مرت اليمن بظروف حرب وعدوان وحصار على مدى أكثر من 11 سنة وما يزال الشعب اليمني يعاني ويلات الحرب الأولى تلو الأخرى، وكان لهذه الحرب وقعها في جانب بيئي كارثي ومدمر على الإنسان تارة وعلى البيئة تارة أخرى، منذ بداية بالعدوان السعودي الإماراتي مروراً بالاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية على اليمن واستخدام أعتى الأسلحة المدمرة، مما انعكس على البيئة اليمنية والإنسان اليمني وتسبب بظهور العديد من الأوبئة والأمراض، وفاقم من ذلك انسحاب المنظمات الدولية وتوقف أنشطتها في الجانب البيئي وتوقف النشاط البيئي.. ولأن الأمر بهذه الخطورة حرصت "26 سبتمبر" أن تلتقي رئيس الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي الأستاذ محمد عامر الذي كشف الكثير من الأمور المتعلقة بهذا الجانب في ثنايا الحوار التالي: حوار: هلال جزيلان - تصوير: صالح العرامي معاناة كبيرة في ضوء الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ العام 2015م .. كيف تقيمون الوضع البيئي العام في العاصمة صنعاءوالمحافظات الأخرى المحررة؟ وما هي أبرز المظاهر التي تدعو إلى القلق من ناحية بيئية على اعتبار أن اليمن يتعرض للحرب العدوانية منذ 11 سنة ، وتم استهدافه بشتى الأسلحة؟ في البداية نرحب بصحيفة 26 سبتمبر التي تزورنا اليوم، وبالنسبة للسؤال فالهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي وهو المسمى الجديد لها بعد صدر قرار جمهوري بإلحاقها بوزارة الصحة والبيئة، حيث كانت تسمى سابقاً الهيئة العامة لحماية البيئة وكانت تتبع وزارة المياه والبيئة. نؤكد أولاً أن الهيئة تعاني معاناة كبيرة جداً على الرغم أنها تعد جهازاً ذا أهمية عالية جداً على مستوى البلاد، والأجهزة البيئية في معظم دول العالم طورت لمستوى وزارات لما لها من أهمية كبيرة لأنها ترتبط بأنشطة وأعمال مع كثير من الجهات الحكومية والخاصة، وتلك المعاناة التي أصابت الهيئة بسبب انعدام الإمكانات وهذا ما أدى إلى تأثير سلبي على أداء الهيئة الذي بدوره انعكس على صحة المجتمع. وبما أن الهيئة بهذه الأهمية ندعو الجهات المعنية في الدولة أن تولي الهيئة اهتماماً خاصاً في تقديم الدعم لها للقيام بمهامها وأنشطتها وتنفيذ خططها المختلفة. لقد كان أول تسلم لي للعمل على رأس الهيئة، قبل ما يقارب 8 أشهر وبالتحديد في التاسع من أغسطس من عام 2025م، وجدنا الهيئة في وضع لا يؤهلها بالقيام بمهامها على أكمل وجه، أو على الأقل كما كانت، لأنه ليس لدينا على الأقل أي موازنة تشغيلية من الدولة، وحتى نصف الراتب الذي يصرف لأجهزة الدولة حسب الآلية الاستثنائية لم يشمل الهيئة للأسف الشديد. أي أننا لا نستلم أي ريال لا موازنة ولا رواتب للموظفين، ونعتمد بصورة أساسية على الإيرادات الذاتية التي تعد شحيحة جداً لا تذكر، والتي هي مرتبطة أيضاً بنشاط موسمي إن وجدت، فإذا كانت هناك إيرادات صرفنا حوافز ومكافآت للموظفين، وإذا لم توجد إيرادات فلا نجد ما نصرف للموظفين، وقد يتوقف نشاطنا، فضلاً عن أن الأمر يعود لحالة البلاد في الأساس التي تعاني عدواناً وحصاراً لأكثر من 11 سنة الذي تسبب في تدمير مقدرات البلاد في كل النواحي، وهذا ينحسب على كل أجهزة الدولة عامة، ونحن في الهيئة أكثر المتضررين. ومهام الهيئة كبيرة لأنها معنية بمراقبة الوضع البيئي والمناخي في البلاد، وتأثير العدوان والحصار والحرب على البلاد لا شك كان كبيراً جداً بالذات على البيئة