جاء الخطاب الموعود، الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس، حول سياسته الخارجية أقرب إلى مرافعة المحامي عن توجهاته في هذا المجال، فقد خلا من المقاربات الاستراتيجية لمعالجة القضايا والتحديات الكبيرة المطروحة. ابتعد عن الملفات الساخنة والمعقدة، إما مرّ عليها بصورة عابرة وإما تجاهلها كلياً. وبذلك كان خطابه محاضرة، دارت حول تعريفه للدور القيادي الأميركي في العالم، الذي يرى أنه ينبغي ألا يقوم على سياسة التدخل العسكري. توجّه يحظى بالتقدير من حيث المبدأ، لكنه لم يقدّم البديل المطلوب أن ينهض به هذا الدور في تعامله مع المشكلات، والأوضاع، والساحات الملتهبة، والمفتوحة على شتى المخاطر. من القضية الفلسطينية التي لم يأت على سيرتها، ولو بالإشارة العابرة، إلى أوكرانيا، والتحدّي الروسي، فضلاً عن التوترات في بحر الصين. وحتى الشرق الأوسط، فقد مرّ عليه بسرعة، وبالخطاب نفسه، خاصة سوريا، حيث إذا كان هناك من بقايا اعتقاد في أن تلجأ إدارته إلى شكل من أشكال التدخل العسكري، من أجل حسم الوضع الميداني فيها، فمثل هذا الاحتمال لم يعد قائماً بعد خطابه. ربما للمرة الأخيرة قبل نهاية ولايته، وضع أوباما النقاط على حروف توجهاته، وبما لا يترك مجالاً للالتباس في أن خياره الأساسي هو الدبلوماسية، وأن الخيار العسكري اضطراري، وله شروط صارمة. «إذا كنا نملك أفضل مطرقة، فلا يعني ذلك أن كل مشكلة- في العالم- هي مسمار»، كما قال. كلام واضح وقاطع، وترجمته في اللحظة الراهنة، بأنه ليس في وارد تسليح المعارضة السورية بالدرجة المطلوبة، والقادرة على تغيير موازين القوى على الأرض، فمثل ذلك تدخّل عسكري، ينبغي أن يكون متروكاً « للدفاع عن النفس، وعن مصالحنا الجوهرية». وإذ ينفي بأنه يدعو للانعزال «الذي ليس خيار أميركا في القرن الحادي والعشرين »، إلاّ أنه في الوقت ذاته لا يرى « لكل مشكلة حلاً عسكرياً». وهو بذلك يرد على سياسات سلفه بوش، كما على منتقديه خاصة في الكونغرس، وبما ينهي الجدل في هذا الخصوص، فهو فقط مع زيادة المساعدة لدول الجوار في احتضانها للاجئين، فضلاً عن الرغبة في « العمل مع الكونغرس لتكثيف الدعم للمعارضة السورية البديلة عن الدكتاتور والمتطرفين»، لكن في حدود السعي، لتعزيز فرص الحل السياسي. مفاد ذلك أن الأسلحة النوعية خارج لائحة الدعم. وفي هذه الحدود، ليس في موقفه من جديد بقدر ما فيهما من تأكيد مواصلة تمسكه بخطّه المعروف، الذي يقع في المنطقة الرمادية بين الابتعاد عن الأزمات، وبين التدخل فيها. فقط موضوع الإرهاب باعتباره «التهديد الأكبر» حظي بالتركيز لجهة ضرورة مواجهته بالشراكة مع الآخرين، الذين دعا الكونغرس إلى مساعدتهم، من خلال تأسيس صندوق بخمس مليارات دولار يتكفل بتمكينهم من القيام بقسطهم في هذا الخصوص. مشروع يعفي واشنطن من التدخل المباشر،« فالقيام بغزو بلدان تتواجد فيها جماعات إرهابية، هو عمل ساذج، ولا يمكن تحمّله». أوباما حفظ جيداً دروس عقد الحروب الماضي، وهو حازم وقاطع في تطبيقها. الخيار العسكري بالنسبة له، خط أحمر فعلي، لكن أزمته كونه رئيساً لقوة عظمى أنه فيما يواجه تحديات لدور هذه القوة وموقعها، غير قادر سوى على إلقاء الدروس عن فضائل مغادرة الحروب، لكن الواقع العنيد على الأرض، يجعل من هذه الفضيلة مجرد طموح يحظى بالتقدير، وبين التمسك بها ومواجهة هذا الواقع تبقى رئاسته أسيرة الارتباك. البيان الاماراتية