ناطق الإصلاح: علاقة اليمن والمملكة راسخة قررتها الجغرافيا ورسخها التاريخ    مطار صنعاء والقطاع الملاحي الغربي: فرصة استراتيجية لإعادة توازن الملاحة الجوية في الشرق الأوسط Sanaa Airport and the Western Air Corridor: A Strategic Opportunity to Restore Balance in Middle East Aviation    إيران تنفذ الموجة ال 84 ضد أهداف أمريكية بالسعودية    ذمار تعلن جاهزية 364 مركزا اختباريا لاستقبال 42 ألف طالب وطالبة    شرطة تعز تعلن ضبط 5 مشتبه بهم في قضية مقتل الصحفي صامد القاضي وتؤكد استمرار إجراءاتها    العد التنازلي لزوال اسرائيل: بين النبوءآت والواقع    مسيرات مليونية في عموم المحافظات إحياء ليوم الصمود الوطني    تعز.. سيول جارفة تغرق مدينة سكنية وقرى في مديرية المخا    سعي حثيث لتفكيك القوات الجنوبية وتمكين عصابات الإخوان الإرهابية    توسيع صلاحيات الVAR.. مونديال 2026 ينهي عصر "تضييع الوقت"    تعز.. انتشال أربع جثث إثر سيول جارفة على منطقة النجيبة في ريف المخا    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    إصلاح حجة ينعى الداعية والتربوي عبد الله بن علي راجح ويعد رحيله خسارة وطنية كبيرة    مدن أميركية تستعد لتظاهرات واسعة ضد سياسات ترامب    ميدان التحرير يتحول إلى بركة مياه ودعوات لتدخل الجهات المختصة بعد توغل المياه إلى المحلات التجارية    كهرباء لحج تخرج نهائياً عن الخدمة بعد أيام من تصاعد ساعات الانطفاء    صحيفة: دولة خليجية تبلغ واشنطن استعدادها للمشاركة في قوة مهام بحرية لفتح مضيق هرمز    الحالمي: تناقض دعاة "الحوار الجنوبي" يكشف استهدافًا ممنهجًا للمشروع الوطني الجنوبي    بين لعبة "بوبجي" والدوافع الغامضة.. العثور على طفل مشنوق في مدينة تعز    صعود جماعي للمعادن النفيسة.. والذهب يتجاوز 4428 دولاراً للأوقية    الارصاد يرفع التحذير إلى إنذار.. تعمق أخدود المنخفض الجوي وتوقعات بأمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة    فرنسا تتفوق على البرازيل في ليلة اصابة رافيينا وديمبلي    العراق يواجه بوليفيا في ملحق مونديال 2026    لماذا لا يمكن أن تكون السلفية بديلاً كاملاً للإخوان في اليمن؟    الإصلاح في قفص الاتهام: اغتيال صحفي في تعز يكشف رعاية الإخوان للفوضى الأمنية    نبلاء حضرموت.. إطلالة متميزة تجمع ممثل الرئيس الزُبيدي والكاتب "هاني مسهور"    الحديدة.. البحر يقبض أرواح شبان في إجازة عيد الفطر وخفر السواحل تنفذ أخرين    ارتفاع اسعار الاسمدة 40% يهدد قطاع الزراعة في امريكا    محافظ شبوة: اليوم الوطني للصمود ملحمة وطنية صاغتها تضحيات الشعب اليمني    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    تقرير : "الجنوب تحت النار".. تصاعد الانتهاكات يعمّق أزمة اليمن    منتخب الناشئين يستأنف معسكره الداخلي استعداداً لنهائيات آسيا    المباني القديمة في عدن تشكل خطراً على السكان.. انهيار شرفات عمارة في المعلا    شبكات تهريب تابعة ل "الإخوان" تغذي مناطق الحوثيين بالغاز    حرب إيران تهدد آمال ستارمر.. أسعار النفط والغاز تعصف باقتصاد بريطانيا    مَرافِئُ الصَّبْرِ وَفَجْرُ اليَقِينِ    سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية    وفاة شابين غرقاً أثناء السباحة في شاطئ الكتيب    مواطنون يرفضون إنشاء مشروع "للزيوت المستعملة" لقيادي حوثي في إب    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    فقيد الوطن و الساحه الفنية .. الشاعر حمود صالح نعمان    200 ألف دولار رشوة للتراخيص.. اتهامات مباشرة لمدير شركة الغاز محسن بن وهيط    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    في مدينة إب ..!    