اليمنية، وانعكس على صحة الناس، فمسألة تلوث مناخ البلاد، بيئته، وتربته، تعود بمشكلات على صحة الإنسان اليمني، لذا فنحن خلال الفترة الماضية حشدنا الجهود وقدرات فريقنا من موظفي وكوادر الهيئة وبدأنا نشتغل أيضاً مع جهات محلية وعملنا على تبني مذكرات تفاهم بيننا وبين هذه الجهات لتحسين الأداء في الهيئة، وبما أن الهيئة كانت تعتمد إلى حد كبير على دعم المنظمات الدولية وفقاً لاتفاقيات دولية مختلفة موقعة مع هذه المنظمات ك"بازل" والمناخ والأوزون وغيرها ..بنيت عليها شراكة سابقة مع هذه المنظمات قبل أن تغادر المحافظات الحرة وتنتقل إلى عدن، الأمر الذي جعلنا نستعيض ذلك بعمل شراكات قدر الإمكان مع القطاع الخاص ما أمكن ذلك. ونحن نعاني الآن كون هذه المنظمات انسحبت من صنعاءوالمحافظات الحرةوأصبحت كل المنظمات مرتبطة ومتواصلة بحكومة المرتزقة في عدن فقط، والأنشطة البيئية كلها مرتبطة بهذه المنظمات أما الهيئة الآن فليس لها أي نشاط مسجل يتبع لهذه المنظمات الدولية ولم يعد في الهيئة أي نشاط يتبعها، فنحن في الهيئة بصورة أساسية نعتمد على أنفسنا. عدد من الأنشطة بما أنكم في هذا الوضع ما الذي بالإمكان أن تقوموا به من نشاطات في إطار مهام وعمل الهيئة؟ نحن الآن نحاول بحول الله تعالى، العمل والترتيب لتنفيذ العديد من الأنشطة بدعم ذاتي تطوعي في أحيان كثيرة من فريق العمل بالهيئة، ومن هذه الأنشطة على سبيل المثال إصدار شهادة الامتثال البيئي حيث يتم إصدارها للمؤسسات التجارية والصناعية التي تتبنى الاشتراطات والمعايير البيئية وتساهم في جهود حماية البيئة مثل مجموعة هائل سعيد أنعم وشركائه، وقد تواصلت معنا العديد من المصانع والمؤسسات التجارية للحصول على هذه الشهادة، وبهذا نخلق علاقة وثيقة بين القطاع الخاص بشكل عام والهيئة، هذا فضلاً عن النزولات الميدانية التي تنفذها الهيئة للتأكد من التزام المصانع والمنشآت بالاشتراطات والمعايير البيئية. حاجة ماسة لجهود وطنية متكاملة تحتوي اليمن على مخلفات الحرب والعدوان على اليمن من قنابل عنقودية وعبوات ناسفة وقنابل فسفورية وملوثات ناتجة عن العدوان على اليمن، ما هو حجم الكارثة البيئية الصامتة وإلى أي مدى استطعتم بالتعاون مع جهات خاصة كما أشرت للحد من مخاطرها على حياة المدنيين والتربة الزراعية؟ هذا الأمر يحتاج جهداً وطنياً متكاملاً ونحن بالنسبة لنا عملنا مذكرات عبر معالي وزير الصحة والبيئة إلى الجهات المختلفة على أساس أنه لا بد من أن يكون هناك لجنة وطنية للكوارث تكون مسؤولة بشكل مباشر إلى جانب الهيئة عن هذا الأمر، لأننا نحاول أن نتكامل مع كل الجهات ذات العلاقة خاصة في هذا الظرف، فلا نستطيع أن نقول إن الهيئة تقوم بهذه المهمة الكبيرة لأن الأمر يحتاج جهداً وطنياً واسعاً وجهداً دولياً إن أمكن، فمخلفات الحرب على مدى 11 سنة خاصة وأنه حسب تقارير أن اليمن أُستهدف بما يقارب النصف مليون طن من المتفجرات المختلفة وأثرها بلا شك كبير جداً على المناخ وعلى البيئة اليمنية والإنسان، وعلى المياه، لذا لا أستطيع أن أقول إن جهد الهيئة فقط يمكن أن يكون في مواجهة كل ذلك، ولكن جهدنا في الوقت الحالي يكمن في الحشد لجهد وطني متمثل في تشكيل لجنة وطنية للطوارئ وقد تواصلنا مع منظمات مهتمة في دول البريكس، حيث قدمنا مشروعاً وتواصلنا مع الإخوة في وزارة الخارجية على اعتبارها النافذة المخول لها التواصل مع الخارج وتشاورنا مع نائب وزير الخارجية للتواصل مع منظمات معينة