هيئة الآثار تكشف حقيقة وجود كهف أثري جنوب محافظة عمران    تصعيد استيطاني واسع بالضفة: إحراق خيام بالأغوار واعتداءات تطال نابلس وبيت لحم وسلفيت    الذهب والفضة ينتعشان عالمياً اليوم بعد موجة هبوط حادة    تطرف مناخي عالمي.. وتحذيرات هامة لسكان المرتفعات اليمنية من موجة صقيع    قضية الجنوب وقتل المتظاهرين في شبوة تصل إلى الإعلام الدولي وتفتح باب المساءلة    أتلتيكو يسحق برشلونة 4-0 في ذهاب نصف نهائي كأس الملك    تحرك دولي مكثف من لندن... عمرو البيض يفتح أبواب القرار العالمي أمام الجنوب    إحاطة أممية تكشف واقع القمع في الجنوب وتحذّر من انفجار شامل    عوض بن الوزير.. هل هكذا ترد الجميل لأبناء شبوة الذين أوصلوك إلى سدة الحكم؟    أمريكا تسلم قاعدة التنف للجماعات المسلحة في سوريا    وزارة الشباب تدشِّن حملة "أهلًا رمضان" بحملة نظافة في مدينة الثورة الرياضية    "مجموعة الموت".. نتيجة قرعة دوري أمم أوروبا لموسم 2026-2027    تحقيق استقصائي يكشف نهب السعودية لنفط وغاز اليمن في الربع الخالي    الترب: اليمن اليوم أقوى مما كانت عليه قبل عشرة أعوام    الفيفا يفرض عقوبة قاسية على بلباو    المندوب الروسي يحذر من التداعيات في جنوب وشرق اليمن    إدانات حقوقية دولية تفتح باب التحقيق في جريمة شبوة وتبعث الأمل للجنوبيين    صنعاء.. إيقاف التعامل مع منشأة صرافة وإعادة التعامل مع أخرى    المبعوث الأممي يناقش تقليص التوترات وتعزيز فرص إطلاق عملية سياسية جامعة في اليمن    في اجتماع موسع.. الضالع تتأهب ل"مليونية الاثنين": واتصال مباشر للرئيس الزُبيدي يلهب حماس الجماهير    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    وزارة النفط تواصل برنامج تقييم الأمن والسلامة بمحطات صنعاء    جماليات التشكيل ودينامية الدلالة في شعر الدكتور خالد الفهد مياس: مقاربة تحليلية تأويلية في ضوء شرفات الشوق ونبضاتي    تقرير أمريكي: مقتل خمسة متظاهرين وإصابة العشرات أثناء تفريق الأمن احتجاجًا في شبوة    الفريق السامعي يهنئ إيران بالذكرى السنوية بثورتها ويشيد بما حققته من انجازات    مناقشة أول أطروحة دكتوراه بجامعة الحديدة بقسم القرآن وعلومه بكلية التربية    الافراج عن 135 سجينًا في حجة بمناسبة رمضان    معرض للمستلزمات الزراعية في صنعاء    الاتحاد التعاوني الزراعي يدعو المواطنين إلى شراء التمور والألبان المحلية    موسم الخيبة    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "ارواح وكوابيس"    المعاناة مستمرة.. برشلونة يغير خطته مجددا قبل موقعة أتلتيكو    كأس المانيا ..بايرن ميونيخ إلى نصف النهائي    الحديدة.. الإعلان عن مبادرة رئاسية بخصوص الكهرباء    السيتي يواصل ضغطه على صدارة آرسنال    مصر.. النيابة تحقق في سرقة لوحة أثرية فرعونية    هيئة الزكاة تدشن مشاريع التمكين الاقتصادي ل667 أسرة بمحافظة إب    لا...؛ للقتل    دراسة صينية: الدماغ والعظام في شبكة واحدة من التفاعلات    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    عاجل: شبوة برس ينشر صورة أول شهيد في عتق الشاب محمد خميس عبيد خبازي    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    هل تتدخل جهات دولية لإيقاف جرائم تهريب النفط اليمني الخام؟!    