سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
: جمال_بنعمر :نجاح مسيرة العبور نحو الديموقراطية في اليمن لايكون ممكناً إلا بجهود جميع الأطراف المحلية لتحقيقها استناداً إلى مبادىء الحوار والتوافق والتشاركية
تلك كانت أعمار الأنظمة التي سلمت بطريقة أو بأخرى لواقع الإرادة الشعبية، عدا سوريا التي تشهد حرباً مروعة. جاءت التحركات المفاجئة والمتعاقبة تلك في مواجهة ما وصفه البعض استثنائية عربية صبغها التفرد المديد في الحكم والاستئثار في الثروة والسلطة. لا يمكن التكهن بالمدى الزمني لهذه الموجة المطالبة بالتغيير الديموقراطي في المنطقة العربية. وقد يشكك كثيرون في نتائجها. ولكل دولة خصوصيتها بالطبع. لكن ما لا يقبل الشك أن ما بعد الثورات العربية لن يكون كما قبلها. نلحظ أن هذه الموجة حملت ثلاثة اتجاهات: 1- تطلعات كبيرة بتغيير ديموقراطي حقيقي في دول مثل تونسواليمن، 2- انهيار الدولة والفوضى والحرب في سوريا وربما ليبيا، و 3- محاولات توهم بالتغيير والإصلاح في دول أخرى. لكن بعد تجربة الأعوام الثلاثة الماضية، أدركت النخب أنه لا يمكن تحقيق تغيير ديموقراطي بين ليلة وضحاها. فذلك استغرق عقوداً وقروناً في أوروبا مثلاً. وهو أكثر تعقيداً من توقيع اتفاق بين أطراف متنازعة أو وضع خارطة طريق شاملة لحل أزمة ما. لكن هذين العاملين خطوة أساسية وأولى في اتجاه انتقال سياسي سلمي وسلس. وهذا بالضبط ما حصل في اليمن، الذي شكل علامة فارقة في المنطقة. لن أعيد على مسامعكم الآن تفاصيل التوصل إلى الاتفاق اليمني. لكن أود الإشارة إلى مجموعة عوامل: 1- كان أول التحديات في زمن الأزمة إقناع بعض أطرافها بحتمية التفاوض المباشر من أجل تجنب حرب أهلية شاملة، ومن أجل عقد تسوية سياسية تكون معبراً نحو مرحلة جديدة، وهذا ما تحقق بعد أشهر طويلة في نوفمبر 2011، 2- كان دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية غاية في الأهمية، حيث سارع المجلس إلى عرض مبادرة لحل النزاع، ثم 3- جاء دور الأممالمتحدة المبكر، المساند للمبادرة الخليجية، عبر المساعي الحميدة للأمين العام التي أمثلها، وأصدر مجلس الأمن أول قرار في أكتوبر 2011 لدعم تسوية سياسية مبنية على المبادرة الخليجية. بعد تفاوض اليمنيين، توصلوا بدعم أممي إلى اتفاق مفصل وخارطة طريق مزمّنة لتنظيم العملية الانتقالية وإدارتها. وهو الاتفاق الذي سمي الآلية التنفيذية. وفي هذا السياق، اتفقت الأطراف عبر هذه العملية التفاوضية على ضمان مشاركة النساء والشباب كمكونات بحد ذاتها لأول مرة، إضافة إلى أطراف سياسية أخرى غير موقعة على اتفاق نقل السلطة، مثل الحراك والحوثيين. وفي السياق نفسه، تم الاتفاق على عقد مؤتمر حوار وطني شامل، وعلى عدد من المبادىء والإجراءات والآليات. لهذا كان اليمن البلد الوحيد الذي بدأت فيه عملية انتقالية نتيجة اتفاق تفاوضي بين الأطراف المعنية. وقد دعمها مجلس الأمن بثلاثة قرارات اتخذ كلها بالإجماع. إذا ألقينا نظرة سريعة على المنطقة، نلاحظ أن ما حظيت به العملية الانتقالية في اليمن من دعم وإجماع دوليين لم تنعم بهما أي من دول الربيع العربي. فهو البلد الوحيد الذي خاطبه مجلس الأمن بصوت واحد، والذي يعمل المجلس من أجله بتناغم وتنسيق مع المحيط الإقليمي. وفي هذا إقرار بأهمية اليمن الجيوسياسية، وبالتالي الإجماع الدولي على أهمية أمنه وسلامته واستقراره بالنسبة إلي الأمن الإقليمي والدولي. وتكمن المفارقة المهمة في التالي: رغم أن اليمن ثاني أكثر بلدان العالم انتشاراً للأسلحة بعد الولاياتالمتحدة، وأن تركيبته الاجتماعية هي الأكثر قبلية في المنطقة، وأنه أفقر دول هذه المنطقة، لكنه في النهاية اختار نهج التغيير السلمي وليس العنف، وتجنب الوقوع في فخ حرب أهلية مديدة. ومن المفارقات كذلك أن اليمنيين اتفقوا على حكومة وفاق وطني وعلى رئيس توافقي لقيت عملية انتخابه إقبالاً واسعاً. وكان ذلك بمثابة استفتاء شعبي ناجح على عملية التغيير السلمي. وعقد اليمن كذلك مؤتمر حوار وطني شامل غير مسبوق في المنطقة، وشكلت هذه المرحلة بداية ترسيخ ثقافة الحوار في اليمن. صارعت اللجنة الفنية المكلفة التحضير الوقت