بالفيديو.. امرأة تسرق منزل مدير البنك الأهلي في عدن    القبض على شخص قتل شقيقتيه بحجة أن أمه تحبهما أكثر منه وحاول قتل أمه"فيديو"    السعودية : نتنياهو كذاب ونحن لن نطبع مع إسرائيل وملتزمون بالمبادرة العربية    290 فارق قيمة الريال أمام الدولار بين صنعاء وعدن.. آخر تحديثات أسعار الصرف صباح اليوم الجمعة    الحوثي : رونالدو أكثر من سجل في دوري أبطال أوروبا ب132 هدف    تحذير عالمي من كارثة تهدد الملايين من اليمنيين في الأشهر القادمة    سحر عبدالحق: الكرة النسائية أصبحت جاذبة للأندية    لماذا يعتبر تصنيف الحوثيين "جماعة إرهابية" خطأً؟ -ترجمة    بريطانيا تعلن عن تقديم حزمة مساعدات جديدة لليمن وتدعو إلى تحرك دولي لمواجهة المجاعة القادمة    عاجل : الان انفجارات عنيفة تهز معسكر تداوين في مأرب    المغتربون اليمنيون شريحة هامة في المجتمع اليمني    الإنتاج الحربي يتعاقد مع الفلسطيني بدر موسى    بطلة المصارعة الروسية تدخل سرا منطقة خطر العدوى لتصبح ممرضة    تأهل ميلان وليل إلى دور ال 32    أرسنال يقسو على رابيد النمساوي    عن انضمام لواء من الجيش الوطني إلى مليشيا الحوثي بكامل عتاده    الجيش الوطني يسيطر على الجبال المطلة على مدينة جعار وإنهيار كبير في صفوف مليشيا الإمارات    انطلاق ملتقى أريج الرقمي الأول بمشاركة عالمية واسعة    تنديد حكومي بالمجزرة الحوثية بحق عمال مجمع إخوان ثابت في الحديدة    حقيقة وفاة يوسف القرضاوي في قطر.. واتحاد علماء المسلمين يغرد على تويتر    سواريز يتعافى من كورونا    إدارة الأحوال المدنية في مديرية ميفعة بشبوة تسلم اول بطاقة الاصدار الآلي    تقهر كورونا في عمر ال99 سنة    افتتاح مصنع للبلاستيك بانتاج شهري يصل إلى 350ألف كيلو في حضرموت    مليشيا الحوثي تعلن نجاح صفقة للاتفاق مع الحكومة الشرعية بمأرب    بالفيديو : فتاة سعودية بمكة تروي كيف اكتشفت إصابتها بالإيدز .. وردة فعل والدتها حين تلقت الخبر    في ظل انهيار متسارع للعملة المحلية إتحاد مقاولي أبناء محافظة المهرة يمهلون السلطة المحلية أسبوعا لتسليم مستحقاتهم المالية    أوباما: سأُحقن بلقاح كورونا.. لأثبت للجميع أنه آمن    عاجل.. أكبر انهيار في تأريخ العملة اليمنية وبيان يعلن اغلاق كافة شركات ومحال الصرافة (أسعار الصرف)    علامات تدل على قرب حدوث نوبة قلبية    16 شهيداً وجريحاً.. مجزرة حوثية جديدة بحق عمال مجمع إخوان ثابت في الحديدة    خروقات قوى العدوان بلغت 210 خلال 24 ساعة    إيقاف تراخيص البناء وحفر الابار الجوفي والمحطات النفطية تعز    قطر:الشيخ تميم يستعد للتحرك إلى الرياض وقمة تاريخية للمصالحة ستغير موازين المنطقة    ابطال الجيش الوطني يدمروا مخزن أسلحة وعربات تابعة لميليشيا الحوثي في جبهة صرواح    تعرف على الغرامة المالية المفروضة على ميسي    صحفيون اختطفوا لسنوات يقدمون شهادات عن التعذيب في سجون الحوثيين    ارتفاع أسعار الذهب مع تراجع الدولار    سيد_النصر_والانصار    نائب وزير المياه يؤكد أهمية ترسيخ العمل المؤسسي    30 فنان يمني يتدربون على إنتاج وإدارة المشاريع الثقافية    اكتشاف كنز من الذهب الخالص بمحافظة يمنية وشجار بين اخوة عثروا عليه يضعه على عتبة المجهول (صور)    طبيب يدعي النبوة ويعالج كورونا وعدد من المواطنين يؤمنون به    نائب رئيس الوزراء ومحافظ حضرموت يفتتحان ويضعان حجر الأساس لعدد من المشاريع    واشنطن بوست: بومبيو قد يعلن الحوثيين " جماعة إرهابية" هذا الأسبوع    الأمواج تلقي كنزا قيمتة أكثر من 3 ملايين دولار على شاطئ البحر    عقب تناولهم لمزيج طبي كارثي... شاهد 20 طفل إسباني يتحولون إلى غوريلا    صور.. ابنة منى زكي وأحمد حلمي تخطف الأنظار بمهرجان القاهرة السينمائي    مركز الملك سلمان يدعم خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن ب12 مليون دولار    هل تصدق.. قبضة يدك تحذرك من مشاكل صحية خطيرة    حِميَرٌ تغزو فارس    فاطمة الشهارية.. اللقمة العيسة لبيت سيدي!    رائحَةُالخُبْزِ (المَدْهُور1)    مأرب: ذات الشمس    دولة عربية تكشف عن 15 ألف موقع أثري    مفتي السعودية "آل الشيخ" يوجه رسائل للجنود السعوديين في الحد الجنوبي    العرب حبل النصر لأمريكا والصهيونية!!    الله والفقه المغلوط(1-2)(2-2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المثقف اليمني بين مطرقة القبيلة وسندان العسكر ( 2-2 )
نشر في 14 أكتوبر يوم 03 - 10 - 2013


إلى المنتفعين بشعر ودم (الزبيري) حياً وميتاً.
نبذة عن (الزبيري) :
كان حي الشهيد (محمد محمود الزبيري) من قادة (حركة الأحرار اليمنيين) وكبار المثقفين اليمنيين التقليديين وأحد الممثلين للجناح المعارض للحكم العسكري والوجود المصري في اليمن. وكانت المعارضة تضم عدداً من مشايخ القبائل وقبيلة (حاشد) على وجه الخصوص، كذا فئة (القضاة) حسب التقسيم الاجتماعي اليمني وليس (قضاة الحكم)، وقد وصف أحد المثقفين (الزبيري) في بحث له بأنه أحد الممثلين الملهمين للإقطاع في اليمن ( 1)، ووصفه مثقف آخر بأنه كان يدعو إلى إقامة سلطنة إقطاعية قبلية (2 )، وصنفه آخر بأنه: (شاعر الحرية)، بدلاً من (شاعر الوطنية) لعدم انطباق هذا الوصف عليه حسب رأي الكاتب (3). وقد ثارت معارك عديدة حول (الزبيري) وشعره ووطنيته ولم يتصدّ أحد من بواكيه لجريمة اغتياله ومعرفة الحقيقة وكشفها حتى ظهر بعض المذكرات لمعاصريه كما سيتضح لاحقاً.
كان (الزبيري) رومانسياً، وقد عاد بعد انقلاب 26/ 9/ 1962م إلى اليمن وشغل منصب وزير التربية والتعليم، ثم اختلف مع القيادة العسكرية اليمنية - المصرية وأعوانها، وأعلن الحرب الكلامية ضدهما، ثم هاجر إلى كنف قبيلة (بكيل) لاستئناف حروبه.
الهجرة
عندما تهدد الخطر حياته هرب إلى منطقة (برط) وهي أحد مراكز قبيلة (بكيل) في شمال اليمن، وكان معه في هروبه بسبب ذلك كل من الشيخ (عبدالمجيد الزنداني) والأستاذ (محمد الفسيل) والأستاذ (عبدالملك الطيب) والذي كان ولا زال يعتبر مع (الزنداني) من كبار أعضاء تنظيم (الإخوان المسلمون) في اليمن.
يروي أحد رفاق (الزبيري):
المشير عبدالله السلال
بعد صلاة الظهر في أول يوم من شهر رمضان سنة 1384ه وبعد أربعة أيام على عودتي من (بنان) كنت في السيارة مع (محمد محمود الزبيري) و (عبدالمجيد عزيز الزنداني) و(محمد عبدالله الفسيل)، ووصلنا (ثلا) بعد صلاة العصر فدخلنا المسجد للصلاة.
وفي (حرف سفيان) قام (الزبيري) بناءً على طلبه ورغبته بزيارة قائد القوات المصرية العميد (قاسم)، وكان من أشهرهم، ويطلق عليه عند اليمنيين وبعض المصريين لقب (قاسم الصاروخ).
ومع الأسى والأسف فإن سعادة القائد همّ بالقبض على (الزبيري) ورفاقه لولا أن الشيخ (عبدالله ذيبان) ورفاقه قالوا له إن هذا لا يليق ( 4).
وورد في مذكرات أحد مشايخ القبائل:
الشهيد (الزبيري) كان قراره الأول - كما ذكرنا - هو التوجه إلى (خَمِرْ) لأنها المنطقة المهيأة لمناصرته ومعارضة (السلال) والمصريين ( 5).
ولكن (الزبيري) لم يذهب، كما أراد له (ابن الأحمر) إلى (خمر) في قبيلة (حاشد) وإنما فضل الذهاب إلى (برط) التابعة لقبيلة (بكيل) والتي تتنافس مع (حاشد) على السلطة والمال.
ويبرر أحد رفاق (الزبيري) هجرته إلى قبيلة (بكيل) بدلاً من قبيلة (حاشد) أن ذلك كان بسبب المآسي ومن أجل حل بعضها وتدارك البعض الآخر والحيلولة دون وقوع كارثة فكان أن اتجه (الزبيري) ومن معه إلى (برط) ولكن بينما هو يريد إنقاذ الغارقين من الموت ويريد رفع الذين قد نزلت أقدامهم في الوحل إذا بالمؤامرات تلحقه إلى هناك (6 ).
الزبيري والقبيلة
كان (الزبيري) يقدس القبيلة، ويرى أنها المنقذ من الضلال السياسي، ولذلك نادى بإنشاء جيش قبلي مواز للقوات المسلحة الرسمية.
وفي هذا المضمار رفع (الزبيري) بعض القبائل إلى مصاف القداسة ونسب إليها ما ليس فيها (المقدس) حيث ورد في أحد كتبه:
((حاشد أو بكيل هما القوة المحاربة الرئيسية في البلاد، وترتبط معها كل القبائل برباط التحالف التقليدي. وليس هناك أدنى معابة في تحريك العصبية القبلية، والركوب على موجتها، حتى وإن كنا لا نعيش في القرن الأموي، وإنما نعيش في قرن الصراع من أجل إنسانية شاملة، فذلك فخر كبير. ومن أيد الحق، ورفع راية العروبة، والإسلام إلى أقطار المعمورة غير القبائل؟ إنهم الفئة التي تعمل لوجه الله وتبذل أرواحها، وأعمارها، وتقيم الممالك، وتحمل أعباء المعارك وتسكب كل دم جديد في عروق المجتمع المتحضر، كلما شاخ وأصابه الهرم، ومع ذلك فهي تبقى راضية بالقليل من الجزاء، وبالخشن من العيش، وبالشظف من الحياة، وتظل مجندة بالفطرة، والغريزة طوال العصور، فهي الحامية المانعة، وهي المعقل والحرز، وهي السلاح في يمين الشعب، يهزه كلما ألمت به الملمات، ولولاها لفني العرب، وانقرضوا وانحلت قواهم في سموم المدنية)) ( 7).