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الاستمرارية في تأمين دفع رواتب موظفي الدولة.. بين الدعم الخارجي والحلول المستدامة    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    السيد عبدالرحمن الجفري يبعث برقية تعزية في رحيل المناضل الوطني الشيخ علوي علي بن سنبله باراس    الهيئة العليا للأدوية تتلف 80 طناً من الأدوية المهربة    منظمات حقوقية تدين القمع في سيئون وتدعو الأمم المتحدة بارسال لجان تحقيق دولية    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    ماوراء جزيرة إبستين؟!    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالله الراعي:أخرجني المروني من الصندقة والمقالح أمدني ب (العروة الوثقى)
قصة ثورة وثوار
نشر في الجمهورية يوم 01 - 09 - 2008

لم يكن الحوار مع عبدالله الراعي سهلاً، لأن الرجل ظل يخبئ أسراراً طمرتها أحداث مرت عليها 54عاماً، أي منذ اندلاع الثورة اليمنية في السادس والعشرين من شهر سبتمبر «أيلول» من العام 2691م، ولأن الأحداث لا تروى من الذاكرة فقط، بل ومن الوثائق أيضاً، فإن هذا الحوار استمر لعدة أشهر، في محاولة لتوثيق مراحل لم يمط اللثام عنها منذ فترة طويلة، ومحاولة لاستعادة تاريخ يحاول الكثير طمسه ومحوه من ذاكرة الأجيال اللاحقة للثورة اليمينة.
يحكي هذا الحوار «قصة ثورة وثوار» لايزال بعض تفاصيلها غير معروف حتى اليوم، رغم مرور هذه السنوات الطويلة من اندلاع الثورة، تعرض فيها تاريخها للكثير من التشويه، وللكثير من التجاهل سواء من قبل أعدائها أو من قبل أبنائها.
يروي عبدالله الراعي، الضابط الذي كان من أوائل الملتحقين بتنظيم الضباط الأحرار ومن أوائل المهاجمين على قصر الإمامة المتداعية، ومن أوائل الجرحى في أول يوم من أيام الثورة، ومن أوائل المؤسسين لحزب البعث في اليمن، فصولاً من تاريخ ناقص للثورة اليمنية، ويحاول أن يتذكر الوقائع والأحدث والشخوص والأماكن والمعارك وكأنها تحدث اليوم، كان عبدالله الراعي حريصاً في الحوار أن لا يبرز تاريخه كفرد، مع أنه كان في قلب الأحداث، لأنه يؤمن أن الثورة ملك شعب وليست ملكاً لأفراد مهما كان دور الأفراد فيها.
في الحوار يحاول عبدالله الراعي الاستنجاد بالوثائق التي لديه لتوثيق مراحل من تاريخ الثورة اليمنية، ويتعرض إلى محطات هامة في حياته وفي حياة الثورة، كما يحاول كشف الكثير من الأحداث التي لاتزال غائبة أو مغيبة عن الناس حتى اليوم، والإجابة على السؤال: لماذا قامت الثورة ومن هم رجالها الحقيقيون ومن جاء لسرقتها بعد اندلاعها؟
يتطرق الحوار مع عبدالله الراعي إلى الأدوار التي لعبها الضباط الأحرار للتحضير للثورة، ابتداء من علي عبدالمغني، الدينامو المحرك للتنظيم، مروراً بصف طويل من الضباط وانتهاء بالرئيس علي عبدالله السلال، الذي جاء منقذاً للثورة في لحظاتها الحرجة، عوضاً عن الرئيس المنتظر حمود الجائفي، ويروي الراعي الصعوبات التي واجهت الثورة منذ ساعاتها الأولى، ويتعرض للخلافات التي دبت بين ضباط الثورة بعد أيام من اندلاعها، كما يكشف أسراراً لأول مرة عن طبيعة الصراعات الخفية بين الضباط والرئيس السلال والرئيس الذي جاء بعده القاضي عبدالرحمن الإرياني، وعن تفاصيل سعي الرئيس السلال لإعدامه بتهمة التعامل مع إسرائيل، ويحكي الرجل عن قصة هروب البدر والإعدامات التي جرت لأنصاره بعد هروبه إلى الخارج.
