شكل اطلاق حزب الله اللبناني لعملية "العصف المأكول" محطة مفصلية في مسار المواجهة الدائرة بين المقاومة الإسلامية والكيان الصهيوني، وبانطلاق هذه المرحلة العملياتية الجديدة شهدت المواجهات تصعيداً نوعياً في الأداء العسكري للمقاومة، تجلّى في تنفيذ ثمانية وثلاثين عملية عسكرية متدرجة خلال اليوم الأول من اطلاق العملية، جمعت بين الدفاع التكتيكي على الجبهة الحدودية والهجوم العميق على الأهداف الاستراتيجية في عمق الكيان.. ويعكس هذا التطور انتقال المعركة من مرحلة الردود الموضعية إلى مستوى أعلى من إدارة الصراع يقوم على الردع الصلب وفرض معادلات ميدانية جديدة. تقرير: عبدالحميد الحجازي في الميدان، أظهرت المقاومة قدرة واضحة على إدارة المعركة وفق مقاربة مركبة تجمع بين الصد البري والتصعيد الناري الاستراتيجي.. فقد بدأت العمليات بالتصدي لمحاولات التقدم البري الإسرائيلي على عدد من المحاور الحدودية، حيث رصدت وحدات الاستطلاع الميداني تحركات لقوات راجلة ومدرعة حاولت التقدم باتجاه منطقة الخانوق جنوب غرب بلدة عيترون. وسرعان ما جرى التعامل مع هذه القوة بصليات صاروخية مركزة أحبطت محاولة التسلل قبل أن تتحول إلى اشتباك واسع، ما يعكس يقظة استخبارية وميدانية عالية لدى قوات المقاومة المنتشرة على الحافة الأمامية. سيطرة نارية كما اعتمدت المقاومة تكتيك "كيّ التحشدات" لمنع العدو من تثبيت أي نقاط ارتكاز أو إنشاء مواقع مستحدثة قرب الحدود.. حيث جرى استهداف عدد من المواقع التي حاول الجيش الإسرائيلي استخدامها كنقاط دعم لوجستي أو مراكز تمركز ناري، مثل محيط موقع مركبا المستحدث وموقع بلاط، إضافة إلى تجمعات الجنود جنوب مدينة الخيام. وتكرار استهداف هذه النقاط في أوقات مختلفة يشير إلى أن المقاومة حافظت على سيطرة نارية فعالة تمنع العدو من إعادة التموضع أو تنظيم هجوم بري متماسك. ذروة العمليات تجلت في إطلاق مرحلة "العصف المأكول" التي مثلت مناورة نارية واسعة النطاق اعتمدت على الصواريخ النوعية والطائرات المسيّرة الانقضاضية، فقد استهدفت هذه الضربات بنك أهداف استراتيجياً في عمق فلسطينالمحتلة، شمل قواعد عسكرية ومراكز صناعات حربية ومنشآت رصد ومراقبة بحرية.. وفي محور حيفا تحديداً، طالت الضربات عدداً من القواعد العسكرية والمنشآت الصناعية المرتبطة بالمجمع العسكري الإسرائيلي، بما في ذلك منشآت تابعة لشركات الصناعات العسكرية ومواقع بحرية ورادارية. أما في محور الجليل الشرقي، فقد استهدفت الصواريخ والمسيرات قواعد عسكرية رئيسية ومراكز قيادة ميدانية تشرف على العمليات العسكرية في الجبهة الشمالية. تأديب المستوطنات بالتوازي مع ذلك، نفذت المقاومة ما وصفته بعمليات "تأديب المستوطنات"، ترجمةً لتحذيراتها السابقة بإخلاء المستوطنات الواقعة ضمن نطاق خمسة كيلومترات من الحدود اللبنانية، فقد تعرضت عدة مستوطنات في الجليل الأعلى لقصف صاروخي متكرر، ما أدى إلى تعطيل الحياة في شمال فلسطينالمحتلة وفرض حالة نزوح واسعة بين المستوطنين، ويعكس هذا السلوك العملياتي قدرة المقاومة على التحكم بإيقاع الحياة المدنية في تلك المنطقة، وإظهار أن قرار الاستقرار أو الإخلاء لم يعد بيد قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية بل بات مرتبطاً بقرارات الميدان. مناورة النار في المقابل، لجأ جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى تصعيد واسع في مناورة النار، مستخدماً مزيجاً متزامناً من الطيران الحربي والمسيّرات والمدفعية البرية والبحرية، وتركزت غالبية الغارات الجوية على مناطق مدنية وبنى تحتية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى استهداف مناطق داخل العاصمة، مثل عائشة بكار والرملة البيضاء، ويبدو أن هذا النمط من الاستهداف يندرج ضمن محاولة للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة وتعويض العجز الميداني على الجبهة الحدودية. وتكشف هذه التطورات عن بعدٍ آخر من المعركة يتمثل في الحرب النفسية والإعلامية، حيث حرصت المقاومة على التأكيد في بياناتها أن ضرباتها ركزت حصراً على المواقع العسكرية والصناعية، في مقابل ما تصفه باستهداف إسرائيلي ممنهج للمدنيين.. ومن خلال تنفيذ التحذيرات التي أطلقتها مسبقاً تجاه المستوطنات الحدودية، سعت المقاومة إلى تكريس صدقية خطابها وإظهار قدرتها على تحويل تهديداتها إلى أفعال ميدانية ملموسة.. في ضوء ذلك، يمكن القول إن إطلاق "العصف المأكول" يمثل تحولاً واضحاً في طبيعة المواجهة، فالمقاومة لم تكتفِ بإدارة معركة دفاعية على الحدود، بل نجحت في الجمع بين الدفاع البري الصلب والهجوم الناري العميق على البنية العسكرية والصناعية للكيان الإسرائيلي، وهذه المعادلة الجديدة تحمل رسالة مباشرة لقيادة العدو مفادها أن استهداف المدن والعمق اللبناني لن يمر من دون رد استراتيجي مؤلم، وأن ميزان الردع في هذه الحرب لا يتحدد فقط بحجم القوة النارية، بل بقدرة كل طرف على فرض قواعد اشتباك جديدة في الميدان. أبعاد متعددة يحمل مصطلح "العصف المأكول" أبعاداً متعددة تتقاطع فيها الدلالات اللغوية والدينية مع الرمزية السياسية والعسكرية. من الناحية اللغوية، "العصف" هو ورق الزرع أو التبن الذي ييبس ويتفتت، و"المأكول" يعني ما أكلته الدواب أو ما أصابه الأكل فتآكل، وهذا التركيب القرآني ورد في "سورة الفيل" بالقرآن الكريم لتصوير مصير أصحاب الفيل الذين جعلهم الله "كعصف مأكول". أما في السياق الديني، فالعبارة تحيل إلى قصة أبرهة الحبشي وجيشه الذي جاء لهدم الكعبة، فأهلكهم الله بطير أبابيل التي رمتهم بحجارة من سجيل فجعلتهم كعصفٍ مأكول. بالتالي، فهي استعارة قرآنية عن "الهزيمة الشاملة" للقوى الغازية. أما على المستوى العسكري، وفي ظل ميزان القوى القائم حالياً، فيوحي المصطلح باستراتيجية قائمة على إرباك القوات الإسرائيلية واستنزافها، وتحويلها إلى مجرد "عصفٍ مأكول". وفي البعد النفسي، تعمل العبارة على رفع معنويات المقاتلين من خلال استحضار "نصرٍ إلهي ساحق" على قوة عظمى. مواجهة دينية وجودية الصراع ضمن سياق ديني أوسع، يتجاوز "المحور الشيعي" في عملية العصف الأكول حيث سبق لحركة "حماس" أن أطلقت معركةً تحت عنوان "العصف المأكول" رداً على عملية "الجرف الصامد" التي أطلقتها إسرائيل في سياق الحرب على غزة عام 2014م كما يهدف إلى تحويل المعركة مع إسرائيل إلى مواجهة دينية