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    النقوب خارج الخدمة.. بمديرية عسيلان تعيش في الظلام وسط استمرار الكهرباء بمناطق مجاورة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    الدوري الاسباني: ليفانتي يفوز على اوفييدو    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    "إن متُّ فالعليمي مسؤول".. أحمد سيف حاشد يكتب وصيته من نيويورك ويهاجم السلطة    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المرضى الذين علموني خيبة أمل
نشر في الجمهورية يوم 03 - 07 - 2010

جاءت المريضة إلى عيادتي بمفردها، ولم يرافقها أحد من أقاربها أو أبنائها أو صديقاتها وهو أمر قليل الحدوث، لأنني في العادة أتضايق من كثرة المرافقين من الرجال والنساء والأطفال لمريض واحد أو مريضة واحدة، وكأن الجميع في نزهة إلى حديقة عامة وليس في زيارة إلى عيادة طبيب.بادرتني قبل جلوسها وبدون إلقاء التحية العادية، وبدون أن تمنحني الفرصة للترحيب بها، وكان صوتها عالياً وأقرب إلى الصياح منه إلى الحديث المعتاد:
أني قد لي سنين ما أروحش لدكاتره.. ولا أتعاين.. بس جيت لك اليوم بعد أن صممت عليَّ صديقة وقد لها أكثر من شهر تحاول تقنعني.. وقالت لي أنك عالجت أمها وتباخرت.. وأخيراً قلت باجي لك.. وأني مش مصدقة أنك تقدر تعمل لي حاجة.. بس قدأني باجربِّ.
استطعت مقاطعتها أخيراً:
طيب.. طيب.. بالراحة شوية.. أهدئي قليلاً.. قولي لي اسمك أولاً وهل أنت متزوجة وهل لديك أبناء؟
هذا كله ما فيش منه فايدة.. أني تعاينت عند كل الدكاترة في تعز وصنعاء.. وأصبحت مقتنعة أن كل الأطباء زي بعض.. وأصبحت معقدة منهم جميعا.. ولا حد منهم قدر حتى مرة واحدة يعطي لي حتى دواء مهدئ للوجع.
كنت قد قدرت أنها في حوالي الخامسة والثلاثين من العمر، طويلة الجسم ونحيفة وعظام وجنتيها بارزة مع أنف دقيق وجبهة ضيقة، مما يعطيك شعوراً بقسوتها وحدتها وعصبيتها الظاهرة التي تفوح منها وتسمم أجواء المكان.
أخذت أتساءل بيني وبين نفسي كيف يقدر المرضى القلقين أن يشحنوا الجو المحيط بالقلق والانفعال، وأن ذلك قد يصيبني بالنزق وسرعة الغضب ويؤدي إلى سوء التفاهم مع المريض، إذا لم أقم بالإجراءات الوقائية التي أتمكن بها من السيطرة على أعصابي وتمالك هدوء نفسي، وكيف يمكن كذلك للمرضى بالاكتئاب أن ينقلوا شعورهم إليك ويصيبونك بالكآبة والحزن والوجوم وهبوط المعنويات، هل الاكتئاب والقلق ينتشر عن طريق العدوى المباشرة؟! أو بنوع من الشحنة الكهرومغناطسية؟ أو بنوع من التفاعل الكيميائي عن بعد، أم ماذا؟.
أفقت من تساؤلاتي ورحت أعيد اهتمامي وتركيزي نحو مريضتي.. وعرفت منها بعد أن استطعت مقاطعتها أنها مقيمة في مدينة تعز مع زوجها وثلاثة من الأبناء، ولدين وبنت في السادسة من عمرها، وطلبت منها أن تحكي لي عن مرضها منذ بدايته، وأن تهدأ حتى تستطيع التركيز على القصة المرضية وتقدم لي المعلومات الضرورية.
شوف يا دكتور.. الوجع في بطني بدأ مباشرة بعد الولادة الأخيرة أني لا شفت في حياتي مثلها ولا سمعت.. يمكن السبب أني ولدت بنت في المرة الأخيرة، بينما لم أحس بمثل هذي الآلام عند ولادة عيالي الذكور قبل ذلك.