ويتناول الحوار الصراع الذي دار بين الضباط وعبدالرحمن البيضاني وبعض القادة المصريين الذين كانوا يشرفون على القوات المصرية التي جاءت لنجدة اليمنيين وقت الشدة، كما يتعرض الحوار إلى الدور الكبير الذي لعبه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لدعم ثورة اليمن، وقتل المصريين في شوارع صنعاء، إضافة إلى الدور الذي لعبه الرئيس أنور السادات والمشير عبدالحكيم عامر بالنسبة لقضية اليمن.
ويروي الراعي تفاصيل الانقلاب على الرئيس عبدالله السلال ومن بعده الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني ومقتل الرئيسين إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي قبل الوصول إلى الرئيس علي عبدالله صالح، الذي قال إنه كان من ضمن الذين أقنعوا الجيش بضرورة توليه السلطة.
وفي كل المحطات كان الراعي يحاول تجنب إصدار الأحكام الجاهزة على من كانوا سبباً في وقوع الثورة في مطبات كثيرة، وذلك من باب الحرص على عدم تجريح الثورة والثوار أكثر مما تعرضوا لها.
في الحوار يحاول الراعي والمحاور تسجيل تاريخ الثورة اليمنية من واقع الذاكرة والوثائق، الثورة التي لايزال الكثير من فصولها غير معروفة وتحتاج إلى من يميط اللثام عنها، وهذه مهمة يحاول تسجيلها هذا الحوار: الفصل الأول
الطفولة والنشأة
* ماذا تبقى لديكم من ذاكرة الطفولة، بماذا تحتفظون إلى اليوم من ذكريات بعد مرور هذه السنوات؟
- أنا من مواليد 2491م، وهذا بالمناسبة ليس أمراً مؤكداً، والأمر عائد إلى عدم وجود أحوال مدينة في تلك الفترة، إلا أن والدي رحمه الله كان يسجل تواريخ ميلادنا في المصحف الشريف، وعندما أباح الإمام أحمد صنعاء للقبائل مالاً وعرضاً بعد حركة 8491م، أخذوا المصحف الشريف الذي كان مسجلاً عليه تاريخ ميلادي مع ما نهب من المدينة، ولم نعثر على المصحف، ولم نعرف أين هو حتى الآن والاحتمال أنهم أتلفوه.
طفولتي وطفولة كل يمني عاش في عهد ماقبل الثورة تعتبر طفولة قاسية، فقد كانت الظروف صعبة مثل الحياة المعيشية والاجتماعية والدراسية ليس لي فقط، بل ولكل أفراد أسرتي في ذلك الوقت، وبالذات في الأربعينيات من القرن الماضي.
نشأت وسط أسرة ذات توجه ديني وهذا ماساعد كثيراً على تربيتي، فقد كان أحد أجدادي معاوناً للإمام الشوكاني وآخر كان عالماً صوفياً مشهوراً، له جرف في جبل نقم بصنعاء يسمى باسمه، والدي كان إنساناً بسيطاً، تربى في مدارس الأتراك العسكرية وعاش حياة يتم وبؤس وفقر، حيث توفي والده وعمره لا يتجاوز السادسة فتولت والدته تربيته وشب حتى سن السابعة عشرة وتغرب عن صنعاء كثيراً، في المخا 6سنوات وفي قعطبه في البيضاء 5سنوات لكي يوفر شيئاً من الرزق لأمه وأختيه اللتين ولدتا بعده وعاشتا بعد ذلك.
درست دراسة أولية في الكتاتيب بصنعاء، إذ لم تكن الكتب حينها متوفرة، فقد كنا نكتب على الألواح الخشبية، ثم تحسنت الحالة فالتحقت بمدرسة الإرشاد التي تسمى الآن مدرسة ابن الأمير بصنعاء، درست فيها القواعد البغدادية في القرآن، ثم انتقلت إلى الصف الثاني وأكملت جزء «عم» وكان ذلك في عام 4591، ثم واصلت إلى الصف الخامس، وكنت قد أكملت القرآن الكريم وشيئاً من الكتابة التي لا تخلو من الأخطاء الإملائية.
