يركّز هذا القسم من الملازم على تعبيرٍ متكرر في النص "ب" (أهل الملازم)، وبما أنّ الوثيقة تضمّ ثلاثة أطراف رئيسية دون وجود نسبٍ قبلي واضح يميّز بينها، كان لا بدّ من استخدام مصطلح عام. وكما أشار الباحثون، فإنّ هذا التعبير يدلّ على الأشخاص أو الجماعات الملتزمين ببنود العهد، أمّا المفرد (ملزم) فيحمل معنى الالتزام أو التعهّد، وربما يشير أيضًا إلى بندٍ محدّد في الاتفاق تُقرّ فيه هذه الالتزامات؛ وعليه يمكن فهم "أهل الملازم" بمعنى المتحالفين أو الملتزمين بالعهد، ويُترجم هنا على نحوٍ مبسّط ب "الناس المتحالفين". وفي معنى أضيق، يرى بعض المخبرين أنّه يشير تحديدًا إلى الموقّعين على الوثيقة بوصفهم الضامنين لها، غير أنّه في أغلب السياقات يشمل ليس فقط الضامنين بل أيضًا من يلتزمون نيابةً عنهم. وأحيانًا يكون "الملزم" التزامًا مشتركًا بينما يظهر في مواضع أخرى بوصفه حالة فردية يمكن الاعتراف بها أو تعليقها، وهو ما يعكس تطبيقًا عمليًا لمفهوم السُّنّة أو الحقّ العرفي. تحدّد قواعد الملازم الواردة في النصّين "أ وب" أنواع الالتزامات المعترف بها والجهات التي تضمنها، لكنها لا تفترض تضامنًا مطلقًا بين الأطراف؛ فالهوية القبلية تؤدّي دورًا أساسيًا في تحديد العلاقات الاجتماعية إذ تُعرّف الأفراد وتُبيّن انتماءاتهم، لكنها لا تحدّد بشكلٍ حتميّ كيف سيتصرّفون أو مع من سيتحالفون في كلّ موقف. وتعكس هذه الوثائق واقعًا اجتماعيًا تُبنى فيه الالتزامات الشخصية وتُفعَّل من أجل تحقيق ما يُعدّ عدلاً، كما أنّ الدعوة إلى النفير (نكفة) تُلبّى أو تُهمل بحسب ما يُرى أنّه عادل لا لمجرّد الولاء القبلي. ويُوصف من يتعرّض لخسارة (المنقوص) بأنّه "مظلوم"، وهي حالة يُفترض أن يعترف بها الآخرون، ويمكن للتعويض -سواء كان مالاً أو غيره- أن يعيد بعضًا من مكانته، غير أنّ ترتيب هذا التعويض غالبًا ما يتطلّب وساطة معقّدة؛ فقد يتدخّل الجيران أو الأقارب أو حتى أطراف لا تربطها صلة مباشرة للمساعدة في حلّ النزاع أو ضمان نتائجه. ويُظهر هذا النظام أنّ القبائل ليست كتلًا صلبة تميل بطبيعتها إلى العنف، بل إنّ ما يُحافَظ عليه هو توازنٌ أخلاقي تعبّر عنه الهويات القبلية وسمعتها، لا مجرّد توازن قوى بسيطة. وتقدّم الفقرة 38 من النص "ب" مثالاً تفصيليًا على تطبيق هذه المبادئ، فهي تتناول حالة فردٍ من (ذي محمد) أو (المعاطرة) -وهما من أطراف العهد- لم يحصل على حقّه من جماعته، فلجأ إلى قبيلة أخرى طالبًا الأخوّة أو الحماية؛ وفي هذه الحالة يتعيّن على جماعته الأصلية اللحاق به خلال خمسة عشر يومًا ويقدّمون البنادق كضمان للقبيلة التي آوته، فإذا ثبتت مشروعية دعواه وجب عليهم تعويضه لاستعادته. ومن اللافت أنّ الحكم في هذه الحالة يكون بيد الجماعة التي منحته الملجأ، وتنطبق القواعد نفسها بالعكس إذا لجأ شخص من خارج العهد إلى أحد أطرافه، وقد وُصفت هذه الأحكام بأنّها "شرائع غصّابة" أي قوانين ثقيلة