(الزبيري، (مأساة واق الواق)، ص (66 ، 148 ، 150 ، 216، 217).
لقد أعلن (الزبيري) في أيامه الأخيرة تمرداً صريحاً وعداءً سافراً لوجود (ج. ع. م) (المصريين) في الشمال، ثم توجه إلى من اعتقد بأن (مفتاح الموقف) بكل تعقيداته في يده: إلى القبائل (8).
تفاقم الصراع
في 16 / 12 / 1383ه أعلن رئيس الجمهورية السابق المشير (عبدالله السلال) حالة الطوارئ في اليمن وذلك يوم وصول الفريق (حسن العمري) من (القاهرة) إلى (صنعاء)، حيث تم تعيينه رئيساً ل (محكمة أمن الدولة) ونائباً لرئيس الجمهورية ورئيساً للوزراء ورئيساً للجنة النقد، كما جرى تعيين الضابط (عبدالله جزيلان) وزيراً للدفاع، والضابط (محمد الأهنومي) وزيراً للداخلية.
واحتدم الصراع على السلطة والمال بين العسكر ومشايخ القبائل وصوتهم المجلجل أبو الأحرار (محمد محمود الزبيري) ومعه عدد من عناصر الإخوان المسلمين مثل الأستاذ (عبدالمجيد الزنداني - والأستاذ عبدالملك الطيب ... الخ)، وبقية المناوئين للرئيس اليمني السابق (المشير عبدالله السلال) وأعوانه من المشايخ والمصريين (القيادة العربية)، فأصدر (الزبيري) عدداً من المنشورات ضدهم ما أثار ثائرة (السلال) وأعوانه وحلفائه المصريين الذين عملوا على القبض عليه والانتقام منه، ولكنه هرب فلم يتمكنوا من ذلك.
وأثناء هروب (الزبيري) إلى (برط) من مناطق قبيلة (بكيل)، عمل على عقد تحالفات مع الملكيين ومشايخ القبائل غير الجمهوريين لتوحيد الصف ضد السلطة الحاكمة في (صنعاء) والتواجد المصري العسكري في اليمن، وكان ممن التقاهم (الزبيري): القاضي (أحمد السياغي) وكان أحد مشاهير القادة الملكيين آنذاك ( 9).
ويصور أحد كبار السياسيين البريطانيين، وكان يشغل منصب (الضابط السياسي) في الجنوب اليمني أثناء الاحتلال البريطاني، الصراعات بين زعماء الجمهورية حينذاك حول المصالح والمنافع والموقف من القوى الملكية على النحو التالي:
إن الحماس الذي تلى الثورة قد انطفأ بسرعة كما تضاعفت الفئات المتنازعة داخل الجمهورية مما أحالها إلى بيت سياسي أشبه ببيت النمل ومن ناحية أساسية كانت تلك الفئات مقسمة إلى جماعة ترغب في التفاهم مع الملكيين وجماعة من المتأججين حماساً للنظام الجمهوري من بينهم البعض الذين وضعتهم أعمالهم خارج حدود المصالحة والتوفيق والذين لم يقبلوا أقل من إزالة كاملة ونفي عائلة (حميد الدين) الملكية وقد أيد المصريون منذ وقت طويل الجماعة الثانية بقيادة الرئيس (السلال) ورئيس وزرائه (حسن العمري).
أما الراغبون في المصالحة فكان يقودهم في البداية القاضي الجليل (الزبيري) الذي قتل في ظروف غامضة في ربيع عام 1965م (10 ).
كذلك أكدت إحدى المؤرخات في (الاتحاد السوفيتي) سابقاً في منتصف 1965م أنه قد ((تَكوَّن في الجمهورية العربية اليمنية تكتل سياسي ينادي بفكرة «الدولة الإسلامية»)). وتقصد بذلك (الزبيري) وجماعته.
وعند مطلع 1965م ضم معسكر القوى المعارضة ل (السلال)، قادة المعارضة التقليدية من بعض مشايخ القبائل و (القوى الثالثة) و (الإخوان المسلمين) وتعاون معهم عدد من العناصر الوطنية وسعياً منهم إلى تعزيز قواهم، عمل أنصار هذا المعسكر على استمالة المشايخ وأعيان القبائل حيث تم توجيه الدعوة لانعقاد مؤتمر وطني عام جديد (مؤتمر خمر) ( 11).
وقد حاولت (القوة الثالثة) (الزبيري ومن إليه) استقطاب المجموعتين الرافضتين باستغلال الشعور المعادي للمصريين، وبإثارة الإسلام وتجميع كل الذين يرفضون استمرار الحرب الأهلية بعد أن رسخوا مراكزهم، وبرغم أن المصريين تجاهلوا هؤلاء الرافضين في البداية إلا أنهم لم يتمكنوا من الاستمرار في تجاهلهم عندما نظمت (القوة الثالثة) مؤتمراً في (عمران) في مارس 1965م حضره العديد من زعماء القبائل الجمهوريين، والذي دعا إلى انسحاب مصر. وتم بعد ذلك بقليل اغتيال (الزبيري) وهو في طريقه إلى (السعودية) ( 12).
وفي تقرير (مخابراتي) آخر قدمه الأستاذ (محمد الفسيل) إلى الشيخ (عبدالله الأحمر) حول تفاقم الصراع على نحو أدى إلى صدور الأمر باعتقال (الزبيري) ورد ما يلي:
من المنشورات العلنية التي كتبها (الزبيري) قبل هروبه وقُبضت مع (حسن الراعي) وكان موظفاً في الزراعة و (عبدالله بركات) مدير الأمن وحبس (حسن الراعي)، و (الراعي) أبلغ (يحيى الزبيري)، و (يحيى) أبلغ الأستاذ، والأستاذ اتصل ب (عبدالله بركات) و (عبدالله بركات) اتصل ب (حسن العمري)، و (حسن العمري) اتصل ب (العرضي)، وأمرهم بإخراج المدرعات فخرجت 17 مدرعة بقيادة (عبدالله عبدالسلام صبرة)، ولما أصبحوا خارج العرض سأل (عبدالله عبدالسلام) ما هي المهمة، فقال (العمري) توجهوا لاعتقال (الزبيري) ( 13).
العسكر وشاعر الوطنية والقبيلة
الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر
على عكس موقف (الزبيري) من القبيلة وتقديسها فقد كان يناصب العسكر العداء ويتوجس خيفة وريبة منهم.
ومن لا يتذكر البيت الشعري الشهير له:
العسكري بليد للأذى فطن كأن إبليس للطغيان ربَّاه (14 )
كما أنه في هجرته السياسية إلى وسط قبائل (بكيل) كتب قصيدة شهيرة صب فيها جام غضبه على قانون العقوبات الذي صدر آنذاك وتضمن عقوبات الإعدام ومصادرة الأموال لكل معارض مهما كانت الجريمة المنسوبة إليه ( 15).
ومن الأبيات الواردة في القصيدة المذكورة ما يلي:
متى حكمتم ب (قانون) وقد
قتل الآلاف أو سحقوا كالدود أو كُنسوا؟
عار على صانع (القانون) يكتبه
وحكمه في بحار الدم منغمس.
كفى خداعاً فعين الشعب صاحية
والناس قد سئموا الرؤيا وقد يئسوا
وقد تبارى المثقفون في التأليف عن (الزبيري) وإطلاق مختلف الأوصاف عليه من (شاعر الوطنية) إلى (شاعر الثورة) إلى (أبو الأحرار) ... الخ، مع أنه يستحق، أيضاً، أن يطلق عليه (شاعر القبيلة)، فقد عمل مثلما راعيه الشيخ (عبدالله الأحمر) على أن تكون كلمة القبيلة في اليمن هي العليا، لأنها في نظره ومن إليه هي الوطن والناس والتاريخ، وكأن القبيلة هي بداية التاريخ ونهايته بينما هي، حسب الحقائق التاريخية، نتيجة من نتائجه البدائية التي تعوق انطلاق البشر من قيودها إلى عالم التقدم ورحاب مفهومات وتصورات أكثر اتساعاً لتآخي الجماعات والأفراد بل والأمم والثقافات ( 16).
والثابت، تاريخياً، أن إخلاص (الزبيري) للقبيلة قد بلغ به حد أن طالب بتكوين جيش قبلي مواز للجيش الحكومي. ويتضح ذلك من برامجه وكتاباته ومنها إحدى رسائل (الزبيري) إلى الرئيس العسكري للجمهورية العربية اليمنية آنذاك (عبدالله السلال):
رفضتم تكوين (جيش دائم من القبائل المجمهرة) يردع المتمردين ويمنع الحرب قبل وقوعها، وذلك لأنكم لا تثقون بالشعب ورجاله، ولا تريدون تكوين جيش شعبي من الأحرار القبائل خوفاً على منصبكم، وبذلك أضعفتم الجمهورية وعرضتموها للحروب والخراب الرهيب وسفك الدماء الغزيرة، ولو كان للجمهورية جيش من أحرار القبائل لما أقدمت القبائل الأخرى على التمرد.
لائحة الاتهام
دأب (الزبيري) ورفاقه من (الإخوان المسلمين) وأنصارهم على خوض الصراع السياسي من فيافي قبيلة (بكيل) ضد السلطة الحاكمة في (صنعاء) (الحكومة العسكرية) حسب وصفهم لها فأصدروا صحيفة مكتوبة بخط اليد هي (صوت اليمن) وأنشأوا حزباً أسموه (حزب الله)، وكانت الصحيفة المذكورة هي الناطقة باسمه.
وفي معمعة الصراع نقتطف فقرات من رسالة حي الشهيد (محمد الزبيري) الموجهة إلى رئيس الجمهورية السابق المشير (عبدالله السلال) أورد (الزبيري) فيها لائحة بالاتهامات الموجهة إلى السلطة الحاكمة برئاسة (السلال) نورد منها ما يلي:
1 - انتهكتم حرمة الميزانية العامة للدولة، وخرجتم على قواعد النظام القديم والحديث، وخلقتم الفوضى والارتباك في الشئون المالية بسبب التصرفات والتحويلات بأموال الشعب طبقاً لرغباتكم الشخصية، حتى كأن أموال الشعب إنما هي أموالكم الخاصة ورثتموها من الآباء والأجداد.
على أن الوارث المسرف السيئ التصرف يحجره الحاكم الشرعي ويمنعه من التصرف بماله الخاص (17 ).
2 - رفضتم تكوين (جيش دائم من القبائل المجمهرة) يردع المتمردين ويمنع الحرب قبل وقوعها، وذلك لأنكم لا تثقون بالشعب ورجاله، ولا تريدون تكوين جيش شعبي من الأحرار القبائل خوفاً على منصبكم، وبذلك أضعفتم الجمهورية وعرضتموها للحروب والخراب الرهيب وسفك الدماء الغزيرة، ولو كان للجمهورية جيش من أحرار القبائل لما أقدمت القبائل الأخرى على التمرد (18 ).
3 - أبحتم لأنفسكم حق التهديد والوعيد لكل من تكرهونه بصفة شخصية وتوعدتم الشعب في كثير من خطبكم وقلتم أنكم ستملؤون الميادين بالرؤوس.
4 - أهنتم شرف الشعب بتذللكم لأصغر المسئولين المصريين (19)، وتنازلتم عن حقوق الدولة لهم وشجعتموهم على حكم المناطق والسيطرة عليها دون أن تشاوروا أحداً.
