عبدالقوي السباعي: اليوم، لم تعد الأقنعة السياسية والدبلوماسية قادرة على مواراة الخبث الاستعماري الذي يعصف بالمنطقة؛ حيث انتقلت المخططات الصهيو-أمريكية من غرف العمليات السوداء إلى المنابر العلنية، كاشفةً عن أنياب مشروع "الاستباحة الشاملة" الذي لا يقف عند حدود الجغرافيا، وإنّما يمتد لضرب العقيدة والتاريخ والهوية. ما نشهده اليوم، بدءًا من تصريحات السفير الأمريكي لدى كيان العدو الصهيوني "مايك هاكابي"، وصولاً إلى اعترافات المجرم "بتسلئيل سموتريتش"، وعودة نشر كتاب "العودة إلى مكة" للصهيوني "آفي ليبكن"، وانتهاءً بمجلس ترامب، هي إعلانات متتابعة وصريحة عن تدشين ما يسمى "الشرق الأوسط الجديد" و(إسرائيل الكبرى)، على أنقاض الأرض والسيادة والحقوق العربية، وبدماء الأبرياء في غزة والضفة ولبنان وسوريا. لقد فجر السفير الأمريكي "هاكابي" قنبلة سياسية من العيار الثقيل حين زعم أنّ الكيان المؤقت يملك "حقًا دينيًّا" بالسيطرة على معظم أراضي "الشرق الأوسط"، بل وذهب إلى أبعد من ذلك بمباركة استيلائهم على "كل شيء"، وهذه التصريحات ليست هلوسات فردية، وإنّما المخطط الفعلي لإدارة ترامب في ولايته الثانية، التي تتبنى شعار "السلام من خلال القوة"؛ وهو مصطلح مخفف لعملية "الضم القسري" وإعادة رسم الحدود بما يتجاوز اتفاقيات "سايكس بيكو" التاريخية، وتهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد يشرعن احتلال سيناء علنًا كما يجري الآن، وتحويل المنطقة إلى كانتونات تابعة للهيمنة الصهيونية المطلقة. هذا الطموح الإجرامي الصهيوني أخذ صداه في أدبياتهم الفكرية المتطرفة، كما ورد في كتاب "العودة إلى مكة" للصهيوني "آفي ليبكن"، قبل سنوات، والذي كشف وجه المؤامرة الحقيقي بتأكيده أنّ "العالم لن ينعم بالسلام إلا إذا رُفع العلم الإسرائيلي فوق مكة والمدينة وأُلغي الحج"، حد زعمه. نحن هُنا لا نتحدث عن صراع حدود أو ننبش في تفاصيل وهمية أو نستدعي نظرية المؤامرة، وإنّما عن واقع صراعٍ وجودي يستهدف الأمة وكل المقدسات الإسلامية، ويسعى لتحقيق حلم "الدولة اليهودية" المتمثل ب (إسرائيل الكبرى)، التي لا تعترف بحدود دولية أو مواثيق أممية، وإنّما تعترف فقط بحدود التوسع بالدم والنار. وعلى الأرض، تترجم هذه التصريحات إلى سياسات تطهير عرقي ممنهجة؛ حيث أقر وزير مالية العدو الصهيوني "سموتريتش" علانية بأنّ مخطط احتلال قطاع غزة وتهجير سكانه هو "مشروع قديم" يسبق أحداث 7 أكتوبر 2023م بمراحل. السياسة الصهيونية الحالية، المدعومة بالدعم الغربي والضوء الأخضر الأمريكي، تعمل وفق استراتيجية "الثورة الديمغرافية" لتجريد الفلسطينيين من حقوقهم في كافة الأراضي المحتلة، من النقب إلى الجليل، وتكريس نظام "أبرتهايد" يقوم على التفوق اليهودي المطلق. وما تصريحات "سموتريتش" حول تشجيع الهجرة القسرية من الضفة الغربية، وإلغاء اتفاقيات "أوسلو"، والسماح للمستوطنين الصهاينة بشراء الأراضي مباشرة، إلا المسمار الأخير في نعش وهم وسراب ما يسمى "حل الدولتين". وفي خطوةٍ مريبة تعكس تحويل السياسة الخارجية الأمريكية إلى إقطاعية خاصة، أعلنت واشنطن عن تحويل مبلغ فلكي قدره 17 مليار دولار إلى ما يسمى "مجلس السلام" الذي شكله ترامب، وهذا المجلس، الذي يفتقر إلى أيّ أساس قانوني دولي ويتجاهل هياكل الأممالمتحدة، يطرح وعودًا خيالية بإعادة إعمار رفح وتحويل غزة إلى "جيب مُدار إلكترونيًّا" من ناطحات سحاب ومنتجعات. لكنها في الحقيقة سجون ذكية، تهدف لتهميش الصوت الفلسطيني وتحويل غزة من وطن لأهلها إلى غنيمة للقوى الخارجية، والمفارقة الصارخة تكمن في أن واشنطن تضخ هذه المليارات في مبادرة خاصة؛ بينما ترفض سداد متأخراتها للأمم المتحدة التي لم تتسلم سوى 160 مليون دولار من أصل 4 مليارات مستحقة. وبينما يتواصل العدوان الصهيوني على غزة، حاصدًا أرواح أكثر من ربع مليون ما بين شهيدٍ وجريح ومفقود، وتستمر سياسة التجويع والحصار، تطل نذر الحرب الإقليمية الكبرى من خلال التهديد الأمريكي بضرب إيران، في إطار سياسة "حافة الهاوية" التي تنتهجها واشنطن والكيان وتضع المنطقة برمتها على فوهة بركان؛ فالسلام لا يمكن أن يُبنى على سياسات إعادة الهندسة من الخارج، أو على حساب السيادة الفلسطينية والكرامة العربية. الحراك الصهيوني المنظم في الإقليم والغرب يقابله ركود عربي مخزٍ، يكتفي ببيانات الإدانة الورقية؛ بينما المعركة الحقيقية قد انتقلت إلى جبهة الوعي والوجود، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن وبقوة: هل سيبقى العرب مجرد مراقبين لخرائطهم وهي تُمزق، ومقدساتهم وهي تُستباح؟ غزة اليوم ليست سوى البداية، والمخطط الصهيوني المعلن لن يتوقف عند حدود النهر أو البحر، وإنّما سيمتد ليصل إلى قلب الحجاز وسيناء وعمق العواصم العربية، لأنّ أيّ سلام يُبنى على أنقاض ثوابت الأمة وبتمويل خاص خارج الأطر الأممية هو وصفة للانفجار الشامل، وغزة اليوم، بكل آلامها، تضع العالم أمام الحقيقة؛ إمّا عدالة دولية حقيقية، أو فوضى عارمة ستحرق الجميع في "شرق أوسط" لن يكون فيه مكان إلا للأقوى المتمسك بعقيدته وهويته.