وفي نفس المدرسة درست في الصفين الخامس والسادس مادة الجغرافيا، حينها عرفت شيئاً محدوداً عن اليمن ومدنها مثل تعز والحديدة، إضافة إلى الجنوب كما كان يطلق عليه في تلك الفترة، كنت أسمع عن عدن وحضرموت فقط من مناطق الجنوب، فقد كانت مدن اليمن متباعدة عن بعضها البعض كثيراً، وعندما كان أحد التجار يسافر من صنعاء إلى عدن، يقولون «فلان عدن» أي ذهب إلى عدن، مثله مثل شخص يذهب إلى بحر الظلمات أو القطب المتجمد الشمالي، وكان الوصول إلى تعز مستحيلاً، وكل مواطن من ساكني المناطق الجبلية في اليمن لا يعرف شيئاً عن البحر، حتى أن الإمام يحيى قتل وهو لا يعرف البحر الأحمر ولا الحديدة، فقد كان النزول إليهما شيئاً من المستحيل.
أعطيك مثلاً، أحد مواطني الروضة وهي على أطراف صنعاء عمر 011سنوات ولم يعرف صنعاء، لم يدخلها مرة واحدة وظل مقيماً في الروضة طوال حياته، هكذا كانت الحياة في عهد الإمام يحيى بالذات، مظلمة وقاسية إلى أبعد الحدود. كان الشعب يعتقد اعتقاداً روحياً أنه لادين إلا بالإمام، ولاصلاة إلا به ولا مأكل أو مشرب إلا بالإمام، لو تخلص الشعب من هذا الاعتقاد لتقدم خطوة إلى الأمام، ووصلت اليمن إلى مستوى أفضل مما كانت عليه في عهد الإمام.
نشأت إذاً في هذه البيئة، وتخرجت من المدرسة الابتدائية بمعلومات متواضعة جداً، لايوجد فيها شيء إلا حفظ القرآن، بالإضافة إلى علوم دينية متواضعة، ومنها شروط صحة الصلاة وبطلانها، الوضوء والإقامات وغيرها، بعدها بدأ والدي يأخذني إلى الجامع الكبير في صنعاء القديمة، وهناك أجدت قراءة القرآن بشكل جيد، ثم درست في الفقه، وفي المذهب الزيدي الهادوي، فقرأت في «متن الأزهار، وبذلت جهوداً كبيرة لدراسته، لأنه يتطلب من الدارس أن يحفظه عن ظهر قلب.
تركت الدراسة في الجامع الكبير وخرجت أعمل عملاً متواضعاً، فتحت لي مايعرف في اليمن ب«الصندقة»، أي «كشك» لابيع فيه سجائر، شوكولاته، حلويات من تلك التي كانت تباع في تلك الفترة، وإن وفرت 01 أو 02 بقشة كنت أساعد أبي فيها، أو أوفرها في السنة لاشتري بها ماتعرف ب«الزنة»، أي «الثوب الصنعاني» أو أوفرها لاشتري كتاباً أكتب عليه لتحسين خطي ليكون جيداً، وظللت فترة على هذه الحالة.
* هل أنت أكبر أخوتك ؟
- لا، نحن 01 إخوة، وأنا الخامس بينهم.
* كيف بدأت تتعرف على القراءة والاطلاع على الأوضاع العامة في اليمن والعالم ؟
- بعد انقلاب الشهيد أحمد الثلاثا عام 5591 تحرك الأمير محمد البدر إلى حجة لإنقاذ ومساندة والده، وليتصل بالجهات التي ساعدت والده في حركة 84 في حجة، ليستعين بها من جديد، فأطلق سراح مجموعة من مناضلي حركة 84، وكان من ضمن الذين خرجوا من السجن المناضل الكبير رحمه الله أحمد حسين المروني، الذي كان جاراً لنا، فبعد أن خرج من السجن ظل دون عمل ففتح في بيته غرفة يستقبل فيها بعض الشباب لتدريسهم اللغة العربية، البلاغة، الفلسفة الحديثة لأحمد أمين، بالإضافة إلى الكثير من العلوم الحديثة، ويوزع بعض الكتب من بينها «العدالة الاجتماعية» لسيد قطب، التي كانت تمثل في تلك المرحلة حاجة متقدمة، وتلك الكتب مهمة جداً منها «عقيدة المسلم» و«خلق المسلم» للشيخ محمد الغزالي، وكانت هذه الكتب تقرأ بشكل جماعي وبشيء من السرية، كانت نسخة كتاب «العدالة الاجتماعية» توزع سراً، ونسخة الكتاب كانت تنسخ باليد من قبل الكثير من الشباب في صنعاء.