5 - سلمتم إليهم التسلط على الوزارات والتحكم في اقتصاديات البلاد حتى ركعت الجمهورية عاجزة ذليلة.
6 - أنفقتم أموال الدولة بقصد الحصول على تأييد شعبي لشخصكم ومنصبكم وشراء الذمم والضمائر لتبقى رئاسة الجمهورية حقاً أبدياً في (آل السلال) ( 20).
ثم يورد عدداً من الوسائل ينسبها (الزبيري) إلى الحاكم العسكري (السلال) وأعوانه من مشايخ القبائل وممثلي الرأسمالية الطفيلية:
أ - الإسراف بالأموال واستباحة الأرواح والدماء والأعراض.
ب- البئر الرهيبة تُرمى فيها الضحايا أحياء (21 ).
ج- الإعدام الجزافي بلا محاكمات.
د - الغدر بمن عاهدوه أو عفوا عنه.
ه- اختطاف المواطنين من الشوارع.
و- مهاجمة الآمنين في بيوتهم.
ز- قتل الناس بالسم بعد العفو عنهم وإعطاء العهود لهم.
ح- الزّج بالمواطنين في السجون بصورة فوضوية وبغير عدل ولا حق ولا محاكمة، حتى كأن المواطنين ثروة أخرى يملكها الحكام الجمهوريون شخصياً كما يملكون خزانة الدولة.
ط- القتل والعفو عن القتل والسجن والإطلاق من السجن مثل التحويلات المالية حق شخصي للحكام المذكورين ( 22).
سياسة الاغتيال
كثيراً ما كان حي الشهيد (محمد محمود الزبيري) يردد في (القاهرة): ((من العار أن يموت الإمام (يحيى) في فراشه))، وبعد ذلك بوقت قصير أضاءت سماء ليل (الحديدة) رصاصات (اللقية) و (العلفي) و (محسن الهندوانة). كان (الزبيري) يتحرق شوقاً إلى فعل يثبت قدرة المعارضين للحكم، ويتحدث عن تمرده حتى ولو كان عملية اغتيال فردي وقد رأى في فعلة الوطنيين الثلاثة الجريئة (مواقف بطولية) ردت العزة إلى كل يمني وصنعت منه مثلاً أعلا وأحدثت انقلاباً روحياً في الأعماق، غيرت مجرى الحياة النفسية في اليمن تغيراً عجيباً (حسب تعبير «الزبيري»). (ثورة الشعر، ص (77).
لم يكن (الزبيري) يعرف أن الاغتيال الفردي، لو كان جزءاً من عمل ثوري شامل لا يمكن أن يحقق نتيجة سياسية، وهو في أحسن الأحوال، قد يعين على إسقاط الهالة التي يحيط الحكام المستبدون أنفسهم بها. ولعل هذا هو بالتحديد كان دور العمليات الفردية في شمال اليمن، ويرى أحد المفكرين اليمنيين أن الحركة الوطنية في العالم العربي لم تدرك عدم جدوى الاغتيال الفردي إلا عندما نضجت الأفكار السياسية عند ممثلي اليسار. وأما الجماعات السلفية فقد ظلت إلى حين انهيار كيانها السياسي ترفع شعار القتل إلى مصاف العقيدة ( 23).
الوفد
أرسل المصريون و (السلال) ثلاثة من كبار الساسة أصدقاء (الزبيري) لإقناعه بعدم الاستمرار في نهجه ولزوم عودته معهم إلى (صنعاء)، ويعلق (الطيب) على المجموعة التي سافرت لإحضار (الزبيري) إلى (صنعاء) ولم تفلح وإنما قادت إلى قتله:
وكنت أستعيد أوصاف المجموعة وأقيم شخصياتها (عبدالرحمن الإرياني)، سياسي وبعيد النظر، ولكنه يقبل نصف المطالب ويقتنع بأنصاف الحلول دائماً.
- (أحمد نعمان)، سيئ الظن بالجانب الآخر (المصريين والسلال)، فقد جربهم أثناء لجوئه إلى (القاهرة)، وحرمانه من العودة إلى اليمن بعد الثورة، بل وتهديده بالاعتقال في (القاهرة) قبل الثورة وبعدها، وهو أحزم من القاضي، ولكنه يقبل الحلول التي يرى نفسه كاسباً فيها.
- (عبدالسلام صبرة)، طيب، ومن أخذ بيده وصل معه إلى حيث يريد.
- (محمد علي عثمان)، ثعلب حذر وأحزم من الجميع وبعيد النظر، ولكنه يؤثر السلامة على كل شيء.
وسافروا إلى (برط) ومعهم الأخ (محمد عبدالله الفسيل)، فالتقوا ب (الزبيري) وسافروا معه ضيوفاً لدى النقيب (ناجي بن عبدالعزيز الشائف) في (رجوزة)، وقُتِل (الزبيري) بين أيديهم، ورجعوا إلى صنعاء رأساً بجثة (الزبيري) ( 24).
ويروي الرئيس السابق للمجلس الجمهوري في اليمن أن مهمته التي تمت بتكليف من القيادة العسكرية اليمنية والمصرية كانت هي إعادة (الزبيري) إلى حظيرة الحكم في (صنعاء) ولكنه رفض ذلك! مما يوحي بأنه كان يلزم إعادته إلى (صنعاء) حياً أو ميتاً، وقد تمت إعادته، بواسطة الوفد ذاته، جثة هامدة بعد رفضه العودة مع وفد (الإرياني) و (نعمان) حياً:
وكان بعد وصولنا إلى (برط) ومعرفتنا لما يكتنف موقف القاضي (محمد الزبيري) من أخطار قد عزمنا عليه أن يعود معنا، فتردد، وإذا كنت لا تريد الوصول إلى صنعاء فيمكن البقاء في (خَمِر) وهي في منأى عن تناول الأيدي (25).
مقدمات الاغتيال
ورد في مذكرات أحد التجار من ممثلي الرأسمالية الطفيلية في انقلاب (26 / 9 / 1962م) والتابعين للمخابرات المصرية آنذاك ما يلي:
إن هذا اللقاء مع (السياغي) (26) الملكي كان أول معارضة واضحة ضد (السلال) والقيادة العربية.
وكان أول إعلان لهذه المعارضة هو (مؤتمر عمران) الذي جمع كل التيارات من بعثيين سوريين وبعثيين عراقيين وشيوعيين، أما الداعي لهذا فهو الأستاذ (الزبيري) بعد أن اختلط عليه الأمر وتأثر بهذا الخليط حتى أصبح مطية لهم وفي هذا المؤتمر تبلورت مطالب المعارضة وخرجت بقرارات عديدة (27).
وفي موضع آخر من الكتاب:
خاصة و (الزبيري) هو الذي تزعم المؤتمر وله مكانة خاصة في قلوب الناس (28).
وأضاف: وكان (الزبيري) دائم الاختلاف مع الرئيس (السلال) بسبب ما ينقلون عنه من معلومات خاطئة وفي البداية كان يرى أن (البيضاني) هو سبب كل هذه المصائب (29).
ويضيف (الأسودي) أن الأستاذ (أحمد نعمان) كان يعتقد بأنه بالإمكان التفاهم مع أعداء الثورة لولا الوجود المصري، وقد أخصب هذا الاعتقاد في ذهن (الزبيري) إلى درجة أنه قد تم لقاء سري بين (الزبيري) و (الإرياني) من ناحية، وبين (أحمد السياغي) من ناحية أخرى وذلك في منطقة (العرقوب) 1963م.
وكان هذا اللقاء بدون رئيس الجمهورية والقيادة العربية، أكبر خطأ ارتكبه (الزبيري)، أما (الإرياني) فهو معروف بعدائه ل(السلال) والقيادة العربية من أول يوم لكنه كان كتوماً إلى أبعد الحدود في هذه الناحية.
أما الغرض من الاتصال فكانت محاولة لإيجاد أرضية للمفاوضات تتم رأساً بين الجمهوريين والملكيين (30).
ويؤكد أحد كبار المؤرخين المصريين ما سلف مضيفاً أنه كان قد سبق أن نسب إلى (الزبيري) أنه أجرى في يوليو وأغسطس 63 اتصالات سرية بالقائد الملكي (أحمد السياغي) بهدف التوصل إلى حل وسط.
وفي أول (أبريل) اغتيل (الزبيري) بشمال شرقي اليمن واتهمت الحكومة اليمنية الملكيين باغتياله، وأعلنت في اليوم التالي القبض على اثنين اعترفا بأنهما كلفا بذلك من عملاء (البدر)، ولكن الملكيين ردوا باتهام مضاد للجمهوريين باغتيال (الزبيري) لاتجاهاته السياسية السابق بيانها، بل لقد انتشرت إشاعات تورط المصريين في العملية (31).
تقارير مخابراتية
أثناء الصراع الدموي بين أجنحة الحكم وقواه المتصارعة على السلطة والمصلحة كتب الأستاذ (محمد الفسيل) تقريراً مخابراتياً ل (عبدالله الأحمر) حول التمهيد لاغتيال (الزبيري) حيث ورد في التقرير ما يلي:
محمد عبدالله الفسيل
أخبرني (عبدالله العنسي) الموظف بوزارة الأوقاف أنه قبل أكثر من عشرة أيام، شاهد (الفلاحي) وواحداً من (بيت الشايف) وهو قصير القامة واثنين من (ذو حسين) يترددون على القيادة العربية بصنعاء في الليل ويدخلون من الباب الخلفي، واستمر ذلك حوالي أربعة أيام، ثم شاهدهم في نهار أحد الأيام يدخلون مقهاية من المقاهي القريبة من دائرة الضبط في (باب السبح)، فدخل بعدهم هو و (علي الآنسي) الموظف في وزارة الزراعة، وهناك أخرج أحدهم قنبلة يدوية وبدأ يركب فيها الصاعق، ثم تحدثوا، وفهم من حديثهم أن القيادة سلمت لكل واحد ست قنابل يدوية، وخمسين طلقة رصاص، وقال (العنسي) إنني أستطيع معرفة هؤلاء الأربعة بمجرد أن أراهم، ولو كانوا بين آلاف من الناس (32).
وفي مذكرة (استخباراتية) موجهة من (الفسيل) إلى (ابن الأحمر) ورد حول التمهيد لقتل (الزبيري) ما يلي:
(ناجي بن علي البخيتي) يقول: إن أحد رجال (الحدا) واسمه (لم يذكر اسمه) أخبره أنه ذهب قبل أيام من الحادث إلى القيادة العربية وطلب مقابلة (سليمان) فقالوا له: إنه في اجتماع مع بعض رجال (ذو محمد)، وبقي أكثر من ساعة، ثم خرجوا من الغرفة وإذا هم من (ذو حسين) ولو رآهم الآن لعرفهم.
على أن أخطر ما ورد في التقرير هو اتهام صريح ل (علي السلال) ابن رئيس الجمهورية حينها بالتخطيط لاغتيال (الزبيري):
أخبرني (سعيد محمد الحكيمي) أن (علي عبدالله السلال) كان سامراً في أواخر رمضان ومعه رجال من الجنوب، وإذا به يقول: هذا (الزبيري) هو الذي يثير علينا الناس بالخطب، والشعر واحنا أقوى منه عندنا رصاص أقوى من الخطب وسوف يستمعون قريباً نهاية (الزبيري) (33).