الشأن. وفي حالةٍ أخرى، إذا طلب الشخص الإنصاف داخل العهد نفسه ولكن لدى "خُمس" آخر، يُعيَّن شيخان -واحد من كلّ طرف- للفصل في النزاع، فإذا ثبت خطأ جماعته الأصلية ولم تعوّضه، تعرّض الضامن الذي وقّع العهد نيابةً عنها للتشهير والإهانة، ويُعدّ هذا الأمر بمنزلة نقضٍ لعهد الحماية، وهو خرقٌ خطير للثقة الاجتماعية. ورغم اختلاف التفاصيل من منطقة إلى أخرى، فإنّ ممارسات مشابهة منتشرة في شمال وشرق اليمن، ومنها نظام يُعرف باسم "البيضاء والخيار"؛ ويُستخدم هذا الإجراء عندما يكون لدى شخص دعوى ضدّ ضامن أو حامٍ أو مرافق أخلّ بالتزامه، فيُعلن المدّعي دعواه علنًا ويرفع رايتين (بيضاء وسوداء)، فإذا لم يستجب الطرف الآخر بأداء ما عليه أو بتقديم ضمان، تُنزل الراية البيضاء وتبقى السوداء إيذانًا ببدء المرحلة الأخيرة أي "الخيار". وعادةً ما تستمرّ كلّ مرحلة نحو ثمانية أيام ليبلغ المجموع قرابة أسبوعين، وإذا لم يستجب الطرف المعني بعد ذلك، يُصعّد المدّعي الأمر بوضع "جِذْن" -ويُعرف أيضًا ب ملام أو شتومة- وغالبًا ما يكون عصًا سوداء ترمز إلى المخالف. ويُعدّ هذا الفعل إهانة بالغة إذ يجرّد الشخص المعني ومن يرتبط به من حقوقٍ أساسية مثل الحماية واللجوء والدخول إلى سوق المدّعي؛ ولذلك فإنّ مكان وضع هذا الرمز والجهة التي تضعه يحملان دلالة كبيرة في المجتمع. فإذا قصّر المرافق أو الرفيق في أداء واجبه تُرفع ضده راية سوداء في السوق كعلامة علنية على تقصيره، ووفقًا لأعراف "صُبارة" لا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتدّ التشهير به إلى البادية المحيطة، ويُحتمل أن يتم ذلك بوضع "جِذْن" -وهو رمز للعار- في موضع قريب من قرية صاحب الدعوى مما يوسّع نطاق الإدانة خارج السوق. أما الكفيل -وهو الضامن لتنفيذ الالتزامات- فيُمنح مهلة منظّمة؛ فبعد استدعائه رسميًا يُعطى فترة خمسة عشر يومًا تُعرف ب "مدة الخيار"، يمكنه خلالها الوفاء بالتزامه أو تقديم ضمان كافٍ. وإذا لم يستجب خلال هذه المهلة تتصاعد الإجراءات حيث يُوضع "الجِذْن" مع الرايتين البيضاء والسوداء في سوق الحرف نفسه ليصبح تقصيره ظاهرًا أمام الجميع في مركز الحياة الاجتماعية. وتُظهر الوثائق الأقدم من برط، والتي يُفترض أنها تعود إلى نحو مئتي عام، نمطًا مشابهًا مع بعض الاختلاف؛ ففي حال كانت الدعوى موجّهة ضد أطراف من خارج الجماعة كانت الرايات و"الجِذْن" توضع جميعها في السوق، كما يمكن تطبيق هذا الإجراء نفسه في بعض الحالات داخل العهد مما يدلّ على قدر من المرونة في استخدام هذه الرموز بحسب السياق. ومع ذلك، هناك قيد مهم يهدف إلى الحفاظ على التماسك الداخلي، إذ يُمنع منعًا باتًا على أيّ من أعضاء هذا العهد أن يضع "جِذْن" ضد عضو آخر في سوقهم المشترك، ويُعدّ خرق هذا الحظر مخالفة جسيمة تستوجب غرامة مضاعفة إحدى عشرة مرّة، مما يؤكد أهمية صون الاحترام والتماسك بين الحلفاء حتى عند حدوث النزاعات بينهم.