وصيحوا الجيران حقي لممرضة عجوز، جاءت وأني في حالة قريبة من الموت، وعملت لي إبرة، وزاد عندي الألم والطلق حتى خرجت الطفلة.. وبدل ما تهدأ الآلام بعد الولادة.. زادت حتى أصبحت أشد من الطلق حق الولادة.. أني أقول يمكن الإبرة اللي عملتها لي الممرضة لتسريع الولادة هي السبب.
طيب.. طيب.. وبعدين بعد الولادة وانتهائها وخلال هذي السنوات.. ما الذي يحدث لك بالضبط.
آلام في البطن كله.. آلام بشكل فظيع في كل مكان في البطن.. تبدأ من سُفال البطن وتطلع إلى رأس القلب والأشقاق والحقو، وبعدين تفتح لي في ظهري طاقة تخليني ما أقدرش أتحرك أي حركة.. آلام مستمرة يومياً.. ست سنين حتى اليوم.. ولا حصلت حتى يوم راحة.. من يقدر يتصور أن هذي حياتي وحالتي.. وأني كنت ما فيش أحسن مني..!!,
طيب قولي لي كيف الألم حقك.. هل هو مغص، عصرة أو وجع مستمر مثل الجرح، أو طعن أو نغزات أو لهيب أو أي حاجة ثاني!؟
لم أدر أن سؤالي الهادئ وما أبديته على ملامحي من تعاطف صادق واهتمام حقيقي بمشكلتها سوف يثير حنقها وغضبها، مما جعلها ترد عليَّ بصوت أكثر ارتفاعاً مما كان عليه سابقاً، وصارت كلماتها سريعة ومحملة بشحنات من التوتر العميق، وقالت:
ألم.. ألم. يا دكتور أيش أنت ما تعرفش الألم؟! آلام رهيبة زي ما قلت لك في كل مكان في البطن.. تشوفني كذه ذلحين.. لكن لو شفتني بعد ما يبدأ الألم خلاص ما عد بتعرفنيش.. آلام فظيعة تعمل لي دوخة ولا أقدر أرفع رأسي.. والطاقة اللي في الظهر تخليني لا قادرة أرفع إيد ولا رجل.. آلام فظيعة كل يوم.

أدركت أنني أمام حالة صعبة من حالات العداء للمهنة الطبية، وأن عليَّ أن استجمع كل ما في طاقتي وقدرتي على كبت المشاعر والانفعالات، وأن عليَّ مسايرتها وأن أركز حواسي على تجنب الألغام التي يمكن أن تنفجر بيننا في أي لحظة، وتنحرف بالعلاقة المهنية بيننا، ونصل إلى طريق مسدود.
وقد يعادي بعض المرضى أفراداً بعينهم من الأطباء، نتيجة لسوء تفاهم حدث بينهم، أو لإحساسهم بحدوث تقصير أو خطأ من الطبيب، أو بسبب ما يعتقدون فيه من الفظاظة والقسوة أو الطمع أو الغرور، وهذا أمر مفهوم ومقبول لأنه ضمن طبائع من الأشياء وما تشتمل عليه العلاقات بين البشر على اختلافهم.
أما العداء غير العقلاني وغير المبرر نحو جميع الأطباء والمهنة الطبية كلها، فأمر قليل الحدوث، ويشكل تحدياً للطبيب وامتحاناً لصبره وقدرته على الاحتمال، بسبب المشاعر السلبية الفوارة التي يحملها المريض، وشكوكه العميقة بكل الأطباء والإجراءات الطبية التي يعتبرها وسائل لابتزاز المرضى واستغلالهم، ويعلن سخطه طول الوقت وغضبه على جميع الأطباء باعتبارهم جميعاً أوغاداً أغبياء قساة القلوب.