وفي ذات (التقرير) ورد ما يلي:
النقيب (محمد خيران) من موظفي المباحث جاء معنا إلى (برط) لاستلام القتلة، وأخبرني أنه رأى واحداً من (ذي حسين) جاء معهم للاتفاق مع الوفود وعرف أنه كان يتردد على القصر الجمهوري للاتفاق ب (عبدالله جزيلان) وطلب منه خمسة آلاف ريال وطلب بنبه (بمبة) فلما رآه (خيران) قال له أنا أعرفك أنت الذي كنت تأتي القصر الجمهوري وطلبت من (عبدالله جزيلان) خمسة آلاف ريال وبنبه، فقال له اسكت بس مش وقت الكلام في هذا، ويقول (جبران) هذا الشخص أسنانه الأمامية كبيرة وربما كان (ناجي الصلاحي) (34).
وورد في أحد التقارير الاستخبارية المقدمة إلى السفارة الأمريكية في اليمن من قبل أحد كبار جواسيس الولايات المتحدة الأمريكية في اليمن:
ثم بعد ذلك سأل السيد (كلارك) (أحد كبار المسئولين الأمريكيين وضباط المخابرات في السفارة) (أحمد سعيد) عما إذا كان لديه معلومات إضافية حول جريمة الاغتيال التي ارتكبت مؤخراً ضد رفيق (النعمان) (الزبيري)، أجاب (سعيد) (35) بأنه حسب علمه أن التقارير المبكرة التي تناولت هذا الموضوع كانت صحيحة حيث ذكرت تلك التقارير أن (محمد بن الحسين) استأجر شخصاً ليقوم بجريمة الاغتيال، حيث ذهب القاتل في البداية إلى صنعاء لكي يتأكد من موقف القيادة المصرية فما كان من الجيش المصري إلا أن أعطى الرجل موافقة ضمنية على الاغتيال، ولذلك فقد عاد القاتل إلى (ذي حسين) وقام بقتل زعيم حزب الله (الزبيري) الذي كان يزور المنطقة، ولم تقم الجمهورية العربية المتحدة بأي تحرك لمعاقبة القتلة بل تركتهم يفرون بكل سهولة (36).
وفي إحدى الوثائق الخطية لواحد من معاصري (السلال) ومستشاريه نقرأ الآتي:
أخذ هذا التكتل في بادئ الأمر طابعاً طائفياً وبشكل حاد وخطير، ومما لا شك فيه أن وجود بعض العناصر من الشباب الذين درسوا في الخارج والمعروفين بعمالتهم لأمريكا استطاعوا أن يقنعوا القاضي (الزبيري) أن الحل الوحيد للقضية اليمنية هو تكوين حزب يضم مشايخ وأعياناً وعلماء وأبناء العائلات الكبيرة والمثقفين، وقد اقتنع (الزبيري) بالفكرة وأخذ يدعو إليها في كل مناسبة، والهدف من تكوين هذا التنظيم هو أولاً الاستيلاء على الحكم، ثم العمل على إخراج القوات المصرية والدخول في مفاوضات مع القبائل المتمردة، ولكن الأحداث لم تجري (تَجْرِ) كما قدر هؤلاء، وهكذا اضطر (الزبيري) ومجموعة صغيرة للنزوح من (صنعاء) إلى (برط) وبدؤوا الدعوة من هنالك ل(حزب الله) وحالاً ما استجابت مختلف الفئات لهذه الدعوة، وقد ركز دعاة (حزب الله) دعايتهم على أساس الحقد والكراهية للمصريين، وأن كل هذه الأخطاء والحروب هم مسببوها والمسئولون عنها بالاشتراك مع (السلال)، وأخذت منشوراتهم توزع على طول البلاد وبدأت التكتلات الرجعية تتخذ طابعاً سرياً وعلنياً، كما استجاب لها بعض المشايخ المتمردين، كما ذهب وفد برئاسة الشيخ (الشايف) إلى (السعودية) لغرض التفاهم مع المسئولين في السعودية وعرض أهداف (حزب الله)، وقد تحمس الجانب السعودي للفكرة وأيدها وأبدوا استعدادهم لتقديم المساعدات متى ما أثبت (حزب الله) وجوده إلا أنه حصل خلاف بين (الزبيري) وجماعة المشايخ ف (الزبيري) يرى أنه يجب الاعتماد ذاتياً، بينما المشايخ وبعض الشخصيات الأخرى ترى أن (حزب الله) لا يمكن أن يقف لوحده وأنه لا بد من المال والسلاح حتى ولو كان من الشيطان.
وقد وجد جماعة (حزب الله) في مقتل (الزبيري) فرصة لا تعوض فراحت علناً تتهم المصريين و (السلال) باغتيال (الزبيري)، وهكذا اتخذوا من دم (الزبيري) قميص (عثمان) للوصول إلى الحكم، وهكذا أخذ المد الرجعي في الاندفاع بقوة إلى أن كان مؤتمر أو مؤامرة (خمر) الذي انتهى بطلوع القرارات المعروفة، وإن الإنسان المتتبع لمجريات الأحداث في اليمن يجد أن القوى الرجعية تزداد قوة يوماً بعد يوم ولكن بالرغم من قوة الرجعية ووعيها يستشف أن هناك بالتأكيد أيادٍ أجنبية هي التي تخطط وتوجه وتمد بالمال هذا التحالف الرجعي وعلى رأسهم (الولايات المتحدة الأمريكية) (37).
تهديد بالقتل
في مذكراته يؤكد (الإرياني) أن (الزبيري) قد تلقى تهديداً بالقتل من القيادة المصرية في اليمن وأنها (تدبر اغتياله)!
كما كان للشهيد (الزبيري) رحمه الله مراسلات مع القيادة العربية، وحينما بلغه أنها تدبر اغتياله وجاء في رسالة من الفريق (القاضي) قائد القوات العربية في اليمن ما يلوح بالتهديد أجاب عليه (القاضي محمد الزبيري) يقول:
لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك (38).
ثم يضيف (الإرياني) بما يشبه التأكيد بأن تلك التهديدات جرى تنفيذها بواسطة القاتلين وهما: (درهم بن حمود الفلاحي) و (حسن محمد الشتوي) (39) اللذين كانا يتقاضيان مبالغ من (القيادة العربية) في (صنعاء)، ويترددان عليها(40)، كذلك الاتفاق ب (عبدالله جزيلان) وطلب (بمبة) و (خمسة آلاف ريال).
وقد تبين أنهما كانا يترصدانه من قبل شهرين وكان تحذير من حَذَّره مخلصاً غير مدفوع بغرض (41).
وفي موضع آخر من مذكرات القاضي (الإرياني) يؤكد اتهامه صراحة للقيادة المصرية و (السلال) باغتيال (الزبيري)، حيث ورد في المذكرات أن هذا وجه رسالة للرئيس (السلال) ومقترحات للقيادة المصرية، ولكن الرد على ذلك كان هو اغتياله. ويتضح ذلك من عبارة (الإرياني) التالية: ((كانت اليد الآثمة الغادرة قد سبقت إليه بالرد)) (42).
والمعلوم بالضرورة هو أن الرد إنما يكون ممن تم توجيه الرسالة إليه؟!.
جريمة الاغتيال
ورد في (الموسوعة اليمنية) عن اغتيال (الزبيري) ما يلي:
وشعرت القوى الخارجية بخطورة دعوة (الزبيري)، فتآمرت عليه، وتم لها تنفيذ المؤامرة حيث أطلقت عليه النار من قبل عنصرين من المرتزقة، فخرّ شهيداً يوم 27 ذي القعدة 1384ه الموافق 31 مارس 1965م (43).
أما أحد أخدان (الزبيري) الوميقين فاكتفى ببضعة أسطر في كتابه عن اغتياله نثبتها فيما يلي:
((في نيسان / أبريل 1965م حملت الأنباء استشهاد القاضي (محمد محمود الزبيري)، وكان إلى جواره القاضي (عبدالرحمن الإرياني) والأستاذ (أحمد محمد نعمان) والقاضي (عبدالسلام صبرة) في جبل (برط) بشمال اليمن، وهو يقود المعارضة ضد الحكم في صنعاء)) (44).
ويلاحظ هنا ورود عبارة ((وهو يقود المعارضة ضد الحكم في صنعاء))، وهي تشي بفكرة واحدة عبر عنها (العيني) بغموض واستحياء وقلق وانتهازية سياسية وهي أن من له مصلحة في قتله هم الذين كان يقود المعارضة ضدهم.
الزبيري هو الهدف
الشيخ عبدالمجيد الزنداني
الثابت هو أن هدف الاغتيال الوحيد كان شخص المعارض والشاعر (محمد محمود الزبيري)، ومما يؤكد ذلك أن (الإرياني) أكد في (الجزء الثاني) من مذكراته أنه لو استهدف القتلة اغتياله و (نعمان) لتمكنوا من ذلك، ولكن المراد اغتياله كان هو (الزبيري) فقط. والسؤال هو: إذا كان الملكيون هم الذين اغتالوا (الزبيري) فلماذا لم يغتالوا معه (النعمان) و (الإرياني) وهما أشد خطراً سياسياً على الملكيين من (الزبيري)؟! ثم كيف يغتال الملكيون شخصاً يدعو إلى التصالح معهم وإشراكهم في الحكم ويعادي نفس القوى التي يعاديها وفي مقدمتها القوات المصرية؟!
ثم يروي (الإرياني):
وهكذا فارق الشهيد الكبير الحياة في الساعة السابعة والنصف من صباح يوم الخميس الموافق 1 / 4 / 1965م رحمه الله ورضي عنه.
أما القاتلان المجرمان فهما (درهم بن حمود الفلاحي) من قبيلة (ذي حسين) و (حسن محمد الشتوي) جار ل(ذي حسين).
وقد وقفنا بجانب الجثمان سويعة كان في إمكان المجرمين أن يلحقانا به، ولكنهما لم يفعلا (45).
وكلام القاضي (الإرياني) السالف يؤكد عدم صحة ما أورده ذراعه العسكري أثناء حكمه بعد انقلاب نوفمبر 1967م وهو اللواء (محمد عبدالله الإرياني) من أن الملكيين خططوا لاغتيال (الإرياني) و (النعمان).
وأدركت القيادة الملكية خطورة ذلك التحرك فاتخذت قراراً باغتيال الشخصيات الثلاث المؤثرة الأستاذ (الزبيري) والقاضي (الإرياني) والأستاذ (نعمان)، وفي حين نجح المنفذون في اغتيال الأستاذ (الزبيري) فإن تقدم راحلة الشهيد عن ركب زميليه إلى موقع الكمين المعد أفشل عملية اغتيال القاضي (الإرياني) والأستاذ (نعمان)، وكان وراء تلك المؤامرة القائد الملكي البارز (محمد بن الحسين حميد الدين). إلا أن معلومات تسربت تتهم الاستخبارات المصرية بإعداد خطة لتنفيذ عملية الاغتيال، وقد حاول الجانب الملكي توظيف الشائعة التي سردت حول ضلوع الاستخبارات المصرية لتبرئة ساحته من دم الشهيد (محمد محمود الزبيري) واتهام الجانب المصري (46).
الرواية البريطانية
في هامش (ص 107) أورد الضابط السياسي البريطاني جريمة اغتيال (الزبيري) بالصيغة الخبرية التالية:
وقع حادث في مركز (برط) القبلي ب (ذو محمد) في اليمن الشمالي واتهم كل من الجمهوريين والملكيين بعضهما البعض بقتله واعترف ثلاثة من رجال القبائل في مقابلة مع إحدى المجلات المصرية بتنفيذ عملية القتل بموجب تعليمات ملكية لكنه ذكر فيما بعد بأنهم هربوا من سجون الجمهورية.
