ذي محمد مرافقًا له من ذي الحسين قرب خراب المراشي على الطريق المؤدي إلى سوق العينين، ولم تكن هذه الحادثة قائمة على عقد حراسة رسمي، وهو ما يتعارض مع ما تشترطه النصوص القديمة التي تؤكد أن الحماية لا تقوم إلا على تعاقد صريح ومعلن.