وجودية، ويسعى إلى إضفاء الشرعية الدينية المطلقة على العمليات العسكرية، مما يمنح الصراع بُعداً عقائدياً يتجاوز الحسابات العسكرية الدقيقة وموازين القوى الحقيقية. معركة الدفاع المشروع أكد نائب الأمين العام ل"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في كلمة في يوم القدس العالمي أن المقاومة في لبنان تخوض "معركة الدفاع المشروع" في مواجهة العدوان الإسرائيلي، مشددًا على أن العدو" لا يملك اليوم القدرة على تحقيق أهدافه". وقال:" إن المقاومة قررت تسمية العملية الجارية "معركة العصف المأكول"، معتبرًا أنها "دفاع عن لبنان وكرامته وأرضه في مواجهة العدو الإسرائيلي، وتيمّنًا بسورة الفيل في القرآن الكريم". وأشار إلى أن ما يجري في لبنان هو "عدوان وحشي وخطير يشكل تهديدًا وجوديًا"، لافتًا إلى أن "الاعتداءات الإسرائيلية استمرت لمدة 15 شهرًا، وأن المقاومة كانت قد أطلقت مرارًا تحذيرات بأن هناك حدًا لاستمرار العدوان وحدًا لنفاد الصبر". اضاف: " أن قيادة المقاومة عقدت اجتماعات عدة في ثلاث محطات مختلفة للتشاور في مسألة الرد على العدوان، لكنها كانت ترى في مراحل سابقة أن التوقيت غير مناسب، كما أعطت فرصة إضافية للمسار السياسي بناءً على اتصالات من جهات طلبت ذلك".. وتابع:" أن النقاش داخل إسرائيل في الشهر الأخير كان يدور حول ضرورة القيام بعمل كبير ضد لبنان، لكنه كان يتمحور حول توقيت التنفيذ". عامل دفع قوي وأشار الشيخ نعيم قاسم إلى أن" التطورات الإقليمية، ولا سيما العدوان على إيران واستشهاد الإمام آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، شكّلت عاملًا دفع إلى اعتبار الظروف ملائمة لمواجهة العدو".. وقال قاسم: "نحن واجهنا دفاعًا، ويقول البعض إننا استفززنا العدو بهذه الصلية، لكن ألم يستفزكم الشهداء والجرحى والأسرى؟".. وأضاف: ان إسرائيل تلجا إلى "تدمير البيوت بشكل بشع وخطير جدًا وتهجير مدن بأكملها تحت عنوان مقاتلة المقاومين"، معتبرًا أن الهدف الحقيقي هو "إعدام الحياة". كما اعتبر أن "الحكومة اللبنانية لم تتمكن من تحقيق السيادة ولا حماية مواطنيها في ظل استمرار الاعتداءات".. مؤكداً أن" المقاومة أعدّت نفسها لمواجهة طويلة"، وقال: "إن شاء الله سنفاجئهم في الميدان"، مشددًا على أنه "لا حل سوى بالمقاومة وإلا يتجه لبنان إلى الزوال". اطلقته حماس تُعتبر حرب "العصف المأكول"، وهو الاسم الذي أطلقته حركة حماس على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في شهر يوليو 2014م والذي سمّاه الاحتلال "الجرف الصامد"، أطول الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، وثاني أطول الحروب العربية الإسرائيلية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م. واختلفت حرب "العصف المأكول" عن غيرها من الحرب العربية الإسرائيلية، فهي جرت فوق الأرض الفلسطينية، داخل ما يسمى حدود الكيان الصهيوني، وهي الأطول إذ استمرت 51 يوماً، وهي الأعنف من حيث شدّة القصف وعنفه والأسلحة المستخدمة، إذ ألقى الاحتلال الإسرائيلي حوالي 20 ألف طن من المتفجرات، ما يوازي ست قنابل نووية، واستخدم أكثر من 75 ألف جندي ومئات الطائرات والدبابات.