وأكد الملكيون أن حادث القتل دبره (عبدالله جزيلان) الذي تولى فيما بعد منصب نائب الرئيس، ثم عمل رئيساً لمخابرات الجمهورية بناءً على أوامر المصريين الذين كانوا يخشون ازدياد حملة السلام التي كان ينادي بها (الزبيري) (47).
والملاحظ هنا هو أن ما ذكره الملكيون حول دور (عبدالله جزيلان) و (عبدالله دارس) في اغتيال (الزبيري) قد أكده (عبدالملك الطيب) في كتابه الآنف الذكر، (التاريخ يتكلم)، (ص 205) و (217) و (218)، كذلك المنشور الذي أصدره (أمين أبو راس) والشيخ حالياً (عبدالمجيد الزنداني) بعد اغتيال (الزبيري) مباشرة، كذلك أكد ذات المسألة اللواء (عبدالله الراعي) في مذكراته (48).
أما (محبوب الزبيري) فيروي جزءاً من الجريمة على النحو التالي:
وهرب واحد من القتلة وقبضوا على اثنين منهم في نفس اليوم وتم إرسالهم إلى (خمر) وسجنهم في (قلعة مهلهل)، كان لدينا شك هل المتآمرون على قتل (الزبيري) من (صنعاء) أو (بيت حميد الدين)، لأنه كان هناك سباق بين (السلال) والمصريين و (بيت حميد الدين) على من يقتل (الزبيري) فالطرفان كانوا يرون فيه خطراً عليهم، ولقد بعث لنا الفريق (أنور القاضي) قائد القوات المصرية في اليمن رسالة بعد يومين من مقتل (الزبيري) يشرح الموقف ويحذر من الفُرْقة بيننا وأن جمع الشمل هو الأساس ويعلن البراءة من عملية الاغتيال (49).
اتهام صريح
نورد فيما يلي جزءاً من رسالة (الطيب) إلى (القيادة العربية) يتهم فيها قيادة الجيش المصري صراحة بالمساهمة مع حلفائهم وفي مقدمتهم المشير (عبدالله السلال) باغتيال (الزبيري):
وشق عليكم أن يخيب الأمل في أن يكون لكم قطيعاً من الأغنام يساق بإيماءة راعٍ فنسيتم الحرب وهان عليكم تمرد المتمردين ومؤامرات الخارج ووجهتم أنظاركم بصفة تدعو إلى الرثاء والاستغراب إلى جبل (برط) وبدأتم العمل فسافر على يدكم (عبدالله جزيلان) و (علي أحمد الشعبي) و (عبدالله دارس) لقصد استدعاء الأشخاص الذين بدا لكم أن (الزبيري) يستمد قوته من وجودهم ومرة ثانية أرسلتم (علي أحمد الشعبي) و (عبدالله دارس) بمبلغ من المال للتخذيل وتفرقة الصفوف ووصل إلى (رجوزة) المنطقة التي قتل فيها (الزبيري) وظلت قيادتكم هناك تستدعي الرجال وتغدق لهم المال وتطلب منهم بحيل متنوعة أن لا يسيروا عند (الزبيري) أو يقبلوا (حزب الله) وينشرون الدعايات ضده حيناً بأنه (ضد الجمهورية) وحيناً بأنه دجال وحيناً بأنه ضد الحكومة وحيناً بأنه يتلقى أموالاً من خارج البلاد ولم تهدأ ثائرتكم فأرسلتم رجلاً منكم المقدم (عصام) ليدعو (علي الشايف)، والنقيب (أمين أبو راس) و (تركي بن خرصان) و (عبدالله ثوابة) إلى صنعاء، ولما عاد (عصام) كما عاد من سبقه قدمت قيادتكم ألفي ريال ل (علي بن ناجي الشايف) ... الخ (50).
وفي مكان آخر من الرسالة :
وشاهدنا المال يبذل لضرب المعارضة الشعبية للحكم الفاسد وشاهدنا تركيزكم على (الزبيري) والمنطقة التي هو فيها ورسائلكم إلى بعض زعماء البلاد وخاصة إلى (ذي محمد) و(ذي حسين) وهي دليل التاريخ عليكم والشاهد العظيم على مؤامرتكم والتقت جهودكم ضد (الزبيري) (51).
وفي موضع آخر من كتاب (الطيب) وهو أحد الزعماء القدامى في تنظيم (الإخوان المسلمين) باليمن أن اغتيال (الزبيري) تم أيضاً بتحريض من بعض قادة القوات المصرية في اليمن، ويوردون من الشواهد ما يلي:
1 - أن العميد (قاسم الصاروخ) قائد منطقة (الحرف) قطع مرتبات مجموعات وأشخاص كانت تُجرى لهم من قيادة (الحرف) بسبب أنهم جاؤوا مع (الزبيري) و (أمين أبو راس) ومنهم قَتَلة (الزبيري).
2 - أن قطع المرتبات كان أحد الأسباب التي اعترف القتلة أنهم قابلوا العميد (قاسم) «مصري» عدة مرات لمراجعته (52).
منشور الشيخ
في منشور موجه من النقيب (أمين أبو راس) والأستاذ (عبدالمجيد الزنداني) (الشيخ حالياً) بعد اغتيال (الزبيري) مباشرة من (برط) إلى (أبناء الشعب ورجال القبائل ومشايخ البلاد وعلماء وضباط وجنود اليمن) ورد الآتي:
قولوا لهم: من الذي أخرج (الزبيري) من صنعاء، من أفسد الثورة واستذلها؟ من أرسل (عبدالله جزيلان) بثلاثين ألف ريال إلى (برط)؟ من أرسل (علي الشعبي) بخمسين ألفاً إلى (ذي حسين)؟ قولوا لهم من قرر خمسين ريالاً كل يوم لبعض المشايخ في (برط) يشتروا بها معارضين ل (الزبيري) و (أبو راس)، قولوا لهم من وزع خمسة وسبعين بندقاً قبل أسبوعين في (برط)، قولوا لهم ما كان يفعل (درهم الفلاحي) قاتل (الزبيري) في صنعاء قبل عشرة أيام، وكم أخذ أخوه عندما استلم مقرر شهداء (ذي حسين).
قولوا لهم، كيف دبروا قتل (الزبيري) قبل عقد (المؤتمر الوطني) الذي دعا إليه الشهيد. قولوا لهم كيف قتل (الزبيري) بعد يومين من وصول البرقية إلى صنعاء، وهي البرقية التي كشفت فيها المؤامرة. (اختفت البرقية من أرشيف الدولة).
يا عاراه، يا عاراه، يا عاراه، يا رجال اليمن، يا مشايخ القبائل، إن (الزبيري) هَجَركم وواحد منكم، فأين (الزبيري)؟ يا عيباه فعلوها، (قتلوا المقتول ومشوا في جنازته) (53).
شاهد من الأهل
تحت عنوان (مؤامرة اغتيال الزبيري)، أكد بعض ضباط انقلاب (26 سبتمبر 1962م) كلاماً صريحاً يتهم فيه المشير (السلال) والقيادة العسكرية المصرية وبعض التجار من (تعز) باغتيال (الزبيري):
إذا بالمؤامرة الإجرامية تحاك للتخلص منه بعد أن فشلت مؤامرات سابقة في ثنيه ورَدِّه عن مبادئه وقناعاته وأهدافه فحيكت تلك المؤامرة الإجرامية على ضرورة قتل الشهيد (الزبيري) في أبريل 1964م.
زاد حقد المتحدة وعناصرها كالمشير (عبدالله السلال) رئيس الجمهورية والقائد العام، والفريق (العمري) رئيس مجلس الوزراء وغيرهما، من أمثال (عبدالغني مطهر) والمرحوم (عبدالقوي حاميم) على الشهيد (الزبيري) ومن يشاركه في قناعاته الإصلاحية وسلوكه، ولهذا استمر التآمر على الشهيد (الزبيري) بعد خروجه إلى الأوساط القبلية في المنطقة الشمالية واستقراره في منطقة (برط) والتفاف القبائل حوله.
ورغم الإرهاب الذي كانت تستخدمه السلطات الحكومية في ذلك الوقت، وباستمرار الشهيد (الزبيري) يدعو إلى تصحيح الأوضاع الفاسدة وإلى إقصاء العناصر التي عبثت والتي حاولت بمساعدة (المتحدة) القضاء على أغلب العناصر الثورية التي فجرت الثورة (54).
ثم يستطرد الضابط (الراعي) في اتهام جهات أخرى بالتواطؤ وإخفاء الحقائق:
والقضية لا يفهم حقيقتها سوى قلة أبرزهم الشيخ (عبدالله الأحمر) والشيخ (سنان أبو لحوم) والقاضي (عبدالرحمن الإرياني) والمقدم (مجاهد أبو شوارب) و (لجنة التحقيق) التي من عناصرها المقدم (محسن العلفي) والمقدم (عبدالله الراعي) والرائد (حميد العذري)، ولا ينسى القاضي (عبدالرحمن الإرياني) وكذا الشيخ (عبدالله الأحمر) حماسهما بضرورة تهميش القضية تقديراً للظروف الحرجة لتلك المرحلة والأخوين الدكتور (محمد سعيد العطار) والأستاذ (محسن العيني) يشهدان بهذا الموقف، حيث كانا من العناصر المعدة والمحضرة للمؤتمر، فصرفت المبالغ الكبيرة والأسلحة لتوزيعها في مدينة (برط) لتنفيذ جريمة الاغتيال (55).
ثم يؤكد (الراعي) المذكور أنه قد قام بتوزيع تلك الأموال والأسلحة من جانب (صنعاء) في (برط) المرحوم المقدم (علي الشعبي) والعقيد (عبدالله جزيلان) قدرت في تلك الفترة بأربعين ألف ريال وخمسة وسبعين بندقية وزعت في نفس مدينة (برط) كان الغرض الأساسي من ذلك كمرحلة أولى سحب القاعدة الشعبية التي كان يرتكز عليها الشهيد (الزبيري)، أما الغرض النهائي فهو إيجاد العناصر لتنفيذ الجريمة التي تمت في النهاية (56).
أقوال متضاربة
يقول حي الشيخ (عبدالله بن حسين الأحمر) في مذكراته أنه يتضح له أن المتآمر عليه (محمد بن الحسين) إلا بعد أن (حققنا) مع القتلة واعترفوا بأنهم كانوا مكلفين من (محمد بن الحسين) باغتيال (الزبيري)، وبعد أن وصل رسول برسالة من (محمد بن الحسين) وكمية من الذهب لهم وتم القبض على الرسول ومعه الرسالة والذهب (57) غير أن القتلة فروا من (قلعة مهلهل) بعد المؤتمر وبعد دخولنا صنعاء، ومعهم بعض العسكر الذين أخرجوهم، ولم يعد بالإمكان القبض عليهم أبداً (58).
عبدالله جزيلان
ولم يقل لنا الشيخ لماذا لم يعد بالإمكان القبض على القاتلين أبداً رغم أنهم يتواجدون في أرض الجمهورية اليمنية ومكان تواجدهم معروف لذوي الشأن؟!
ولكن اللواء (الراعي) يؤكد عدم صحة اتهام الملكيين بقتل (الزبيري) ويرى أن ملف الاغتيال لا زال مفتوحاً لذلك فإنه: يحمل القاضي (عبدالرحمن بن يحيى الإرياني) والدكتور (محمد سعيد العطار) والأستاذ (محسن العيني) كشف الحقيقة وإيضاحها دون مواربة أو تردد، ويرى (الراعي) أن أحداثاً هامة مرت بتاريخ الحركة الوطنية كهذه أصبح الظرف مناسباً لإيضاحها والكشف عن غموضها، حيث فقدت اليمن باغتيال (الزبيري) أعظم شخصية قيادية في اليمن (59).