جاء أحمد حسين المروني وكنت قد توسعت في «الصندقة» بالسلع والحلويات وبالشوكولاته والسجائر والكبريت والجاز، إذ لم تكن توجد في تلك الفترة كهرباء في صنعاء وفي اليمن عموماً، فقد كان الناس يضيئون منازلهم بالجاز، حتى أن الإضاءة بالجاز كانت تعتبر في تلك الفترة حاجة متقدمة. بعد أن كان يلقي حلقاته الدراسية وقراءته للكتب للكثير من الشباب كان المروني يخرج إلى عندي ليشتري «نعنع»، وكنت في تلك الفترة أهوى قراءة الكتب القديمة منها «رأس الغول»، «الف ليلة وليلة» وغيرها، وكان يجد لدي نهماً في القراءة ويناقشني في الكتب التي كنت أنتهي من قراءتها، وكان يجد عندي شيئاً من الاستيعاب فأعجب بي، وحينها لم يكن لدي أي حس أو توجه سياسي أو ثقافي.
بدأ المروني يأخذ بيدي ويعطيني كتباً حديثة، وبدأ يناقشني فيها، ووجدني وقد استسغتها، وعقليتي في تلك الفترة بدأت تتفتح وتشدني إلى عالم آخر، غير العالم الذي كنت فيه، خاصة بعد أن وجدت أجهزة الراديو طريقها إلى بعض منازل صنعاء القديمة.
في تلك الفترة كانت توجد في صنعاء 5 أجهزة راديو في بيوت كبار الأغنياء، وهي بيت السنيدار، بيت عسلان، غمضان، سيوف الإسلام، أولاد الإمام يحيى، وكنا نتجمع بالعشرات في الشوارع والحارات، يفتحون لنا نوافذهم لنستمع إلى الإذاعات، وكنا يومها نشعر أننا في عالم آخر ودنيا أخرى..بعد أن رأى الأستاذ المروني أنني استوعبت ماأعطاه لي، أعطاني كتباً أخرى لأقرأها، وحينها قال لوالدي إنه لا يجب أن أبقى بالكشك، ونصح بإلحاقي بالمدرسة المتوسطة التي تساوي اليوم المرحلة الإعدادية، كانت في تلك المرحلة مابين المتوسطة، والعلمية ودار المعلمين، ومابين الثانوية كأن تقول عليها اليوم «ثالث إعدادي» يدرسون فيها مادة الجبر وهي أعلى سقف للرياضيات حينها. أخذ المروني بيدي وتبناني كابن له، وإذا كان من فضل لإنسان تبناني ورعاني وطنياً وعلمياً وسياسياً فهو الأستاذ أحمد حسين المروني، يليه الدكتور عبدالعزيز المقالح فهو شخصية وطنية معروفة وواعية وذو إطلاع كبير ومتابع لكل مايتعلق بالأدب والثقافة والسياسة. وقد استفدت فائدة كبيرة من رعاية المروني، حيث بدأت أنخرط تدريجياً في العمل السياسي والثقافي والوطني، وأول مابدأت بقراءته كان كتاب «العدالة الاجتماعية»، وكنت أتساءل إن كانت هناك عدالة اجتماعية أو مساواة بين الناس في ظل الوضع الذي كنت أعيشه تحت حكم الإمامة في بلادي.
كان كتاب «العدالة الاجتماعية» يختلف عن كتب سابقة قرأتها مثل «ألف ليلة وليلة» و «رأس الغول»، وبدأ الاستاذ أحمد حسين المروني يشعر بهذا التقدم وأخذ يناقشني سياسياً، بدأت أبادر إليه في تلمس العمل السياسي، بعد أن بدأت ألمس التخلف في نظام بيت حميد الدين، كنت ألمس التمييز الطبقي الموجود في المجتمع وعدم المساواة بين أفراده.
بعدها بدأ المرحوم أحمد حسين المروني يعطيني كتيبات حول حركة الأحرار في اليمن، أتذكر أنه أعطاني حينها كتيباً حول الأطراف المعنية في تاريخ الحركة الوطنية للشاعر والثائر الكبير محمد أحمد نعمان، بالإضافة إلى عدة كتب وأدبيات ومنشورات ودراسات للاتحاد اليمني، أثرت كثيراً على حصيلتي الثقافية.