وقد يبدأ هذا الموقف العدائي العدواني للمريض تجاه المهنة الطبية بعد وفاة قريب عزيز لديه لم يستطع الأطباء أن يفعلوا له شيئاً، أو بعد إصابته هو بمرض مزمن كالروماتيزم أو الربو أو الشلل، لكن الأغلبية من هؤلاء هم من المرضى المصابين بأنواع العصاب والأمراض الوظيفية أو الجسدية النفسية، والذين يترددون على الكثير من الأطباء والاختصاصيين، ويسمعون منهم آراء مختلفة ومتضاربة، وتشخيصات متغيرة وتفسيرات متباينة وغير مقنعة، وأدوية متنوعة لا تحقق لهم ما يرجونه من التحسن والشفاء، وبعضها تسبب لهم أعراضاً جانبية لا تطاق، ويزيد من تفاقم الأمور أن المريض عندئذ، تساوره الشكوك والظنون، ثم تترسخ لديه مواقف العداء غير العقلاني نحو الأطباء والمهنة الطبية، ويقاطعهم جميعاً معلناً سخطه وغضبه وكرهه لهم جميعاً.
وإذا أصيب مثل هذا المريض بمرض عضوي حاد فإن عداءه للمهنة الطبية يدفعه إلى التأخر في التوجه إلى الطبيب في الوقت المناسب، ويسبب له الكثير من الأضرار والمضاعفات الفادحة.

بدأت توجيه الأسئلة المعتادة إلى المريضة عما يصاحب الألم من أعراض أخرى مثل الطرش أو الإسهال أو الإمساك أو انتفاخ البطن أو حرقة في البول، أو تغييرات في البراز أو البول، وكانت تجيب بالنفي بحدة على كل سؤال حتى نفد صبرها، فقاطعتني قبل أن أكمل قائمة الاستجواب المعتادة للأعراض الأخرى، واندفعت تقول بحدة وعصبية:
قلت لك يا دكتور أني ولا عندي إلا ألم.. ألم شديد حول حياتي كلها إلى عذاب.. ولا عندي حاجة ثاني غيره.. وكل الأطباء اللي تعاينت عندهم.. ولفيت عليهم كلهم ثلاث سنين.. مش شهر ولا شهرين.. كلهم يسألوني هذي الأسئلة..
وأني أقول لهم ما عندي إلا هذا الألم فقط..ولا عندي أي شيء ثاني...ولكن مافيش أحد قدر يفهمني...ولا يفهم مرضي..ولا يجيب لي حاجة تريحني...أني الآن يائسة من كل حاجة..وتعقدت من كل الدكاترة...لأنهم ما يفهموش...ماقدروش يعرفوا مرضي..وكل واحد يكتب علاجات..وكلها بلا فائدة..
أدركت أنه لم يعد هناك جدوى من محاولة الحصول منها على قصة مرضية معقولة، أو الخروج بأية معلومة جديدة توجهني نحو التشخيص، فطلبت منها الانتقال إلى سرير المعاينة، وسارت إليه بخطوات متعجلة، وطلبت منها أن ترفع ملابسها حتى أتمكن من الكشف على بطنها، وفعلت ذلك بسرعة.
وشاهدت على بطنها ندبة عملية استئصال الزائدة الدودية، وندبة جراحية أخرى عظيمة تشمل ثلثي البطن على الجهة اليمنى بجوار الخط المنصف للبطن.
وأدهشني ذلك فقلت لها مستغرباً:
ها..أنا شايف أنك قد قمت بعمليتين جراحيتين، ولكنك لم تذكري لي عنهما شيئاً!
هذي ما لهاش علاقة بشيء...عملية الزائدة أجريت لي وأنا صغيرة..والثانية الكبيرة بعد ما اصبت برصاصة في البطن، أصابت الكبد والمرارة والأمعاء قبل عشر سنوات...ما لهاش علاقة بمرضي..لأني قد جلست سنين بعدها ولا عندي حاجة..المشكلة هي الألم وبس...يادكتور...زي ماقلت لك..
سألت بقليل من الفضول، ورغبة في تحويل الحديث إلى وجهة أخرى خارج نطاف مرضها، لعلي أنجح في إضفاء جو اجتماعي للحديث، يكون أساساً لنزع فتيل التوتر وشحنة الانفعال المشعة من كل جوانبها:
وكيف حدثت لك الإصابة بتلك الرصاصة؟
هذا شيء ثاني..مالوش علاقة..المهم هو أن تداوي الألم اللي عندي.
آه..فهمت..أنت ما تشتيش تتكلمي عن أي حاجة ثانية في حياتك!