نعمة الاختلاف؟
يؤكد (الإرياني) أنه قد اختلفت آراء المواطنين فيمن عساه يكون وراء هذه الجريمة الشنعاء، فقال قوم أن (القيادة العربية) هي وراء هذا الاغتيال، وقال آخرون بل إن الملكيين والسعودية هم وراء هذه الجريمة.
وكان (القبائل) قد قبضوا على القاتلين وأودعوهما (سجن القبيلة) ولكن الحكومة طلبت إيصالهم إلى سجنها ليمثلوا أمام القضاء، وبعد اللّتيّا والتي وافقت قبيلتهما على تسليمهما إلى الشيخ (عبدالله بن حسين الأحمر) ليعتقلا في معتقل (مهلهل)(60) حتى يحاكما محاكمة شرعية، وهو سجن منيع جداً، ولكنه لم يمض شهر على سجنهما حتى جاءت الأخبار بأنهما فرا من السجن وأن (محمد بن الحسين) بعث لهما مبلغاً من الذهب فرشيا الحرس وفر معهما أحدهم (61).
والملاحظ هو أن الشيخ (عبدالله الأحمر) قد أكد عدم صحة هذه الرواية، وأكد أنه تم القبض على مزعوم المبعوث المذكور الذي يحمل الذهب وجرى الاستيلاء على ما كان معه من ذلك، وبالتالي فلم يصل أي ذهب أو مال آخر إلى القاتلين لكي يرشيا به الحراس، فكيف استطاعا الهرب (62)؟!
كذلك قرر اللواء (محمد عبدالله الإرياني) أنه لم تتم رشوة الحرس لكي يوافقوا على هروب قاتلي (الزبيري)، لأنه تم القبض على الرسول المزعوم ومعه الذهب ولا نعرف مصيره إن كان فعلاً قد تم الاستيلاء عليه مع مزعوم رسول (محمد بن الحسين)، كما لم يذكر أي من أصحاب المذكرات اسم ذلك الرسول ولا توجد أية وثائق تدل على أنه قد تم التحقيق معه.. الخ، كما أن الضابط (الإرياني) يورد كلمة (القَتَلَة) أي أنهم أكثر من شخصين بينما القاضي (الإرياني) يقرر في مذكراته أنهما اثنان فقط، وقد أورد اسميهما.
وإثر الاغتيال قام مشايخ (آل الشائف) المعروفون بوطنيتهم وإخلاصهم وتضحياتهم للثورة بمحاصرة المنطقة التي انطلق منها الرصاص، وألقوا القبض على القتلة، وسلموهم إلى قلعة (مهلهل) ب (خمر)، وكذلك ألقي القبض على رسول (محمد بن الحسين حميد الدين) إلى القتلة ومعه مبلغ من الذهب ورسالة من (محمد بن الحسين)، الأمر الذي أكد الجهة التي قامت بعملية الاغتيال، ومن المؤسف أن القتلة تآمروا مع حرّاسهم وهربوا من سجن (مهلهل) ب (خمر) (63).
وثائق مهمة واستنتاج فاسد
من أهم الوثائق الواردة في مذكرات (الإرياني)، والتي تظهر لأول مرة، رسائل ودية متبادلة بين حي الشهيد (الزبيري) والأميرين (عبدالله بن الحسن) و (محمد بن الحسين)، وكأن (الإرياني) يريد بذلك أن يؤكد نفيه المتكرر الصريح والمبطن عن الملكيين اغتيال (الزبيري):
ومما وجدناه في أوراق الشهيد (محمد محمود الزبيري) رحمه الله، رسالة من الأمير (عبدالله بن الحسين) مكتوبة على ورق رسمي يحاول فيها استمالة الأستاذ الشهيد ولا أدري هل رد عليها أم أهملها.
ورسالة أخرى من الأمير (محمد بن الحسين) في ورق عادي يقول فيها أنه اغتبط بقيام الثورة واختفى لأيام على نية التأييد، ولكن سفك الدماء هو الذي دفعه إلى مناوأة الثورة. وكانت الرسالة بتوقيع (ولدكم المملوك) (64).
لكن (الإرياني) يصل إلى استنتاج فاسد من المقدمات التي أوردها، ورد في عبارة إنشائية غامضة وهي أنه لما عجز الأمير (محمد بن الحسين) عن (زحزحة جيل الصمود) عمل على اغتياله؟! يتعارض في قتل (الزبيري) الذي كان يعمل على التصالح معهم، وبالإضافة إلى ذلك فالاستنتاج الفاسد ل(الإرياني) يتعارض مع عدد من الحقائق والآراء التي وردت في مواضع أخرى من مذكراته، وقد أوردناها في مواضع أخرى من هذا البحث.
ولكننا هنا نورد أيضاً ما يؤكد أن (الإرياني) يعرف الحقيقة ولكنه يخشى قولها صراحة:
((فكان (مؤتمر خمر) التاريخي، بعد استشهاد داعيته الأول، الذي كانت الشائعات ضده في صنعاء وتعز من قبل المخابرات قد أغرقت في الإسفاف إلى حد اتهامه بالانحراف عن الجمهورية، ولو صح هذا الاتهام لما صح لنا أن نتهم الملكية باغتياله)) (65).
ويورد أحد كبار الضباط من عائلة (الإرياني) رواية مناقضة لما ذكره القاضي (عبدالرحمن الإرياني) حيث يؤكد الضابط المذكور:
ومن (برط) أرسل الشهيد (محمد محمود الزبيري) رسالة إلى القاضي (عبدالرحمن الإرياني) والأستاذ (أحمد محمد نعمان) يدعوهما فيها للحضور للإعداد لمؤتمر وطني آخر لتجاوز الأزمة القائمة وفق ما سبق الإعداد له، وبمشاركة عدد من الشباب في مقدمتهم الأستاذ (عبدالمجيد الزنداني) والأستاذ (عبدالملك الطيب) والأستاذ (محمد عبدالله الفسيل)، وفي ذلك الوقت أُعلن من منطقة (برط) عن تأسيس (حزب الله)، والذي لم يظهر له أي نشاط بعد اغتيال الأستاذ (الزبيري). وتم تحديد مكان المؤتمر في مدينة (خمر) بمحافظة (عمران) في الفترة التي تفاقم فيها الخلاف بين الرئيس (السلال) والفريق (حسن العمري) والقيادة المصرية من جانب، والأستاذ (الزبيري) والقاضي (عبدالرحمن) والأستاذ (نعمان) والشيخ (عبدالله بن حسين الأحمر) ومن معهم من جانب آخر (66).
المحكمة المهزلة
شُكِّلت محكمة لمحاكمة القَتَلة وأذيعت من الإذاعة تحت الضجة الهائلة تباكياً على (الزبيري)، وكان العارفون بالأمور يضحكون ويتساءلون؟
- لماذا لم تؤمن سجون صنعاء العاصمة على قتلة (الزبيري)؟
- لماذا لم يؤمن القضاء الرسمي على محاكمة الجناة؟
- لماذا تشكل محكمة بأسلوب لا عهد لليمن بمثله؟
عبدالسلام صبرة - رئيس المحكمة، ليس قاضياً وتشكيل المحكمة والإعلان الإذاعي والصحفي عنها جعل المتآمرين يبذلون جهوداً كبيرة لتهريب القتلة لئلا تنكشف الحقيقة.
وأخيراً تمكن القتلة من الفرار ولكن لم يفروا وحدهم كانت المسألة كبيرة والتدبير كبير وجاء في نقل الخبر أن الفارين فتحوا فتحة في جدار السجن. صحيح أن فتحة قد فتحت ولكن الفارين خرجوا من الباب كانت الأطراف المتعاونة معهم كثيرة والمال المبذول لإخراجهم كبير والوقت بين وصولهم إلى (مهلهل) وفرارهم منه ليس طويلاً. ولم يهرب القتلة وحدهم وإنما العساكر أيضاً لم يبق من نحو عشرين إلا ثلاثة وسجناء آخرين في قضايا أخرى (67).
وقد جاءت صيغة (القرار) بتشكيل اللجنة (المحكمة) على نحو غريب لا مثيل له في تاريخ القانون وهو عبارة عن (رسالة) موجهة إلى الأعضاء على النحو التالي:
السيد / عبدالسلام صبرة - رئيساً
السيد / علي محمد نسر الآنسي - عضواً
الشيخ / أحمد ناصر الذهب
الشيخ / محمد يحيى منصر
الشيخ / منصور شايف العريقي
الشيخ / علي وقار
المقدم / عبدالله ناجي دارس
المقدم / محسن العلفي
السيد / عبدالملك محمد الطيب
السيد / الأخ عبدالسلام صبرة والإخوان الكرام المبينة أسماؤهم أعلاه قد رأينا تكليفكم لمحاكمة قتلة فقيد اليمن الأخ العزيز (محمد محمود الزبيري) بحضور المدعي عن ورثة القتيل وهم زوجته السيدة (عزيزة) وولدها منه القاصر (عمران محمد الزبيري) والمدعي هو المنصوب عن القاصر ووكيل الزوجة الأستاذ (يحيى الزبيري) فليكن طلب القتلة وإجراء المحاكمة في أقرب فرصة ممكنة وتقرير اللازم الشرعي. وشكراً (68).
التوقيع التوقيع
عضو المجلس الجمهوري رئيس مجلس الوزراء
عبدالرحمن الإرياني أحمد محمد نعمان
ملحوظة: لم يوقع (القرار) رئيس المجلس الجمهوري.
هروب المجرمين
عن هروب قاتلي (الزبيري) من حبس (مهلهل) في (خمر) التي يسيطر عليها (آل الأحمر) وردت البرقية التالية (69):
البلاغ الأول :
خمر: 150 / 2 - 15 / 5 / 65
مستعجل جداً
سيادة / وزير الداخلية حفظه الله
ليلة السبت الماضية كان فرار جميع المحابيس من (مهلهل) لم يبق إلا أربعة محابيس لا غير فَلَسُو النوبة الغربية من (المستراح) وفروا والمرتَّب لم يبق منهم إلا القليل وللمعلومية لزم الرفع إليكم.
عامل خمر
محمد شرف الدين
الدم المهدور
يؤكد القاضي (الإرياني) في مذكراته أن الشيخ (عبدالله) كان يبدي من المشاعر نحو الشهيد (الزبيري) ما يعرب عن مدى تقديره بل تقديسه له، ويضيف (الإرياني) كلاماً خطيراً هو كالتالي:
ولكن القلوب تتقلب وعلاقته مع قبيلة (ذي حسين) بل قبيلة (دِهْم) كلها كانت في نظر القبائل التي سهلت سبيل فرار المجرمين (حاشد) أهم من تحقيق العدالة والأخذ بثأر شهيد اليمن وأبي الأحرار (محمد محمود الزبيري) (70).
وهذا اتهام صريح لقبيلة (حاشد) وزعيمها الشيخ (عبدالله الأحمر) بأنهم (سهلوا) فرار المجرمين الذين قَتَلوا (الزبيري)، ويعزو (الإرياني) ذلك إلى العلاقة التي أقامها (الزبيري) مع قبائل (ذي حسين) و (دهم) وهما من القبيلة الأم (بكيل) التي كانت وما تزال تتنافس مع القبيلة الكبرى (حاشد) وذلك في مضمار السباق على السلطة والمال في اليمن.
ويؤكد (الإرياني) أن اغتيال (الزبيري) كان بسبب خروجه على السلطة الحاكمة في (صنعاء) وتكوينه (حزب الله)، ودعوته إلى عقد مؤتمر التصحيح وتحقيق السلام.