وبعدها جاء الاستاذ عبدالعزيز المقالح من حجة العام 5591فتعرفت عليه خلال تواجده بجانب الاستاذ المروني وتعمقت علاقتنا كثيراً. وهكذا بدأت أطلع على دنيا جديدة، فقد انتشرت أجهزة الراديو في صنعاء، بعد شراء من هو ميسور الحال لهذا الجهاز العجيب، وكان البعض يقوم بمد سماعات من منزله إلى بيوت الجيران، وبدأنا في حينها نستمع إلى إذاعة «صوت العرب» بصوت المذيع الكبير أحمد سعيد، وسمعنا عن ثورة 32 يوليو في مصر، وعن حركة قومية عربية، سمعنا عن مجلات وصحف من بينها «الرسالة»، وهذه الصحيفة كانت تأتينا عن طريق الاستاذ أحمد حسين المروني.
بعد ذلك جاء انقلاب 55، والذي فتح المجال للانطلاق أمام كل الشباب، كان جيل تلك المرحلة في الخمسينات والستينات لايعوض، ومن هؤلاء الشباب طلبة الكلية العسكرية، الحربية، الشرطة، الأسلحة، الطيران، هؤلاء هم النخبة الذين صعدوا من العمق الشعبي الواعي المثقف، ويصعب تعويضهم، فهم الذين قادوا المظاهرة في أحلك الظروف.
قرأت «العبقريات» و «مع الله في السماء» لعباس محمود العقاد، وقرأت أيضاً «صحيفة العروة الوثقى» لجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وديوان العبيدي الشاعر العراقي المشهور، وكتب المازني، هذه الكتب أمدني بها الأستاذ عبدالعزيز المقالح.
ودرست «سبل السلام»، 3 أجزاء لابن الأمير في علم الحديث جزء على يد القاضي محمد بن علي الأكوع الذي كان المؤذن للجامع الكبير وعلماء الحديث المشهورين، واختتمتها عند القاضي محمد إسماعيل العمراني، عالم الحديث الوحيد الموجود الآن، وتزاملت في دراسة «سبل السلام» مع الشهيد عبدالله اللقية.
قرأت أيضاً حينها «أهم القضيات» للاستاذ النعمان، وكتيب الاستاذ الزبيري كان من أدبيات الاتحاد اليمني، وقرأت في القصة «رد قلبي» ليوسف السباعي، ودواوين عيسى الناعوري، شاعر أردني ثائر معروف، قرأت القصة المشهورة وباهتمام ونهم للشهيد الزبيري «مأساة واق الواق» التي أحدثت نهضة توعوية رائعة في الساحة اليمنية حينها، وقصة «اللقيطة» وهي قصة مشهورة رائعة تأخذ طابعاً اجتماعياً.
جيلنا جاء على التثقيف الذاتي، وهو الأساس في العملية التطويرية والتجديدية لتوسيع الوعي الثقافي لنا. ومن الكتب التي قرأتها قبل الالتحاق بكلية الطيران وخلال نشأتي الثقافية، جميع كتب أدباء المهجر من جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي وكتاب «فيض الخاطر» بأجزائه الثمانية لرفاعة الطهطاوي أول المبعوثين إلى فرنسا والعائدين إلى مصر، وقد مدني بهذه الكتب الاستاذ أحمد حسين المروني، و «فجر الإسلام» و «ضحى الإسلام» لأحمد أمين، مدني بها القاضي المرحوم محمد السياغي، الذي كان في السجن عام 55 في حجة وهو مناضل كبير.
وكانت هذه الكتب شيئاً كبيراً وعظيماً في تلك المرحلة التي فيها كل شيء عدم، الثقافة، الوعي والتعليم والعلم والصحة، كل ماهو اجتماعي وسياسي وثقافي واقتصادي كله عدم، فكانت تعتبر هذه الكتب شيئاً كبيراً جداً، وكان تناولها محدوداً، وكانت توجد عند أشخاص محدودين فقط، هذا مايتعلق بنشأتي الثقافية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.