لأ...أجابت بنبرة قاطعة وأعادتني إلى جوها المتوتر بعنف.
أكملت الفحص الحكمي العام ولم أجد أي علامات أخرى، وعدنا إلى مجلسينا السابقين، وقلت لها أنه لابد أن الأطباء السابقين قد أجروا لها الفحوصات والكشوفات، وأن المرضى عادة يحضرون معهم هذه الملفات والأوراق لكي أتمكن من مراجعتها قبل اتخاذ أي اجراءات جديدة،فقالت باستنكار شديد:
أيش عملوا لي فحوصات وكشوفات؟!!...عملوا لي فحوصات وكشوفات الدنيا كله!....عملوا لي كل حاجة...وكل ما رحت عند واحد يبدأ لي من جديد وهات يافحوصات وكشوفات وأجهزة وكل حاجة...وكل الفحوصات والكشوفات تطلع صافية ولا في بها حاجة..أقول لهم كيف تطلع صافي..وهذا الألم من فين بايجي لي لوكل حاجة تطلع صافي..وكل واحد يجيب لي كلام ولا تفهم منه حاجة..وبعدين لما تعقدت من الدكاترة...رميت كل حاجة وقطعت كل الأوراق والرشدات ولا خليت منهن حاجة..لأني خلاص تعقدت، وما عاد اشتيش أي حاجة تذكرني بالدكاترة والأدوية حقهم.
سألتها بلهجة محايدة:
وأيش اللي تشتينا نعمله لك اليوم؟
فانفجرت بغضب زائد، وهي تقول باستنكار شديد:
أني؟..أني!!...أني اللي أقول لك يا دكتور أيش نعمل ؟!..لو أني كنت أعرف أيش أعمل ما كنتش باجي لك..أنت الدكتور..ولا أني؟!!
طيب...طيب..حاضر..بس أنا أسألك لأني أشتي أعرف إذا كنا نقدر نعمل فحوصات جديدة وكشوفات أخرى، ونحاول أن نجد سبباً لهذا الألم!
لا..لا..لا..ما باعملش أي فحوصات ولا كشوفات..أني خلاص قلت لك قد عملوا لي كل حاجة..كل الكشوفات وكلها تطلع صافي..يقولوا لي ولا حاجة أقول لهم..طيب لو كان ما فيش شيء وكلها تطلع صافي ولا في بها حاجة..من فين بايجي لي هذا الألم؟..يعني أني أتخيل الوجع ولا أجيبه من نفسي...تقدر أنت تقول لي كيف؟...تقدر؟!!....
يمكن أقدر لو وافقت أننا نعيد اجراء الفحوصات وبعض الكشوفات، ويمكن تظهر حاجة ما ظهرتش من قبل، وعلى الأقل لازم نتأكد أنه ما فيش عندك حاجة خطيرة، ونطمئن على الأعضاء الأساسية مثل الكبد والمعدة والأمعاء والكلى والرحم..ونقدر بعد ذلك نقرر لك الدواء عندما تتوضح الأمور.
لا..لا..لا...أني ولا عاد باسوي أي فحص ولا أي كشف..أني زهقت خلاص ..خلاص أني ضبحانة من كل حاجة..حتى من بيتي وعيالي وزوجي..ولو ما كانت جارتي قد صممت عليّ في الحضور إليك لما جيت..أني خلاص قلت لك معقدة من كل حاجة..ومن كل الدكاترة.
طيب..حاضر..ومفهوم..أنت تشتي مني دواء مهدئ للألم فقط.
لا..وأشتي كما جنب العلاج أعرف أيش سبب ألمي..معقول يكون هذا الألم كله، ست سنين مستمر...وما لوش سبب..معقول..؟! معقول؟!!