ثم يضيف (الإرياني):
كانت الشائعات ضده في صنعاء وتعز من قبل المخابرات قد أغرقت في الإسفاف إلى حد اتهامه بالانحراف عن الجمهورية.
وأنه والحال كذلك فلا يصح (أن نتهم الملكية باغتياله)؟! (71).
الضمانات القبلية :
يسخر (الإرياني) من الضمانات (القاعدة) التي أعطتها قبائل (دهم) ل (الزبيري) وأصحابه لحمايتهم، وعلى الرغم من ذلك جرى اغتيال (الزبيري) ولم يتم الاقتصاص من قتلته حتى الآن.
كانت قبائل (دهم) قد وقعت على قاعدة تهجير لنا ولمن يعمل معنا، وكانت قد شعرت أنا نحارب في جبهتين ونقارع قوتين، وقد يكون من الطريف أن نسجل القاعدة هنا.
نحن رجال (ذو غيلان) و (آل سالم) و (المرانات) نقول ونشهد الله على أنفسنا وملائكته وكل منا شاهد على الآخر بأن هذا عهدنا العهيد وميثاق الله الشديد وعهد القبيلة والشرف بيد إخواننا وقادتنا وهجرتنا القاضي العلامة (عبدالرحمن بن يحيى الإرياني) والأستاذين الكبيرين (أحمد محمد نعمان) والقاضي (محمد محمود الزبيري) والقاضي العلامة (محمد السياغي) والقاضي العلامة (عبدالكريم العنسي) والأستاذ (محمد عبدالله الفسيل) والأستاذ (عبدالملك الطيب) والأستاذ (عبدالمجيد الزنداني) والسيد (حسين المقدمي) والسيد (أحمد حسين المروني) والأستاذ (محسن السري) والأستاذ (أحمد عبده سعيد) والقاضي (عبدالسلام صبرة) بأنهم منا وإلينا لهم ما لنا وعليهم ما علينا ما أصابهم أصابنا ومن اعتدى عليهم فقد اعتدى علينا نحميهم بأموالنا وأرواحنا هم وذويهم. وهذه وجيهنا لهم بالوفاء والله الشاهد والرقيب وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ودخلت الوِجِيه (وجوه مشايخ القبائل) الآتية بتاريخه 27 القعدة 1384ه الموافق 30 / 3 / 1965م، وقد وقع على هذه القاعدة حوالي (خمسة وأربعين شيخاً) عنهم وعن قبائلهم (72).
ولم يورد (الإرياني) أسماء المشايخ الذين وقعوا على الضمانة القبلية المذكورة.
ويورد (الإرياني) في مذكراته ما هو منسوب إلى سمعة قبائل (برط) مؤكداً اشتهارها ب (الغدر) تاريخياً وهذه من أسوأ الصفات الخيانية التي يمكن أن تلحق سمعة قبيلة ما عبر التاريخ:
وفي يوم 2 / 4 / 1965م جاءت الطائرة وعليها رئيس الوزراء (العمري) واستقبلناها مع الجثمان إلى (صنعاء)، وقال لنا اللواء (العمري) ألم أقل لكم وأنصحكم بعدم السفر وأطلب منكم أن تنصحوا القاضي (محمد) بالعودة إلى (صنعاء) أو الانتقال إلى (خمر) على الأقل فقبائل (برط) مشهورة بالغدر تاريخياً (73).
على أن أكثر المثقفين صراحة فيما يخص اغتيال (الزبيري) كان هو الدكتور (الشهاري) الذي كان في الوقت ذاته من القوى المتحالفة مع (السلال) و (المصريين) كتب (الشهاري):
وباغتيال (الزبيري) في أول إبريل 1965م أثناء عودته و(الإرياني) و (النعمان) من (برط) على يد الملكيين - كما قيل - واتهام القيادة العربية في (صنعاء) بأنها والمتحالفين معها وراء ذلك زاد الموقف حراجة ودقة.
كان (السلال) في (القاهرة)، وعاد إلى (صنعاء) في 6 / 4 / 1965م.
وفي شجاعة نادرة وبصراحته المعتادة يؤكد (د. الشهاري):
هناك ما يشير إلى أن القيادة العربية وحلفاءها كانت وراء مصرعه (74).
مؤتمر الثأر في (ذمار)
بعد أسبوع من اغتيال (الزبيري) (6 ذي الحجة 1384ه / 18 أبريل 1965م) تم اجتماع سائر (مشايخ اليمن في مؤتمر كبير بمدينة ذمار وأصدروا عدداً من القرارات) منها ما يلي:
ثالثاً : الإصرار التام على الأخذ بثأر الشهيد (الزبيري) (أب الأحرار ورائد الثورة) من أي جهة يثبت التحقيق أنها المدبرة والمسئولة عن جريمة الاغتيال (75)، و (كشف الستار عن المؤامرة القذرة ومدبريها).
وقد عهد المؤتمرون إلى الشيخ (عبدالله الأحمر) الاحتفاظ بالقَتَلَة وعدم السماح لأحد أو لأي جهة الاتصال بهم حتى يتم التحقيق، ولم يتحقق شيء من قرارات المؤتمر فلم يتم الاحتفاظ بالقتلة ولا التحقيق في الجريمة ولا تمت مساءلة قاتل (الزبيري) وشريكه ولا القبض عليهما بعد تسهيل هروبهما رغم أنهما معروفان للجميع برسمهما واسمهما.
ثمرة الاغتيال
أثمر اغتيال (الزبيري) وصول زملائه من أعضاء (حزب الله) وأعوانه وفي مقدمتهم القاضي (عبدالرحمن الإرياني) والأستاذ (أحمد محمد نعمان) إلى قمة الحكم بعد تحقيق الخطوات المؤدية لذلك.
فقد أتت إلى قمة الحكم بشركاء (الزبيري) في الاستقالة الجماعية في ديسمبر 1964م وباتجاهات تقترب كثيراً إن لم تكن تتطابق مع ما طالبوا به ومع ما كان (الزبيري) يعمل له في (حزب الله) بعد ذلك، ففي 27 أبريل قدم (العمري) استقالة وزارته وأذاع راديو (صنعاء) أن (السلال) بدأ في إجراء مشاورات للعمل على توسيع قاعدة الحكم، وفي اليوم التالي بدأ الحديث عن عقد مؤتمر من رؤساء القبائل اليمنية وهو ما كان (الزبيري) يعمل له قبل اغتياله (76).
ولا يحتاج الباحث أن يبذل جهداً في تحقيق الروايات القائلة بتوجيه إنذار من أقوى قبائل اليمن (حاشد) وغيرها إلى (السلال) بالزحف على (صنعاء) ما لم يكلف (أحمد محمد نعمان) بتشكيل الوزارة. ذلك أن المهم بهذا الصدد أن المناخ السياسي السائد قد دفع (السلال) إلى ذلك فعلاً، ويقول (النعمان) عن ظروف توليه رئاسة الوزراء أن الجو في اليمن كلها كان مشحوناً بالسخط والغضب بسبب اغتيال (الزبيري)، وأن بعض الساخطين قد حاول أن يلصق بالمصريين واليمنيين المتضامنين معهم تهمة الاغتيال ولكنه قام بمبادرة سريعة ينفي بها هذه التهمة ويحاول تهدئة المناضلين وقَبِل (تحت إلحاح مشايخ القبائل والعلماء والمثقفين تشكيل الوزارة) (77).
الهوامش
(1) عمر الجاوي، مجلة الثقافة الجديدة، عدن، أكتوبر 1970م، ص (91 - 111).
(2) د. محمد علي الشهاري، (الثورة في الجنوب والانتكاسة في الشمال)، ص (103).
(3) (الزبيري شاعراً ومناضلاً)، مجموعة من الكتاب اليمنيين، 1977م، بدون مكان الطبع، ص (91).
(4) عبدالملك الطيب، (التاريخ يتكلم)، الطبعة الأولى، 1412ه - 1991م، ص (15 - 16).
(5) (مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر)، (قضايا ومواقف)، دار الآفاق للطباعة والنشر، 2007م، ص (98).
(6) عبدالملك الطيب، م. س.، ص (225).
(7) د. محمد علي الشهاري، (الثورة في الجنوب والانتكاسة في الشمال)، ص (103).
(8) (الزبيري شاعراً ومناضلاً)، مجموعة من الكتاب اليمنيين، م. س.
(9) نستخدم كلمة (قاضي) هنا ليس كوظيفة وإنما لقب لفئة معينة من الناس في اليمن تسمى (القضاة) كناية عن مرتبة اجتماعية معينة.
(10) (الرمال المتحركة - البريطانيون في الجنوب العربي)، تأليف: ديفيد ليدجر، ترجمة: د. منال حلبوب، 2012م، (بدون ذكر دار الطباعة)، ص (107).
(11) (التطور السياسي للجمهورية العربية اليمني 1962 - 1985م)، تأليف: جولوفكايا إيلينا. ك.، نقله إلى اللغة العربية: محمد علي عبدالله البحر)، 1994م، إعداد وتوثيق: مركز الدراسات والبحوث، صنعاء.
وكان (الزبيري) هو أحد مفكري (الإخوان المسلمين) في اليمن ورفيقه (عبدالمجيد الزنداني) وصاحبه (عبدالملك الطيب) وهم الذين قصدت المؤرخة بعبارة (الإخوان المسلمين).
(12) فريد هاليداي، (الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية)، تعريب وتقديم: د. محمد الرميحي، الطبعة الأولى، 2008م، دار الساقي، ص (169).
(13) عبدالملك الطيب، م. س.، ص (174).
(14) البعض ك(البردوني) يرى أن القصيدة منسوبة إلى (الزبيري) وليست من شعره.
(15) لا زال هذا القانون سارياً في اليمن وقد ضمن المشرع اليمني تلك الجرائم والعقوبات في قانون العقوبات النافذ رقم (12) لعام 1994م.
راجع في نقد القانون المذكور كتابنا: (ملاحظات على مشروع التعديلات التي تضمنها التقرير المقدم من: لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية بمجلس النواب حول قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م)، 2009م.
(16) د. أبو بكر السقاف، (الثأر الأحمر وحقيقة الثورة الشعبية)، صحيفة (الثوري) اليمنية، العدد (1918) تاريخ 29 / 6 / 2006م. وقد أكد ما يلي: إذا وضعنا جانباً البذاءات التي وردت في صحف المؤتمر، فإن ما قالته عن سلطنة (آل الأحمر) صحيح. كما أن ما قاله (الأحمر) الأب عن الريع النفطي الذي يغضب الرئيس (علي عبدالله صالح) من أي حديث عنه وفيه صحيح، إن (حوار) صِدَام المصالح مكن كل طرف من اتهام صاحبه بكلمة حق أريد بها باطل، والدفع الأول والأخير هو للنظام الذي صنعاه معاً، وزاد الأمر تعقيداً صراع الأبناء ومركزية التوريث.
(17) وردت الرسالة في كتاب: عبدالملك الطيب، م. س.، ص (154).
(18) مما هو جدير بالملاحظة هنا أن كتبة الثورة والجمهورية دأبوا على مهاجمة النظام الملكي في اليمن لأنه كان يحرض القبائل ضد بعضها البعض ويشعل نار القتال بينها؟!
(19) تحول الوضع الآن إلى التذلل للمسئولين الخليجيين وفي مقدمتهم السعوديون؟!
(20) صار التوريث إلى (آل صالح) و (آل الأحمر) والآن (آل منصور).