في دول البريكس وقد طلبوا منا دراسة للآثار البيئية للحرب على بلادنا. كما قمنا بعمل خطة وطنية تحتاج إلى مراجعة وبعد ذلك يتم إقرارها من مجلس الوزراء ويتم اعتمادها كخطة وطنية لمواجهة هذا الأمر. صداع بيئي لطالما مثلت النفايات الصلبة ومكباتها العشوائية صداعاً بيئياً في المحافظات المختلفة بالذات أمانة العاصمة، ما هي خطة الهيئة الحالية للتخلص الآمن من النفايات المختلفة الطبية منها والمنزلية وغيرها من المخلفات خاصة في ظل انقطاع الدعم الدولي عن برامج النظافة؟ شكلنا لجاناً من الهيئة لهذا الغرض تماماً، فمثلاً نحن نقوم بعمل معالجات للزيوت المستهلكة (الزيوت الحارقة) فهي مشكلة كبيرة جداً فمثلاً هناك مخابز تستخدم هذه الزيوت كوقود في إنتاج الخبز وغيرها من الاستهلاك الضار لهذه المخلفات من الزيوت، ولدينا مخاطبات مع وزارة الداخلية والمنافذ المختلفة، ونسقنا مع الإخوة في الأمن والمخابرات، وتقوم الهيئة بجهد كبير في هذا الجانب ومن خلال متابعتنا المباشرة لهذا الموضوع خلال نزولنا إلى فروع الهيئة بأمانة العاصمة وغيرها من الفروع في المحافظات كمكتب صنعاء حيث تم استدعاء كثير من الذين يجمعون الزيوت بشكل عشوائي وعملنا خطة تعتمد على الربط الشبكي وتحد من العشوائيين الذين يجمعون هذه الزيوت ويبيعونها بشكل عشوائي حتى وصل سعر البرميل إلى 75 ألف ريال وتباع بشكل عشوائي للمخابز ومصانع "البفك" والحمامات البخارية، هذه مشكلة كبيرة نعاني منها ونحن نحاول ضبط هذا الأمر بإصدار تراخيص رسمية لمراكز تجميع محددة ومصانع إعادة وتدوير وتحويل هذه الزيوت العادمة بحيث لا تكون ضارة للبيئة ومنع البيع العشوائي لها، وقد شكلنا لجنة ما زالت مستمرة للتعامل مع هذا الموضوع على أن يتم ربط شبكي كامل لمنتجي وجامعي ومستهلكي هذه الزيوت ويتم تسليمها "لأحواش" منظمة بحيث تذهب للتحويل الآمن وبهذه الطريقة تقلل الآثار السلبية والضارة على المجتمع والبيئة. متطلبات معيشية ملحة مشكلة المولدات الكهربائية الخاصة المنتشرة في الأحياء السكنية، أصبحت حسب ما أقرأ تشكل خطراً صحياً حقيقياً بسبب انبعاثات هذه المولدات في الأحياء السكنية، هل تمتلك الهيئة صلاحية لفرض معايير الجودة على المولدات أم أن الأمر اصطدم بمتطلبات معيشية ملحة؟ على الرغم أننا نحاول أن تقوم الهيئة بممارسة مهامها، لكن كثيراً من الجهات تنازعنا بعض الصلاحيات، فنحن نحاول أن ننتزع صلاحيات الهيئة من الجهات المختلفة، بحيث تكون صلاحيات الهيئة ثابتة، وبالنسبة لموضوع المولدات الكهربائية فإن انتشار المولدات الكهربائية في الأحياء السكنية جاء كضرورة نتيجة للحرب والعدوان لتفادي استهدفها إذا كانت في مكان واحد كمحطة لإنتاج الطاقة الكهربائية، مع ذلك فإننا عند وصول شكاوى حول أصوات المولدات كتأثير ضجيجي أو النفايات الخارجة من عوادم هذه المولدات نكلف فريقاً للنزول لعمل معالجات بيئية أولية بحيث تحد من الضوضاء أو النفايات والعوادم الخارجة منها. وبإذن الله هذا الوضع سينتهي بانتهاء الحرب والعدوان على اليمن وتعود مؤسسة الكهرباء التي تربطنا بها علاقة طيبة وتعاون مثمر. مسؤولة بشكل مباشر بالنسبة للمحميات الطبيعية والأحراش كحراز وبرع وغيرها كيف يتم حمايتها في ظل غياب الإمكانات والزحف العمراني وهل هناك تعاون مع لجان شعبية أو الأهالي لحماية هذه المحميات؟ المحميات الطبيعية تحت إدارة الهيئة العامة للبيئة والتغير المناخي، وأي ضرر يحصل في إطار المحمية الهيئة مسؤولة بشكل مباشر عن ذلك، حيث يتم إبلاغنا وعلى ضوء ذلك ننزل فرقاً من الفروع المنتشرة في المحافظات، فمحمية برع تحت فرعنا بالحديدة، وأنا بدوري زرت هذه المنطقة وما زالت بعافيتها، ومحمية عتمة لها مدير مكلف من قبلنا، وزرت أيضاً محمية "عنة" وهي أيضاً في حالة ممتازة جداً، والتقيت بالسلطة المحلية في محافظة إب، وناقشت معهم موضوع الاحتطاب الجائر، ووجهنا بعمل أنشطة توعوية للمجتمع في المحافظة وعلى حسب ما تم الاتفاق عليه فالأسبوع القادم سننزل فريقاً لعمل توعية للسكان المحليين، بهدف الحد من الاحتطاب الجائر خاصة لأصناف معينة من الأشجار المفيدة كشجرة "العلب" بحيث يمكن توجيه المجتمع للاحتطاب لشجرة "الأكاسيا" المنتشرة بشكل كبير في هذه المحمية. مهامنا كبيرة بين الحين والأخر تنتشر ظاهرة الحرق العشوائي كحرق المخلفات في المنافذ والإطارات في المدن المختلفة والقرى، ما هو تقييمكم لهذه الظاهرة؟ في واقع الأمر لدينا خطط ومعالجات وكوادر مؤهلة للتعامل مع مثل هذه الأمور، ولكن ما ينقصنا الإمكانات المادية كمعيق أساسي فنحن بالكاد نصرف حوافز للموظفين والمكافآت الرئيسية للإدارات الرئيسية، فمهامنا كبيرة جداً، لذا نحتاج أن نتكامل مع الجهات الأخرى في الدولة فالبيئة هي مسؤولية الدولة والمجتمع بشكل عام، ولكن يجب أن تصل رسائلنا التوعوية، فلدينا خطة لعمل رسائل توعوية عبر كل وسائل الإعلام المختلفة، وقد أدرجنا ذلك ضمن الخطط، فمهامنا كبيرة جداً في الهيئة، وقد وضعنا خططاً لها وعلى الرغم من ذلك مضطرون أن نمشي وفق المتاح لدينا من إمكانات، على اعتبار أن الهيئة تعاني كما أسلفنا من شح الإمكانيات. بدأنا نتكامل الهيئة غالباً ما ينظر إليها على أنها جهة استشارية أو رقابية دون أستان نافذة؟ هل هذا هو الواقع؟ في البداية لابد من وجود دراسة لتقييم الأثر البيئي لأي منشأة وبالذات الصناعية منها، ولكن هناك منشآت تم إنشاؤها دون أن تقدم دراسة لتقييم الأثر البيئي ونحن بصدد حصرها، مع أنه قانوناً كل منشأة لابد من وجود ترخيص لها لمزاولة نشاطها ومن متطلبات منح التراخيص وجود دراسة لتقييم الأثر البيئي التي تتم من خلال مكاتب استشارية مستقلة مرخص لها من قبل الهيئة (ولدينا ما يقارب 11 مكتباً استشارياً للدراسات) ثم تقوم الهيئة بمراجعتها وإقرارها، أما بالنسبة لموضوع التكامل بين الهيئة والجهات الحكومية فقد جاءتنا مذكرة من وزارة الصناعة بخصوص اختيار المناطق الصناعية حولناها على المختصين لدينا لإبداء الملاحظات عليها وهذا أمر جيد تقوم به وزارة الصناعة في إشراكنا في ما هو من مهام واختصاصات الهيئة كما بدأنا نتكامل مع جهات أخرى. كلمة أخيرة كلمة أخيرة توجهونها للمواطن والمجتمع اليمني الذي يعيش هذه المعاناة لأكثر من 11 سنة، وكيف يمكن أن يكون شريكاً في حماية البيئة؟ أوصي المواطن والمجتمع أن صحته تكمن في الاعتناء والاهتمام ببيئته، فمسألة حرق الإطارات والنفايات المختلفة تؤثر سلباً على البيئة، كما أوصي الجهات والمؤسسات الحكومية والخاصة وغيرها أن تحرص كل الحرص أن تكون البيئة نظيفة، وكما هو حال الأسرة والمنزل فهما محور هذه العملية برمتها وتبدأ منهما ثم الحارة ثم الحي والاحياء المجاور ثم المجتمع، فالإنسان بالإمكان أن يعيش بقليل من الطعام والشرب ولكن لو كان في بيئة سيئة تأتي له الأمراض والأوبئة وتفتك به ولا يمكن أن يتحمل ذلك، لذا فحماية البيئة مسؤولية الجميع؛ فرد وأسرة ومجتمع ودولة، أي ليست مسؤولية الهيئة فقط.