طيب..بس قبل ما أقول لك رأيي وأكتب لك الدواء الفعال إن شاء الله أشتي أسألك سؤال وأرجو أنك تجاوبيني عليه...أنت تقولين أنك معقدة من جميع الأطباء، ومن الواضح مدى كرهكم لهم...وربما يكون عندك حق...لكن أنا شفت أنك قد أجريت عملية جراحية كبيرة في الكبد والمرارة والأمعاء عندما أصبت برصاصة في البطن...ومن المؤكد أن الأطباء قد انقذوا حياتك...مش كذه؟ أيش اللي يخليك تتعقدي منهم الآن بهذا الشكل وهم قد انقذوا حياتك مرة، ويمكن يستطيع بعضهم أن يساعدك في الوقت الحاضر، ومن يعلم الغيب ربما تحتاجين إليهم في المستقبل إذا أصابك مكروه لا قدر الله؟
لا...لا...مالك من العملية..قلت لك هذي كانت زمان..قبل ما يجي لي الوجع..مالك منّه! أني معقدة منهم ذلحين بعد ما جالي هذا الألم..وما قدروش يعملوا لي لأي حاجة..أيش دخل العملية بالوجع والألم..أني جلست أدور على كل الدكاترة من عيادة إلى عيادة ثلاث سنين، وكلهم نفس الكلام...كيف ما تشتيني أكرههم!..أني بعت كل ذهبي وما بقي لي شيء، وأهنت نفسي عند كل أهلي ومعاريفي حتى يساعدوني..أدفع للدكاترة...تكاليف وفلوس بلا حساب وياليت في منها فائدة...مالك أنت يادكتور...لازم تفهمني...ولا بتعمل زيهم أنت كمان..أني أقنعتني جارتي أنك ثاني..وأنك تختلف عنهم..
طيب...طيب...حاضر..ولا يهمك...خلاص..أنا باكتب لك أدوية خاصة بالتقلصات المؤلمة والتوترات العصبية التي أعتقد أنها سبب آلامك..وسوف أعاينك مرة أخرى بعد شهر، وإن شاء الله ستكون الأمور خيراً.
لا..لا..يا دكتور..أوبه تكون تشتي تكتب لي أدوية حق الأعصاب أو مهدئات..أني لا يمكن أستعمل مثل هذه الأدوية..قد مرة واحد دكتور كتب لي أدوية حق الأعصاب وكان با يميتني...أني أشتي دواء حق الألم..لكن المهدئات وأدوية الأعصاب حق المجانين....أني لا يمكن استعملها....أني ما عنديش أعصاب يادكتور..أني عندي ألم...ألم شديد يبدأ لي من سفال البطن..
أرادت أن تعيد وصف آلامها من الأول ومن جديد، فقاطعتها بلهجة آمرة، وقلت لها أنني قد فهمت ما تريد، ووصفت لها مضاداً للتقلصات وإنزيمات هضمية، وسلمتها الوصفة، وأنا أقول لها أنها تستطيع العودة إلي في أي وقت إذا غيرت رأيها، وقمت من مجلسي واقفاً لإشعارها بأن المقابلة قد انتهت، وأنها قد استغرقت من الوقت ما يكفي خمسة من المرضى، ورددت كلمة الوداع “مع السلامة..مع السلامة” بشكل متكرر يمنعها من التوقف من جديد لتوجيه سؤال آخر أو كلمة أخرى.
أغلقت الباب وراءها، فارتميت على مقعدي مرهق الذهن مجهداً، وكأنني قد عاينت عشرة مرضى في وقت واحد، وقلت لنفسي:”يا إلهي...لو تصادف يوماً أن دخل علي ثلاثة أو أربعة من مثل هذه المريضة، لكان ذلك كافياً لقتلي شر قتلة، ولو أن هناك مريضاً أو مريضة بهذا الشكل عند كل طبيب يومياً لما بقي أحد يمارس العمل الطبي، ولكان على كل منهم أن يبحث له عن أي عمل آخر”.
كنت أتمنى أن يكون كل هذا الجهد والعبء الذي تحملته بصبر وجلد في معاينة المريضة،قد أثمر شيئاً أو خفف عنها ألماً، أو حتى منحها أملاً ليوم أو لأيام، ولكنني كنت متأكداً من خلال كل ما جرى أنها قد أصيبت بخيبة أمل جديدة، وأنني قد أصبحت واحداً آخر من الأطباء الذين قد تعقدت منهم، وأعلنت كرهها لهم بكل صراحة ووضوح.
كان عزائي الوحيد أنني قد بذلت جهدي، ومددت يدي راغباً في تقديم المساعدة والعون، ولكن يدي الممدودة ظلت معلقة في الهواء، ولم تجد من يشد عليها ويعتبرها طريقاً إلى النجاة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.