(21) المقصود ب (البئر) حفرة عميقة كانت تُرمى فيها جثث الضحايا الذين يقتلهم بعض الضباط ومشايخ القبائل دون ذنب أو محاكمة، ومن أشهر القتلة آنذاك العقيد في الجيش (هادي عيسى) والعقيد في الأمن (عبدالقادر الخطري).
(22) عبدالملك الطيب، (التاريخ يتكلم)، الطبعة الأولى، 1412ه - 1991م، ص (155 - 158). (وما أشبه الليلة بالبارحة)؟! إنها طبيعة النظام الحاكم (القبلي - العسكري) ومخرجاته حتى الآن وستظل قائمة ما دام لم يسقط. ومن هنا يتخذ شعار (إسقاط النظام) مدلوله العميق.
(23) د. أبو بكر السقاف في: (الزبيري شاعراً ومناضلاً)، مجموعة من الكتاب اليمنيين، 1977م، بدون مكان الطبع، ص (24 - 25).
(24) الطيب، م. س.، ص (243 - 245).
(25) (مذكرات القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني)، م. س.
(26) أحمد السياغي، وهو أحد عناصر فئة (القضاة) في اليمن. وكان ملكياً ثم صار جمهورياً ثم تحول ملكياً وبقى على ذلك الحال حتى اغتيال الحكم العسكري القبلي له.
(27) محمد علي الأسودي، (حركة الأحرار اليمنيين والبحث عن الحقيقة)، (بدون تاريخ أو مكان دار النشر والطباعة)، ص (280).
(28) م. س.، ص (281).
(29) الأسودي، م. س.، ص (279).
(30) الأسودي، م. س.، ص (280).
(31) د. أحمد يوسف أحمد، (الدور المصري في اليمن)، «رسالة دكتوراه»، جامعة القاهرة، 1978م، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ص (290).
والمعلوم بالضرورة هو أن رسالة الدكتوراه تعتبر مرجعاً علمياً معتمداً بما ورد فيها.
والمؤلف هو أحد كبار المثقفين العرب ويشغل، حين كتابة هذا البحث، (مدير معهد البحوث والدراسات العربية)، وهو المؤسسة الأكاديمية الشهيرة ومركزه الرئيسي القاهرة، ومنه تخرج، وما زال، عدد من حملة الدكتوراه اليمنيين.
(32) عبدالملك الطيب، م. س.، ص (201 - 202).
(33) عبدالملك الطيب، م. س.، ص (202).
(34) م. س.، ص (205).
(35) المقصود بذلك: حي المرحوم (أحمد عبده سعيد) أحد الوزراء في عدد من حكومات الجمهورية العربية اليمنية المتعاقبة، وكان مشهوراً بتعصبه المذهبي والطائفي والمناطقي.
(36) صحيفة (المصدر) «يمنية»، العدد (58) وتاريخ 20 يناير 2009م، (مقتطفات من ترجمة الوثائق السرية للمخابرات الأمريكية، ترجمة: الأستاذ منير الماوري، (المكان: السفارة الأمريكية - تعز)، الزمن: الخامسة مساءً يوم 6 نوفمبر 1965م.
(37) جزء من وثائق (اليسار اليمني)، الذي وجدنا جزءاً من أرشيفه في مكتبة المثقف الوطني الثوري الفقيد (جبر بن جبر حسن)، وكان رحمه الله قد أوصاني، قبل موته، بعدم نشر أية وثائق سلمني إياها من أرشيفه إلا بعد موته، باستثناء بعضها كالرسائل المتبادلة بينه وبين الإخوة (باذيب) (عبدالله وعلي وأبو بكر) و (د. عبدالغني علي أحمد) و (صالح الدحان) و (عبدالله السلال) وابنه (علي السلال) و (عبدالله جزيلان) و (د. الشهاري) و (إبراهيم الحمدي) وآخرين، وقد أتممت دراسة وأرشفة وصياغة تلك الوثائق وسأقوم بنشرها تباعاً.
(38) (مذكرات القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني)، الجزء الثاني، 1962 - 1967م، الطبعة الأولى، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2013م.
(39) أورد (الطيب) في كتابه اسم القاتل (حسين) كما ورد في تقرير (الفسيل) والذي أضاف اسماً ثالثاً إلى القاتلين لم يرد في كتاب (الإرياني) وهو (علي الشتوي)، ويضيف (الفسيل) في تقريره: ((ناجي بن ناجي الشايف الكبير عميل ودرهم الفلاحي يتصل به)).
(40) الطيب، م. س.، ص (228).
(41) م. س.، ص (307).
(42) مذكرات القاضي (الإرياني)، م. س.، ص (687).
(43) (الموسوعة اليمنية)، 2 (ث - ز)، مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء، ص (1462).
(44) محسن العيني، (خمسون عاماً في الرمال المتحركة - قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن)، دار النهار، بيروت، 1999م، ص (72).
(45) (مذكرات القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني)، م. س.، ص (307).
(46) اللواء محمد عبدالله الإرياني، (أحداث من الذاكرة)، الطبعة الثانية، 1434ه / 2013م، ص (58).
(47) (الرمال المتحركة - البريطانيون في الجنوب العربي)، م. س.، ص (107).
(48) عبدالله الراعي يحكي: (قصة ثورة وثوار)، «حقائق ووثائق عن ثورة سبتمبر 1962م»، صادق ناشر، الطبعة الأولى، 2009م، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، ص (253).
(49) (مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر)، م. س.، ص (100).
(50) الطيب، م. س.، ص (225 - 228).
(51) م. س.، ص (228).
(52) م. س.، ص (20).
(53) الطيب، م. س.، ص (217 - 218).
وواضح من عبارة (قتلوا المقتول ومشوا في جنازته)، وكافة العبارات الأخرى الواردة في المنشور أنه يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، اتجاه (الطيب) إلى التأكيد بأن سلطة الحكم في (صنعاء) وعلى رأسها (القيادة العربية) هم الذين اغتالوا (الزبيري) بواسطة بعض المرتزقة من القبائل.
(54) عبدالله الراعي يحكي: (قصة ثورة وثوار)، م. س.، ص (252).
(55) عبدالله الراعي يحكي: (قصة ثورة وثوار)، م. س.، ص (253).
(56) وتأتي أهمية وخطورة هذه الشهادة أنها صادرة من أحد (الضباط الأحرار) وفي الوقت ذاته أنه كان عضو (لجنة التحقيق) في اغتيال (الزبيري)، وقد أكد (الراعي) نفسه أن حقيقة اغتيال (الزبيري) وهروب القتلة لا يفهمها إلا أعضاء (لجنة التحقيق) وأورد اسمه ضمن اللجنة المذكورة التي لم تخط حرفاً في التحقيق وإن حدث ذلك فإنه لا يوجد ما يثبته.
(57) يلاحظ هنا أنه لم يتم استخدام الذَّهب لرشوة الحراس كما زعم القائلون بأن الملكيين هم من حرض على اغتيال (الزبيري) ودفع مقابل ذلك لمنفذي الاغتيال.
وفي مذكرات القاضي (عبدالرحمن الإرياني) يستخدم عبارة ((حتى جاءت الأخبار بأنهما فرا من السجن)) وأن القبيلة (الجمهورية) رفضت تسليم القاتلين للحكومة للمثول أمام القضاء، مما يؤكد عدم ميله إلى تصديق حكاية تحريض الملكيين على قتل (الزبيري) ودفع (ذهب) لمنفذي الاغتيال مقابل ذلك. ومما يؤكد هذا ما ورد في نفس المذكرات من أن (الزبيري) كان على اتصال بالملكيين لتحقيق التصالح بينهم وبين الجمهوريين، حتى أن القاضي (الإرياني) أورد في الكتاب الثاني من مذكراته وثيقة مهمة هي عبارة عن رسالة من الأمير (محمد بن الحسين) إلى (الزبيري) بتوقيع (ولدكم المملوك) (الصفحات (308 و309 و310)).
(58) (مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر)، م. س.، ص (106).
(59) لم يعد موجوداً من الأحياء في اللجنة المعطلة المسماة (لجنة التحقيق) سوى (محسن العيني) و (محسن العلفي) فهل يكشفان الحقيقة كما طلبها (الراعي)؟! وكما يجب عليهم أمام الله والتاريخ. والشعب اليمني الذي طال أمد تغييب عقله وتزييف وعيه؟!
(60) أحد السجون التابعة للشيخ (عبدالله بن حسين الأحمر) في منطقته (خمر).
(61) (مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر)، م. س.، ص (106).
(62) (مذكرات الإرياني)، م. س.، ص (308).
(63) اللواء محمد عبدالله الإرياني، (أحداث من الذاكرة)، الطبعة الثانية، 1434ه / 2013م، ص (58).
(64) (مذكرات القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني)، الجزء الثاني الثاني، 1962 - 1967م، م. س.، ص (309 - 310).
(65) م. س.، ص (471).
(66) اللواء محمد عبدالله الإرياني، (أحداث من الذاكرة)، م. س.، ص (57).
(67) الطيب، م. س.، ص (230) و (233).
(68) الملاحظ أن (التكليف) استخدم كلمة (فقيد) وليس (شهيد)، كما أنه لا يوجد (مدعي عام) وإنما أرملة الشهيد (الزبيري) وابنه القاصر آنذاك (عمران)، حيث نصت (رسالة) تشكيل (المحكمة) على تنصيب وكيل (الزوجة) الأرملة (يحيى الزبيري) (مدعياً) أمام (المحكمة)؟!
وتتضح ركاكة الرسالة المذكورة تحت توقيع (الإرياني) و (نعمان) في عدم التفريق بين (الزوجة) و (الأرملة)، فالمعلوم أن الزوجة تصير بعد قتل زوجها (أرملة)، لأن الزواج ينتهي بالموت.
(69) عبدالملك الطيب، م. س.، ص (234).
(70) (مذكرات الإرياني)، م. س.، ص (309).
(71) م. س.، ص (471).
(72) م. س.، ص (305 - 306).
(73) م. س.، ص (306).
(74) الجدير بالملاحظة أن شهادة حي الفقيد (د. الشهاري) بجانب ملاحظات وآراء أخرى صريحة له قد أغضبت المصريين و (السلال) فتم طرده من مصر وكان لاجئاً سياسياً فيها، كذلك كتب (السلال) بواسطة ابنه (علي) رسالة إلى المناضل (جبر بن جبر) ضمنها عداوة صريحة ل (الشهاري) معيراً إياه بأصله (الهاشمي)؟! (الرسالة من أرشيف (جبر بن جبر حسن) ومحفوظة لدى الباحث).
راجع أيضاً: د. محمد علي الشهاري، (مجرى الصراع بين القوى الثورية والقوى اليمنية منذ قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م حتى قيام حركة 13 يونيو 1974م)، ص (116).
(75) الطيب، م. س.، كذا: (الإرياني)، م. س.، ص (310 - 311).
(76) د. أحمد يوسف أحمد، (الدور المصري في اليمن)، م. س.، ص (290).
(77) انظر: نص أجوبة الأستاذ (أحمد نعمان) على أسئلة وجهها إليه الباحث المصري (أحمد يوسف أحمد) ضمن متطلبات رسالة الدكتوراه التي قام بإعدادها بعنوان: (الدور المصري في اليمن)، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، عام 1978م، ص (3)، وانظر: مصدر قصة إنذار القبائل ل (السلال): O. Balance, op. cit., p. 143
كذا: د. أحمد يوسف أحمد، (الدور المصري في اليمن)، م. س.، ص (290).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.