وكثيراً من الإرث السياسي. ولأول مرة في تاريخ اليمن تشكل لجنة يشارك فيها جميع الأطراف من دون استثناء. فجلست شخصيات نسائية إلى جانب قياديين تقليديين بينهم من قبل على مضض دوراً نسائياً في العملية السياسية. استغرقت عملية التحضير للتظاهرة الحوارية الفريدة ستة أشهر، أي ضعفي الوقت المحدد لها في الآلية التنفيذيةاتفاق نقل السلطة. ثم بدأ الحوار الوطني، الذي استمر عشرة أشهر بدل الأشهر الستة المحددة، وانتهى بنجاح ترددت أصداؤه في العالم. حيث أصدر وثيقة مخرجات واعدة وضعت أسس يمن جديد يشكل قطيعة كاملة مع ماضي النزاعات والصراعات، ويرسي ركائز دولة ديموقراطية جديدة، دولة اتحادية مبنية على مبدأ سيادة القانون والمواطنة المتساوية. في اليمن، خلافاً لدول أخرى، شارك النساء والشباب في العملية السياسية، وأصبح لهم صوت ودور نافذ. وهذا البلد الوحيد الذي أتاح فرصة لتلك الشرائح المجتمعية. وفي هذا السياق، حققت النساء مطالبهن، بما فيها ضمان تمثيلهن بنسبة ثلاثين في المئة في جميع مراكز السلطة، رغم أن اليمن أحد أكثر المجتمعات محافظة في المنطقة. بدأت عملية صياغة الدستور، لكنها جاءت مبنية على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني وتخضع إلى رقابة هيئة وطنية تمثل فيها جميع الفعاليات السياسية، بما فيها النساء والشباب والحوثيون والحراك. في اختصار، استطاع اليمنيات واليمنيون أن يقدموا نموذجاً مبنياً على الحوار والتوافق والشراكة السياسية. المشهد ليس وردياً تماماً. فقد رافقت تلك المرحلة في اليمن تحديات كبيرة لا يزال بعضها مستمراً. كان أبرزها عرقلة ممنهجة مارستها أطراف حالمة بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وأخرى حاولت انتزاع مكاسب إضافية. تضمنت مساعي العرقلة شن حملات إعلامية مضللة، والتهديد والاختطاف والاغتيال، وشن أعمال التخريب واستهداف البنى التحتية والتحريض على الاقتتال والعنف. وساهم في تعزيز ذلك فوضى السلاح وضعف الدولة والتطرف والإرهاب. فاليمنيون اليوم يحاربون إرهاب تنظيم القاعدة نيابة عن الجميع، ويدفعون أثماناً باهظة. رغم جميع التحديات والعقبات، على اليمنيات واليمنيين أن يفتخروا بما حققوه. فقد تمكنوا عبر تجربتهم النوعية من جذب أنظار العالم، واستحقوا كل الدعم. وهم لا يزالوا في حاجة إليه لاستكمال مسيرة العبور نحو الديموقراطية. لكن نجاح مسيرات كهذه لا يكون ممكناً إلا إذا تضافرت جهود جميع الأطراف المحلية لتحقيقها استناداً إلى مبادىء الحوار والتوافق والتشاركية من أجل تحقيق المصلحة العليا. وأشدد هنا على كلمة الأطراف المحلية، لأن التحول الديموقراطي الحقيقي لا يمكن أن يستورد من الخارج. وتصبح عمليات التحول ممكنة عبر التطلع فقط نحو المستقبل: عبر طي صفحة الماضي إلى غير رجعة لتحقيق المصالحة الوطنية. وتصبح ممكنة كذلك عبر وضع حد للفساد وإرساء مفهوم المحاسبة والمساءلة، وإعادة بناء المؤسسات وعلى رأسها القوات المسلحة، وإعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل. من خلال التجربة اليمنية، يمكن القول إنه لا يصحّ أي انتقال ديموقراطي من دون إعطاء دور أساسي للنساء والشباب والمجتمع المدني. من دون هذه المكونات لم تكن رياح التغيير لتهبّ على المنطقة، ومن دون مشاركتها الفعالة لن تستقيم أية عملية ديموقراطية. نحن على يقين أن الجيل الجديد من النساء والشباب الذي أطلق شرارات التغيير السلمي سيواصل النضال من أجل عملية التغيير. لا بد أن يترافق الإصلاح السياسي مع إصلاح اقتصادي وتنمية. وجلهم يحتاج موارد مالية كبيرة غالباً ما يكون مصدرها دول صديقة. تبنت قمة مجموعة الدول الثماني عام 2011 مثلاً شراكة دوفيل، تعهدت بموجبها مساعدة الدول التي تشهد عمليات انتقالية نحو مجتمعات حرة وديموقراطية.هل كان الدعم كافياً؟ هذا نقاش آخر لن أخوض فيه الآن، لكني أردت الإشارة إلى هذا الجانب كأحد تحديات العمليات الانتقالية. في نهاية المطاف، بدأت مسيرة التغيير في العالم العربي. ولن تكون سلسة، وستشهد انتكاسات وستواجه تحديات. لكن نجاحها مرهون بعوامل عدة، في مقدمتها مدى صلابة الإرادة الشعبية. (وحدة الإعلام) المصير اونلاين