ها نحن على وشك أن نودع شهر رمضان، نودع نهاره المبارك ولياليه الكريمة، أتى سريعًا ومضى أسرع، فالسلام عليك يا شهر الله الكريم، السلام عليك يا شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، السلام عليك يا شهر التجاوز والغفران، السلام عليك يا شهر البركة والإحسان، السلام عليك يا شهر التهجد والقيام، فرمضان يمضى بعد أن أحسن فيه أقوام وأساء آخرون، يمضى وهو شاهد لنا أو علينا، شاهد للمشمر بصيامه وقيامه وبره وإحسانه، وشاهد على المقصر بغفلته وإعراضه ونسيانه، فشهر الصوم ارتحل، فما أسعد نفوس الفائزين، وما ألذ عيش المقبولين، وما أذل نفوس العصاة المذنبين، وما أقبح حال المسيئين المفرطين. وما أصعبها من لحظات ونحن نقف على آخر أيام هذ الشهر، دقات القلب تتسارع، وموعد الرحيل يقترب، وكأن إنساناً غالياً على قلبك يجلس بين يديك ويودعك بلا رجعة، لا أستطيع أن أصف لهفة القلب ودمعة العين في تلك اللحظات، فوالله حق على كل واحد منا أن يبكي على فراقه، وكيف لا يبكي المؤمن.. ففي رمضان تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين، وهذا سيدنا الإمام علي عليه السلام كان يقول في آخر ليلة من رمضان: "يا ليت شعري، من المقبول فنهنئه، ومن المحروم فنعزيه"، فإن مما يهون هذا الشعور قليلًا ويكسر حدته هو أننا ينبغي أن نحمد الله في ختام هذا الشهر على توفيق الله لنا لإتمام الطاعة والعبادة، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن للصائم فرحة عند فطره، وهي فرحة التوفيق للطاعة وتمام العبادة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ). وفي مرور أيام هذا الشهر الفضيل وسرعتها عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين قال عز وجل: {يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} (النور:44)، بالأمس القريب كنا نتلقى التهاني بقدومه، ونسأل الله بلوغه، واليوم نودعه بكل أسىً، فما أسرع مرور الليالي والأيام والشهور والأعوام، فالعمر فرصة لا تمنح للإنسان إلا مرة واحدة، فإذا ما ذهبت هذه الفرصة وولت فهيهات أن تعود مرة أخرى، فاغتنم أيام عمرك قبل فوات الأوان ما دمت في زمن الإمكان، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي". وبالتوازي مع ذلك علينا جميعًا أن نتذكر دائماً أن العبرة بالخواتيم، فأجعل ختام شهرك الاستغفار والتوبة، فإن الاستغفار ختام الأعمال الصالحة، وقد قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في آخر عمره: {إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً} (النصر:1-3)، وأمر سبحانه الحجيج بعد قضاء مناسكهم وانتهاء أعمال حجهم بالاستغفار، فقال جل وعلا: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} (البقرة:199)، كما أن سلفنا الصالح رضوان الله عليهم كانوا يجتهدون في إتمام العمل وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده، كما وصف الله عز وجل عباده المؤمنين بأنهم: {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} (المؤمنون:60)، وقال الإمام علي عليه السلام: "كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، ألم تسمعوا إلى قول الحق عز وجل: {إنما يتقبل الله من المتقين} (المائدة:27). كما لا ننسى ونحن نودع شهر رمضان إخواننا المسلمين المظلومين والمشردين والمضطهدين والجوعى والمحاصرين في أصقاع الأرض من الدعوات الصالحة، ومن سخاء يد بالإنفاق عليهم؛ وليكن عندنا أمل بأن الله سيحدث التغيير في حياة هذه الأمة إلى الأفضل، وبأن بعد العسر يسرًا، وبأن بعد الكرب يأتي الفرج، وما ذلك على الله بعزيز، فعلينا أن نثق بالله، وأن نحسِن العمل، مع حسن الظن به سبحانه وتعالى، وبأنه أرحم بعباده من أنفسهم، ولن يخيب الله رجاءنا، ولن يضيع الله أعمالنا؛ فهو الذي يجزل العطاء، ويتجاوز عن التقصير، ويجعل الحسنة بعشر أمثالها.