في هذه اللحظة التاريخية المثقلة بالانكسارات، تقف المنطقة العربية والإسلامية على فوهة بركان لا يهدأ؛ حيث تتمازج دماء الأبرياء في غزة العزة ولبنان الجريح بطموحات القوى الإمبريالية وصراعاتها الجيوسياسية. إن ما نشهده اليوم يتجاوز كونه صراعاً حدودياً، بل هو تجلٍّ صارخ للانحياز الأمريكي السافر بقيادة "ترمب" للكيان الغاصب، وهو انحياز يضرب عرض الحائط بكل المواثيق الدولية والقيم الإنسانية. لقد استبشرت الأمة خيراً فليلة أول أمس، حين لاحت في الأفق بوادر انفراجة بوقف إطلاق النار عبر وساطة دولية، وظننا أن "الأمة" قد تنفست الصعداء بعد أربعين يوماً من الجحيم. لكن سرعان ما صُدمنا بتراجع الإدارة الأمريكية عن تفاهمات كانت كفيلة بلجم آلة القتل في كل الجبهات، مما يثبت أننا أمام عقلية "تجارية صهيونية" تتلاعب بمصائر الشعوب. إن هذا المشهد يضعنا أمام سؤال الهوية والمصير: أين نحن من مفهوم "الجسد الواحد"؟ وأين تلاحم المسلمين الذي يقينا غطرسة التلاعب الدولي؟ إن هذه الأبيات هي قراءة في وجع الجرح، وصرخة في وادي التشرذم والخذلان. ### *قصيدة: صرخة في وادي الشتات* 1. *ما بالُ غَزَّةَ والأوجاعُ شاخِصَةٌ* | *تَشكو إلى اللهِ خِذلاناً مِنَ العادِي؟* 2. *ولبنانُ الجريحُ يَئنُّ من وَجَعٍ* | *والنارُ تَلفَحُ أَرْزاً في ذُرى الوادِي* 3. *وطاغيةُ الرُّومِ (ترمبُ) يَمُدُّ يَدَه* | *لِلغاصِبِ النَّذْلِ في بَغْيٍ وإفسادِ* 4. *يَميلُ بالحقِّ مَيلاً لا حَياءَ بِه* | *كأنَّما القدسُ إرثٌ لِلأَعادي* 5. *عَصَبِيَّةٌ عَمياءُ تَقودُ خُطاهُمُ* | *لِوَأْدِ شَعْبٍ كَريمِ الأصلِ والمَادِي* 6. *وطبولُ حَربٍ معْ إيرانَ قَدْ قُرِعَتْ* | *تُذكي لَهيباً وسَعيُ الظلمِ في زادِ* 7. *يا لَلْمُصابِ وأرضُ المَكرِ مَعرَكةٌ* | *يَقُودُها الغَرْبُ في إبراقِ وإرعادِ* 8. *أينَ التَّلاحُمُ؟ والأرواحُ في شَطَطٍ* | *وضَعْفُنا صارَ زاداً لِلأَعادي؟* 9. *تَفَرَّقَ الشَّمْلُ والأهواءُ تَعْصِفُنا* | *كأنَّنا في المَدى ضَلَّتْ بِنا الهادي* 10. *نَشكو التَّشرذُمَ والأسوارُ قَدْ هُدِمَتْ* | *والذِّئبُ يَرعى بِمَرعانا بِمِجهادِ* 11. *يا أُمَّةَ الحقِّ كُفِّي عن تَنَاحُرِنا* | *فالحُزنُ عَمَّ بلادَ العُرْبِ والضَّادِ* 12. *إنَّ التَّخاذُلَ للأحرارِ مَقْصَلَةٌ* | *والعِزُّ يَبقى بِحبلِ اللهِ لا العادِي* 13. *فهلْ نَفيقُ؟ فجمرُ النارِ مُلتهِبٌ* | *والنصرُ يُولَدُ مِن صِدقٍ وإعدادِ* ### *القراءة التحليلية والنقد الأدبي* * *الأسلوب والصبغة الشعورية:* يتجلى في النص تحول جذري من الأسلوب الوعظي الساكن إلى "الخطاب الثوري المتفجر". إن استخدام الشاعر لأفعال مضارعة دالة على الاستمرارية والألم (تلفح، يئن، تشكو، تُذكي) ينقل القارئ من حالة المشاهد السلبي إلى قلب المعركة، مما يمنح النص نبضاً حياً يرفض الاستكانة. * *البعد السياسي والتاريخي:* برزت القصيدة كمرجع أدبي يوثق حقبة "الترامبية" بوضوح غير مسبوق في البيت الثالث والرابع. هنا لا يكتفي الشاعر بالرمز، بل يشير مباشرة إلى صانع القرار الأمريكي ودوره في شرعنة البغي الصهيوني، مما يحول القصيدة من مجرد "شعر وجداني" إلى "مانيفستو سياسي" يفضح زيف العدالة الدولية. * *تشخيص الوهن الذاتي:* في الأبيات (8-10)، ينتقل الشاعر حسن الرصابي من لوم الآخر إلى "مكاشفة الذات". إن استخدام رمزية "الذئب" الذي يرعى في "المرعى" يصور ببراعة كيف أدى التشرذم الداخلي إلى استباحة السيادة. هنا تظهر براعة الشاعر في ربط "سقوط الأسوار" بضياع "الهادي" (القيادة والوحدة). * *الرؤية الشمولية للصراع:* لم يحصر الشاعر الرصابي مأساة الأمة في غزة أو لبنان، بل ربطها بالتوترات الإقليمية (إيران) في البيت السادس، مؤكداً أن الصراع هو مشروع "إبادة شامل" يستهدف الجغرافيا والهوية على حد سواء. ### *الخلاصة والاستشراف* إن هذا المقال وهذه القصيدة لا يقدمان رثاءً للأمة، بل يقدمان "روشتة" للخلاص. فالتحليل يثبت أن الانحياز الخارجي والغطرسة الصهيونية لم يشتد عودهما إلا حين وجدا خللاً في البنيان الداخلي للأمة. إن الرسالة الجوهرية هنا هي أن "حبل الله" هو العروة الوثقى التي تعيد للأمة هيبتها، وأن النصر ليس "هبة" تُستجدى من طغاة البيت الأبيض، بل هو ثمرة "صدق النوايا وحسن الإعداد". هي دعوة لاستعادة "بوصلة الضاد" وتوحيد الخطاب الديني والوطني لمواجهة أعاصير التشرذم.